
ما كتبتش أكتر من كده.
لكنه رد بعد دقائق:
“الحمد لله. شكرًا إنك رديتي.”
وانتهى الكلام.
لكن الغريب إني لأول مرة من شهور، ما حسيتش بالاختناق بعد ما شفت اسمه على الشاشة.
حسيت إني أخيرًا بقيت قادرة أفتكر الماضي من غير ما أسمح له يتحكم في يومي.
بعد أسبوعين، اتقابلنا صدفة في معرض فني في الزمالك.
كنت رايحة مع نادين، وهو كان موجود مع مريم.
أول ما شافني، وقف مكانه، ثم ابتسم ابتسامة بسيطة.
قال:
“إزيك؟”
قلت:
“الحمد لله. إنت عامل إيه؟”
“بخير.”
نادين سلمت على مريم، وبعدها اتحركت معاها ناحية لوحة في آخر القاعة، وسابتنا واقفين قدام لوحة كبيرة مرسوم فيها طريق طويل بين شجر أخضر.
حمزة بص للوحة وقال:
“فاكرة لما كنا بنحلم نسافر ونمشي في طريق زي ده؟”
ابتسمت بحزن.
“فاكرة.”
سكت شوية، ثم قال:
“كنت بفكر إن فيه حاجات بنفتكرها أحلى مما كانت، وحاجات بنفهم قيمتها متأخر.”
بصيت له.
“وده صحيح.”
قال:
“أنا مش عارف إذا كنتِ هتقدري تسامحيني يومًا ما، لكني مش هطلب منك إجابة.”
سألته:
“وإنت مستني إيه مني يا حمزة؟”
بص لي طويلًا.
“ولا حاجة. نفسي بس تكوني سعيدة، حتى لو سعادتك مش معايا.”
كانت دي أول مرة أسمع منه كلامًا ما حاولش فيه يقنعني، ولا يبرر نفسه، ولا يطلب مني أريحه من إحساسه بالذنب.
قلت:
“أنا بدأت أكون سعيدة.”
ابتسم.
“ده أهم شيء.”
وبعدها ساب لي مساحة أتحرك، من غير ما يحاول يطول اللقاء.
لكن قبل ما أمشي، ناداني.
“سارة.”
لفيت.
قال:
“أنا لسه بحبك. بس المرة دي، مش هطلب منك تعملي أي حاجة بالحب ده.”
بصيت له، وقلت:
“أتمنى تكون اتعلمت إن الحب مش كلام بيتقال وقت الخوف من الفقد.”
رد بهدوء:
“اتعلمت.”
ومشيت ناحية نادين.
ما رجعتش أبص ورايا.
مش لأني ما كنتش حاسة بحاجة، لكن لأني أخيرًا ما بقيتش محتاجة أعرف إذا كان لسه واقف مستنيني.
بعد شهر، مريم اتصلت بيا وقالت إن حمزة عايز يقابلني في البيت الصغير اللي على البحيرة، نفس المكان اللي اتقابلنا فيه أول مرة بعد سبعة وأربعين يوم.
سألتها:
“ليه؟”
قالت:
“قال لي إن فيه حاجة عايز يديهالك بنفسه. ولو رفضتي، هيبعتها لك معايا.”
فكرت شوية، وبعدها وافقت.
وصلت قبل الغروب.
كان حمزة واقف عند الشباك، والساعة الأثرية محطوطة على الترابيزة.
أول ما دخلت، وقف، لكنه ما قربش مني.
قال:
“شكرًا إنك جيتي.”
قعدت قدامه.
“إيه الحاجة اللي عايز تديهالي؟”
دفع العلبة ناحيتي.
“الساعة بتاعتك.”
بصيت له باستغراب.
“دي ساعتك.”
هز راسه.
“لأ. إنتِ اشتريتيها عشان تديني هدية، لكني ما استحقش إني أحتفظ بيها كأن كل حاجة بينا لسه زي ما كانت.”
فتحت العلبة.
كانت الساعة متوقفة.
سألته:
“ليه مش شغالة؟”
قال:
“البطارية خلصت. ما غيرتهاش.”
بصيت له، مش فاهمة قصده.
كمل:
“كنت كل مرة أقول هصلحها، وبعدها أرجع أقول لنفسي إن مش من حقي أرجع أشغلها كأن باقي العمر لسه مستنيني.”
سكت لحظة.
“لكن الحقيقة إني ما كنتش عايز أصلحها عشان ما أواجهش السؤال اللي إنتِ سألتيهولي أول مرة هنا.”
رفعت عيني.
قال:
“ليه فضلت قاعد في الفندق؟”
الهواء بينا بقى تقيل.
حمزة أخد نفسًا طويلًا، ثم قال:
“لأنني وقتها كنت فاكر إنك هتسامحيني في النهاية. كنت فاكر إن تلاتاشر سنة كفاية عشان تخليكي تستحملي غلطي. كنت فاكر إن حبك ليا مضمون، وإنك مهما اتوجعتي هترجعي.”
ما اتحركتش.
كمل:
“أنا ما فضلتش هناك لأني كنت بحب ميرنا أكتر. ولا لأني كنت عايز أتجوزها. أنا فضلت لأنني كنت أناني، ولأنني كنت عايز أهرب من اللحظة اللي هضطر فيها أشوف نفسي على حقيقتها.”
عينه دمعت.
“وكنت غلطان. غلطان لدرجة إني خسرت حق إني أطلب منك أي حاجة.”
نزلت عيني للساعة.
كنت مستنية اعترافًا واضحًا، لكنه لأول مرة ما حاولش يخفف من حجم اللي عمله.
سألته:
“ولو أنا رجعت، إيه اللي هيضمن لي إنك مش هتكرر نفس الغلطة؟”
رد من غير تردد:
“مفيش ضمان أقدر أديهولك بالكلام. الثقة لو رجعت، هترجع بالأفعال والوقت، ولو ما رجعتش، يبقى لازم أحترم ده.”
قلت:
“أنا مش عايزة أعيش وأنا بفتش وراك. مش عايزة كل مرة تتأخر فيها أفتكر إسكندرية. مش عايزة أبقى الست اللي بتحاول تثبت لنفسها إن جوزها مش بيعمل حاجة غلط.”
حمزة هز راسه.
“وأنا مش عايزك تعيشي كده.”
“أنا محتاجة علاقة أقدر أنام فيها وأنا مطمنة، مش علاقة أضطر فيها أراقب كل كلمة وكل حركة.”
قال:
“عارف.”
سكتنا شوية.
ثم سألني:
“إنتِ سعيدة من غيري؟”
السؤال كان بسيط، لكن إجابته ما كانتش سهلة.
فكرت في الشهور اللي فاتت، في الأيام اللي كنت بصحى فيها وأنا مش قادرة أتنفس من الحزن، وفي الأيام اللي بدأت أضحك فيها من قلبي، وفي اللحظات اللي اكتشفت فيها إني أقدر أعيش لوحدي من غير ما أحس إني ناقصة.
قلت له:
“أنا بتعلم أكون سعيدة من غيرك.”
حمزة غمض عينه للحظة.
وبعدين ابتسم ابتسامة حزينة.
“يبقى كملي.”
قمت من مكاني.
لما وصلت للباب، سمعت صوته:
“سارة، أنا هفضل أحبك.”
لفيت له.
قلت بهدوء:
“أنا مش هقدر أقولك إني بطلت أحبك. بس مش كل حب لازم ينتهي بجواز.”
هز راسه.
وخرجت.
المرة دي، ما حسيتش إني بهرب.
حسيت إني باختار.
عدت شهور تانية.
وفي يوم، وأنا قاعدة في شقتي، جالي اتصال من مريم.
كانت بتضحك، وقالت:
“سارة، عندي خبر.”
“خير؟”
“حمزة اتقدم لواحدة.”
سكت.
حسيت بوخزة صغيرة في قلبي، لكني قدرت أتنفس بشكل طبيعي.
سألتها:
“مين؟”


