
قالت إن دي أول مرة تجمع فيها العيلة اللي كانت محرومة منها سنين، وإنها عايزة تبدأ صفحة جديدة.
وافقت أروح، بشرط إن حمزة يعرف إني جاية عشانها هي، مش عشانه.
وصلت قبل معاد العشاء بعشر دقايق.
حمزة كان واقف في البلكونة، ولما شافني، اكتفى بابتسامة صغيرة.
ما قربش مني.
ما حاولش يمسك إيدي.
ولا قال لي إنه وحشتيه.
دخلنا كلنا، وقعدنا حوالين الترابيزة.
مريم كانت بتحكي عن ذكريات طفولتها، وعن أول يوم راحت فيه المدرسة، وعن أبوها اللي ما شافتهوش غير في صور قليلة.
حمزة كان بيسمعها بانتباه، وكل شوية يسألها عن حاجة تخص حياتها.
ولأول مرة، شفته بيتعامل مع أخته من غير ما يحاول يعوض غياب السنين بالفلوس.
بعد العشاء، مريم دخلت المطبخ، وفضلنا أنا وهو لوحدنا في الصالة.
حمزة قال:
“شكرًا إنك جيتي.”
رديت:
“أنا جيت عشان مريم.”
“عارف.”
سكت شوية، ثم قال:
“أنا مش هسألك إذا كنتِ سامحتيني.”
بصيت له.
“كويس.”
كمل:
“بس عايزك تعرفي إن اللي حصل في إسكندرية ما كانش بسبب إنك قصرتي، ولا لأنك ما كنتيش كفاية. أنا اللي اخترت أعمل حاجة غلط، وأنا اللي كان لازم أتحمل نتيجتها.”
حسيت إن الكلام لمس حاجة جوايا، لكني ما أظهرتش ده.
قلت:
“أنا مش محتاجة أسمع إنك ندمان بس. أنا محتاجة أعرف إنك فهمت إن الحب مش تصريح إنك تعمل اللي إنت عايزه، وبعدين تتوقع إن الطرف التاني يفضل موجود.”
هز راسه.
“فهمت.”
سألته:
“ولو الزمن رجع، كنت هتعمل إيه؟”
بص لي مباشرة.
“كنت هواجهك من أول يوم حسيت فيه إني عايز حاجة مش قادر أكون صادق معاكي بشأنها. كنت هقولك الحقيقة، وأقبل إنك ممكن تمشي. بدل ما أعيش حياتين وأسيبك إنتِ تدفعي الثمن.”
نزلت عيني.
كنت مستنية منه كلام كبير، وعد أبدي، أو قسم إنه مش هيكرر اللي حصل.
لكنه ما وعدنيش بحاجة.
ويمكن دي كانت أول مرة أحس إنه فاهم إن القرار مش في إيده.
قبل ما أمشي، مريم خرجت من المطبخ ومعاها صندوق صغير.
قالت:
“ده ليكي يا سارة.”
فتحته.
كان جواه سلسلة فضة قديمة، عليها تعليقة صغيرة على شكل قلب.
افتكرتها فورًا.
كانت السلسلة اللي مريم كانت بتلبسها وإحنا صغيرين، وكنت بحبها جدًا.
قالت:
“أبوكي احتفظ بيها عنده، ولما عرفت إنه توفى، فضلت أدور عليها. لقيتها وسط أوراقه.”
دموعي نزلت.
لبستها، وحضنت مريم.
ولما خرجت من البيت، حمزة مشي معايا لحد العربية.
وقف بعيد خطوة، وقال:
“تصبحي على خير يا سارة.”
رديت:
“وإنت من أهله.”
ركبت العربية، ولما بصيت في المراية، لقيته لسه واقف مكانه.
لكن المرة دي، ما حسيتش إنه بيستنى مني أرجع.
كان واقف بس، سايب لي حرية الاختيار.
بعد ست شهور من إلغاء الفرح، بدأت حياتي تستقر.
رجعت لشغلي، واهتميت بنفسي، وبدأت أخرج مع نادين وأزور مريم بانتظام.
ما بقيتش بعيط كل ليلة، وما بقيتش أفتح صورنا القديمة كل ما أحس بالوحدة.
لكن في بعض الأيام، كنت أفتكر حمزة فجأة.
أفتكر ضحكته، وطريقته وهو بيحكي عن أحلامه، واليوم اللي وقف فيه قدامي وقال إنه استنى اتناشر سنة عشان يبقى متأكد.
كنت أفتكر كل ده، وأحزن.
لكن الحزن ما بقاش معناه إني لازم أرجع.
في يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت ظرفًا صغيرًا في صندوق البريد.
ما كانش عليه اسم المرسل، لكني عرفت الخط.
فتحته.
جواه ورقة واحدة، ومعاها صورة للساعة الأثرية.
الساعة اللي كنت جبتها له هدية قبل الفرح.
وكان مكتوب:
“سارة، الساعة دي فضلت معايا طول الشهور اللي فاتت. كل ما أبص عليها، أفتكر إنك كنتِ مستعدة تديني باقي عمرك، وأنا ما كنتش أمين على اللي اديتهولي.
أنا مش هطلب منك ترجعي، ومش هقولك إنك لازم تديني فرصة. كل اللي عايز أقوله إن السنين اللي قضيناها سوا كانت حقيقية بالنسبة لي، حتى لو أنا خنت المعنى اللي كان لازم أحافظ عليه.
لو في يوم قررتي إنك عايزة نتكلم، هكون موجود. ولو ما قررتيش، هفضل أحترم اختيارك.
حمزة.”
قعدت على الكنبة، والساعة في إيدي.
فتحت العلبة، وبصيت على النقش القديم:
“تلاتاشر سنة فاتوا بينا، وباقي عمرنا كله قدامنا.”
مررت صوابعي على الكلمات.
ثم قفلت العلبة وحطيتها في الدرج.
ما رميتهاش.
وما لبستش الدبلة.
لأن فيه فرق بين إنك تحتفظي بذكرى، وبين إنك ترجعي تعيشي جواها.
بعد سنة كاملة من ليلة الفندق، وصلني اتصال من مريم.
كان صوتها فرحان بشكل واضح.
“سارة، عندي خبر حلو.”
ابتسمت.
“خير؟”
قالت:
“الجزء الأكبر من حقي رجع، والمحامي خلص الإجراءات الأساسية. وكمان حمزة قرر ينقل جزءًا من أرباح الشركة لمؤسسة بتساعد الأطفال اللي مالهمش أسر مستقرة.”
سكتت لحظة، ثم أضافت:
“هو ما طلبش مني أقولك، بس أنا حبيت تعرفي.”
قلت:
“ربنا يوفقه.”
مريم سكتت، ثم سألت:
“إنتِ لسه زعلانة منه؟”
بصيت من الشباك.
“أنا مش زعلانة طول الوقت. بس مش معنى إني بطلت أزعل إني نسيت.”
“ويمكن في يوم تسامحيه.”
رديت بهدوء:
“يمكن. بس التسامح مش معناه الرجوع.”
مريم قالت:
“عندك حق.”
بعد ما قفلت، فضلت أفكر في كلامها.
كنت عارفة إن حمزة اتغير في حاجات كتير. وإنه بقى أكثر هدوءًا، وإنه واجه بعض أخطاء الماضي بدل ما يخبيها.
لكن هل ده كفاية عشان أرجع أثق فيه؟
ما كنتش عارفة.
وفي نفس الليلة، وأنا بجهز حاجتي لرحلة قصيرة مع نادين، لقيت رسالة جديدة منه.
“سارة، بكرة ذكرى اليوم اللي طلبت فيه إيدك. مش ببعتلك عشان أضغط عليكي، لكن عشان اليوم ده كان مهم بالنسبة لي، وحبيت أقولك إني آسف إني حولت ذكرى حلوة لوجع.
أتمنى تكوني بخير.”
قريت الرسالة، وقعدت فترة طويلة أفكر.
وبعدها كتبت له أول رد مني من شهور:
“أنا بخير يا حمزة. أتمنى تكون إنت كمان بخير.”




