
رجعت البلد عشان أعمل لأمي مفاجأة، ولقيتها واقفة في الدكان بتطلب كيلو رز وتطلبه بالأجل! وأنا اللي كنت ببعت لها آلاف الجنيهات كل شهر عشان تعيش حياة كريمة.. ولما سألتها الفلوس دي فين، نزلت راسها وقالت لي الصدمة اللي جمدتني في مكاني: أختك منى هي اللي كانت بتاخد كل مليم.. وهنا بدأت رحلتي عشان أكشف المشكلة اللي عملتها في أمي!
يا عم حامد.. والنبي تراضيني بكيلو رز؟ هقبض جمعية الجمعة الجاية وأسدهولك!
سمعت صوت أمي قبل ما أشوفها واقفة قدام دكان الحارة.
كنت لسه نازل من العربية ومعايا علبة جاتوه وجاي أعمل لها مفاجأة بعد غياب سنتين كاملين برة البلد بسبب الشغل وسفري الدائم. وفجأة لقيتها واقفة جنب الباب، لابسة جلابية قديمة ومبلولة، وماسكة كيس بلاستيك ممزق بين إيديها.
على الدفتر المفتوح قدام البائع كان مكتوب اسمها بخط واضح نعمة عبد التواب. وعليها ديون لبصل وزيت وصابون وفول.
حسيت بإحساس بالعار.. بس مش منها، من نفسي!
كل شهر كنت بحول ثماني آلاف جنيه لصاريفها ومتطلباتها. كنت ببعتهم على حساب أختي منى لأنها ساكنة قريب من أمي، وكانت دايماً بتقول لي اطمن يا أحمد، أنا اللي بصرف على أمنا وعارفة طلباتها كويس.
يا أمي..
التفتت لي فجأة. في الأول وشها منور بابتسامة فرح، وبعدين بصت لدفتر الديون فباهت وشها وفقد ألوانه.
أحمد.. ابني؟! جيت امتى ومن غير ما تقول؟!
حضنتها، وهنا الصدمة زلزلت قلبي.. أمي كانت خفيفة بشكل مرعب، جسمها بقى عامل زي العود الناشف تحت الجلابية!
يا أمي إيه اللي مقعدك تكتبي بالدين، وأنا ببعت لك فلوس كل شهر؟!
يا ضنايا معلش، الدنيا غالية والدكاترة والعلاج..
عم حامد البائع ساب الميزان وقال بجدية:
مع احترامي ليك يا أحمد.. أمك من زمان ماشفتش مليم واحد، دي كانت بتفطر على شاي حاف أحياناً!
أمي بصت له نظرة ترجي وسكوت.
كنت عارف النظرة دي كويس.. دي نفس النظرة اللي كانت تحمينا بيها زمان واحنا صغيرين وتقول لنا أنا شبعانة ومش عايزة أكل.
خلصت حساب الدكان، ومشيت معاها لحد البيت اللي ربيتنا فيه.
الحيطان المقشرة، الباب اللي مكسور، والتراب اللي في كل حتة. جوة ملقيتش التلاجة الجديدة اللي أختي قالت لي إنها جابتها، ولا الغسالة اللي دفعت ثمنها!
في المطبخ.. ملقيتش غير كيس فيه تلات بيضات وحتة جبنة ناشفة.
يا أمي.. أنطقي وحياتي عندك، من امتى الفلوس دي مابتصلش بيكي؟!
قعدت على الكرسي ببطء، وكفت إيديها على وشها، وقالت بصوت مكسور:
من أول يوم بدأت تبعت فيه يا ابني.. أختك منى كانت بتاخد كل قرش!
وفي اللحظة دي.. عرفت إن أختي مكنش بتسرق فلوسي وبس.. دي كانت بتسرق عمر أمي وسنين حياتها خطوة بخطوة!
يا ترى إيه اللي عملته أختي بالفلوس كلها؟ وإزاي أحمد هيربيها وياخد حق أمه المظلومة؟
انتظروا الجزء الأخير.. المفاجأة هتنسفهم للأبد!
الجزء الثاني: الصدمة التي لم أتخيلها
جلستُ جنب أمي، وأمسكتُ بيدها المرتعشة، وقلتُ بصوت أحاول أن أجعله هادئاً رغم الغضب الذي يغلي في صدري:
احكيلي كل حاجة يا أمي.. من الأول للآخر. متخافيش من حاجة، أنا معاكي دلوقتي، ومش هسمح لأي حد يأذيكِ تاني.
مسحت دموعها بمنديل قديم ممزق، وبدأت تحكي بصوت خافت ومرتعش، وكأنها تخاف أن تسمعها الجدران نفسها:
من أول شهر بعت الفلوس، جت لي منى وقالت لي فلوس كتير قوي يا أمي، أحمد مش عايزكِ تهدريها، أنا هحطها في حسابي وأصرفلكِ كل يوم اللي محتاجاه عشان متضيعيش حاجة. وافقتُ يا بني، كنتِ واثقة فيها.. بنتي الكبرى، كنتِ فاكرة إنها بتحميني وتخاف عليّ.
سكتت للحظة، وتنهدت بألم عميق، ثم استكملت:
أول شهر، جابت لي قليل من الخضار والخبز، وقالت الفلوس لسه مجهزة. تاني شهر، قالت الأسعار غالية ومصاريف البيت كتير، ومش عايزة تثقل عليكِ. ومع الوقت، بدأت تقلّ أكتر وأكتر. كنتِ أقول لها يا منى، أنا بنتك مش غريبة، خائفة عليّ أمرض وأحتاج علاج. كانت ترد عليا بكل وقاحة: تعالي عندي يبقى، عندي أكل وشرب وراحة، بس بلاش تيجي تقولي لأحمد حاجة، هو مش هيتحمل وممكن يقطعنا عيشنا كلنا.
قلبي اتقطع مع كل كلمة تقولها.
يعني كانت تضغط عليكِ إنك متقوليش لي حاجة؟ كانت تؤثر عليكِ عشان ما أكتشف الحقيقة؟
كانت تقول لي إنك مش فاضي، وإنني عبء عليكِ، وإن لو عرفت هتتركني ومش هتبعت ولا مليم تاني. كنتِ خائفة يا ابني.. خائفة أتوه وأبقى وحيدة. فسكتّ.. سكتّ سنتين كاملين، وأنا جوايا ألم كبير كل ما أشوف نفسي محتاجة حاجة ومش معايا ثمنها.
قمتُ وقفت، وقلبي يخفق بقوة لا تصدق. سنتين.. سنتين وأنا في الغربة، أجتهد وأعمل ساعات طويلة كل يوم، أحرم نفسي من أشياء كثيرة عشان أضمن لها حياة كريمة، والفلوس تذهب لمنى لتعيش بها هي ومن حولها حياة مترفة، وأمي تتضور جوعاً وتعيش في بيت مهترئ بلا أدنى مقومات الحياة الكريمة!
نظرتُ حولي في الغرفة الصغيرة: السرير القديم المرقع، النافذة المكسورة التي يسقط منها المطر والبرد، الموقد الذي لا يعمل إلا بشق الأنفس. دموعي سقطت رغماً عني، لا حزناً بل غضباً.. غضباً على نفسي أولاً، لأنني لم أكن هنا لأحميها، وثانياً على تلك الأخت التي خانّت أمانة لم يكن من حقها أن تحملها أصلاً.
مش هيسكت عن ده يا أمي.. مش هيسكت. كل مليم أخذته هيرجعلكِ، وحقك اللي اتسرق منكِ سنتين كاملين هيرجع.. حتى لو كان الثمن علاقتي ببنت عمري كنتِ بحبها وبتمنى لها الخير.
الجزء الثالث: المواجهة التي لم تتوقعها
في اليوم التالي، ذهبتُ لبيت منى. وقفتُ أمام الباب الفخم الذي اشتراه من فلوس أمي المسروقة، وشعرتُ بالغضب يتصاعد في صدري بلا هوادة. خبطتُ على الباب بقوة، وفتحت لي بابتسامة واثقة:
أحمد! جيت امتى؟ مبروك العودة يا سيدي، تعالى ادخل، لسه كنتِ أفكر أكلمكِ أسألك وصلت ولا لا!




