
الساعة 3:17 الفجر، كنت باصص في الكاميرات المخفية، وشفت الممرضة الجديدة لابني اللي عنده تمانية سنين وهي بتطلع جنبه على السرير بهدوء.. وفي ثانية كانت إيدي طارت على هاتفي. أنا عاصم الديب، أكبر وأهيب رجل أعمال نافذ في الساحل الشرقي، وابني اتقعد على كرسي متحرك في نفس الحادث اللي خد مني مراتي. كنت مزرع كاميرات في كل شبر في قصرنا اللي في رود آيلاند لأني مبثقش في بني آدم. بس لما يونس صرخ فجأة ومريم حضنته ولفّت دراعاتها حواليه بقوة، اللي حصل بعدها خلاني أنزل هاتفي لأول مرة الليلة دي.
اسمي عاصم الديب. عندي تلاتة وأربعين سنة، وقبل الحكاية دي بأربعتاشر شهر، حد دبّر حادثًا تحت عربيتي المدرعة.
أنا نجيت.. لكن مراتي، فريدة، ما كانتش معانا بعدها.
وابننا يونس، اللي عنده تمانية سنين، نجا بس خرج بإصابة في النخاع الشوكي حرمته من إنه يحرك رجليه. قبل الحادث ده، كان مالي قصرنا ضحك وجزم مليانة طين ومقالب مجنونة ملهاش أول من آخر.
بعدها.. بقا أخرس تقريبًا ومبينطقش.
جبت أحسن دكاترة، ومعالجين طبيعيين، وممرضين فلوس الدنيا تقدر تشتريهم.. بس مفيش أي حاجة قدرت ترجعلي الواد الشقي اللي كان بيجري في طرقات بيتنا.
عشان كده عملت أكتر حاجة بفهم فيها كويس..
شددت الحراسة.
كاميرات مخفية بتراقب كل باب، أوضة نوم، طرقة، وأوضة علاج. ومافيش غير مدير أمنّي، طارق، اللي كان عارف هما محطوطين فين بالظبط.
لحد ما ظهرت مريم.
كانت عندها أربعة وثلاثين سنة، لابسة بالطو كحلي قديم وشايلة شنطة جلد مهترئة. وعكس كل بني آدم دخل مكتبي قبلها، مكنش باين عليها ذرة خوف واحدة.
بصيت في الملف بتاعها وبدأت الاستجواب:
“إنتي مش ممرضة.”
“لأ.”
“اشتغلتي في دعم التأهيل، بس فيه فجوة سنتين في السيرة الذاتية.”
“آه.”
“مش ناوية تشرحي السبب؟”
مريم بصت في عيني دغري من غير ما ترمش:
“على حسب السؤال.”
طارق اتحرك بقلق جنب الباب.
مفيش مخلوق تجرأ يكلمني بالطريقة دي قبل كده.
حذرتها بنبرة حادة: “ابني محتاج رعاية خاصة.. متابعة أدوية، نقل، وعلاج طبيعي، وغير كده هو أصلاً مش بيتعاون خالص.”
ردت ببرود: “ده عنده تمانية سنين.”
“وماتكلمش أكتر من كلمتين تلاتة في سنة كاملة.”
“ده مش معناه إنه أصم.. أو مش سامع الناس وهي بتتناقش أمره قدامه كأنه قطعة أثاث.”
فضلت باصص لها بذهول:
“إنتي فاهمة أصلاً إنتي شغالة عند مين؟”
“عند راجل عارض تلات أضعاف المرتب الطبيعي.”
“مش ده سؤالي.”
“ده ردي.”
لأول مرة من شهور طويلة، كنت هابتسم.
وبعدين قربت منها أكتر:
“ابني هو حياتي كلها.”
حاجة غريبة لمعت في عيون مريم.
“طب سيبني أدخل أشوفه.”
طول التلات أيام اللي بعد كده، كنت متابعها دقيقة بدقيقة من خلال الكاميرات.
مكنتش بتطبل ليونس أو تعامله كإنه طفل عاجز مكسور الخاطر.
لما رفض يفطر، حطت الطبق جنبه على الكرسي المتحرك ببرود:
“كل.. أو ما تكلش براحتك.”
يونس اتفاجأ وبص لها:
“مش هتخليني أكل بالغصب؟”
“لأ.”
“الست التانية كانت بتعمل أصوات طيارات عشان آكل.”
مريم تنحت واتنهدت:
“حاجة مرهقة وتجيب الصداع.”
شفت بوق ابني بيتحرك وهو بيحاول يكتم ضحكة.
وبعد عشر دقايق.. كل نص تفاحة!
فضلت باصص للشاشة ومصدوم، مش مصدق عيني من اللي شوفته.
يوم الخميس، مريم بدأت تدريبات التمدد بتاعته.
يونس كان بيكره جلسات العلاج دي كره العما.. بيكره الجبائر، والتعليمات الصارمة، وطريقة الكبار وهم بيحسسوه إنه قزاز ممكن يتكسر في أي لحظة.
لما مريم مدت رجليه الشمال بالراحة، صوابعه شدت على ملاية السرير بقوة.
قربت من الشاشة أكتر وعيني معلقة بيهم.
على مدار أربعتاشر شهر، كل جلسة علاج طبيعي كانت بتخلص بعياط، إحباط، أو صمت مرعب.
بس مريم فجأة بطلت تحرك رجله، وبصت له في عينيه دغري.
فضلت مستني وواقف على أعصابي، بتفرج على الست دي اللي بطريقة سحرية قدرت تفهم ابني في تلات أيام.. أكتر ما أي بني آدم تاني قدر يفهمه في سنة بحالها.
اللي مكنتش أعرفه وقتها.. إن اللحظة الأكتر جنون وإبهار لسه مجتش.
عشان الساعة 3:17 الفجر، الست دي نفسها هتدخل أوضة يونس بهدوء.. وهكتشف ساعتها حاجة مفيش فلوس الدنيا ولا أعتى حراسة عرفت تديهاله.
الساعة كانت قربت من تلاتة الفجر، وأنا قاعد في مكتبي اللي مبيوصلهوش صوت من بره، قدامي شاشات الكاميرات، وكوباية قهوة بردت من كتر ما نسيتها.
القصر كله كان غرقان في السكون.
الحراس واقفين في أماكنهم، والبوابات مقفولة، وأجهزة الإنذار شغالة، وكل حاجة ماشية زي ما أنا عايز بالظبط.
ومع ذلك، قلبي مكنش مطاوعني أغمض عيني.
من يوم ما فريدة رحلت، بقيت أخاف من النوم.
كنت كل ما أقفل عيني أشوف العربية وهي بتتعرض للحادث، وأسمع صوت الفرامل، وأفتكر إيد فريدة وهي ماسكة إيدي قبل ما ننزل من البيت بدقايق.
آخر حاجة قالتها لي كانت: «خلي بالك من يونس يا عاصم، ده لسه صغير ومحتاجك.»
كنت فاكر إن عندي العمر كله أنفذ وصيتها.
لكن العمر طلع أقصر من إني ألحق أقولها إني بحبها.
بصيت على شاشة أوضة يونس.
كان نايم على جنبه، حاضن المخدة الصغيرة اللي فريدة كانت جايباهاله من رحلة إسكندرية قبل رحيلها. مخدة عليها رسمة حوت أزرق، لونها بهت من كتر الغسيل، لكنه كان رافض يستبدلها بأي مخدة جديدة.
في الكاميرا التانية، شوفت مريم وهي خارجة من أوضة الممرضات، شايلة كوباية مية وبتبص في الساعة.
استغربت إنها لسه صاحية.
كان المفروض ورديتها تخلص من ساعتين.
مسكت جهاز الاتصال وكلمت طارق.
«طارق.»
رد بسرعة: «أيوه يا فندم.»
«الممرضة الجديدة لسه في القصر ليه؟»
«طلبت تفضل شوية، قالت إن يونس كان متوتر بعد جلسة النهارده وعايزة تطمن عليه قبل ما تمشي.»
«وإنت وافقت من غير ما ترجعلي؟»



