
سكت لحظة.
«هي قالت إنها مش هتدخل الأوضة من غير ما تبلغنا.»
بصيت للشاشة تاني.
مريم كانت واقفة قدام باب أوضة يونس، وبتخبط خبطتين خفاف.
استنت شوية، وبعدين دخلت.
قربت من الشاشة وأنا بحاول أفهم هي بتعمل إيه.
يونس كان نايم، لكن أول ما حس بوجودها، فتح عينيه فجأة.
وبعدين حصلت حاجة خلت أنفاسي تتجمد.
الولد بدأ يصرخ.
مش صرخة ألم عادية، ولا بكاء طفل صحى من كابوس.
دي كانت صرخة حد شايف حاجة مرعبة ومش قادر يهرب منها.
مريم جريت عليه، وقعدت على طرف السرير، ولفت دراعاتها حواليه وهي بتهمس:
«خلاص يا حبيبي، أنا معاكي… إنت في أمان.»
إيدي راحت ناحية الهاتف اللي في درج المكتب.
طلّعته ووقفت.
أنا عاصم الديب، الراجل اللي عمره ما استنى حد يشرحله حاجة قبل ما ياخد قراره، كنت مستعد أقتحم أوضة ابني في لحظات.
لكن قبل ما أتحرك، سمعت صوت يونس من السماعة.
«ماتخليهوش ياخدني يا مريم… والنبي ماتخليهوش ياخدني!»
اتجمدت مكاني.
ياخده مين؟
ومين اللي يونس خايف منه للدرجة دي؟
مريم شدته لحضنها أكتر، وقالت بصوت هادي:
«مش هخلي حد ياخدك. بس عايزاك تبصلي وتاخد نفسك بالراحة. بصلي يا يونس.»
الولد كان بيرتعش.
«هو قال إنه هيرجع.»
«مين يا حبيبي؟»
يونس دفن وشه في كتفها، وقال جملة خلتني أحس إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي.
«الراجل اللي كان عند ماما قبل ما ترحل.»
الهاتف وقع من إيدي على المكتب.
صوت ارتطامه كان عالي، لكن أنا تقريبًا مسمعتوش.
كل اللي سمعته هو صوت ابني وهو بيعيط، وصوت مريم وهي بتحاول تهديه.
الراجل اللي كان عند ماما قبل ما ترحل؟
أنا كنت معاها في اليوم ده.
كنا راجعين من زيارة للدكتور، ووقفنا في القصر القديم عشان فريدة تاخد شوية حاجات كانت نسيّاها. ساعتها أنا اضطريت أمشي لاجتماع طارئ، وهي فضلت مع يونس لحد ما أرجع.
بعدها بساعات، العربية اتعرضت للحادث.
مين كان عندها؟
وليه ابني عمره ما قال الكلام ده قبل كده؟
مديت إيدي لجهاز الاتصال.
«طارق، عايزك في مكتبي حالًا.»
وبعدين فتحت المايك اللي في أوضة يونس.
«مريم.»
رفعت راسها ناحية السقف، كأنها عارفة إني بتفرج عليها.
«أيوه يا عاصم بيه.»
«ابعدي عن ابني.»
يونس سمع صوتي، فاتشبث في هدومها أكتر.
«لأ! لأ يا بابا، ماتخليهاش تمشي!»
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة حصلتلي في حياتي.
ابني اللي بقاله شهور بيهرب من عيني، كان بيترجاني أسيب الممرضة جنبه.
مريم بصت للكاميرا وقالت:
«لو خرجت دلوقتي، هو هيفضل لوحده مع الخوف اللي بيحاول يحكيلك عنه من شهور.»
«أنا قلتلك ابعدي عنه.»
«وأنا بقولك اسمع ابنك مرة واحدة قبل ما تحكم.»
قربت من الشاشة وأنا مش مصدق وقاحتها.
«إنتي ناسية نفسك؟»
«لأ. بس مش هسيب طفل مرعوب عشان أبوه مش قادر يسمع حاجة بتوجعه.»
قبل ما أرد، دخل طارق المكتب.
كان راجل في الخمسينات، اشتغل معايا أكتر من خمسة عشر سنة، وشاف مني حاجات خلت رجال كتير تتمنى إنها متشوفنيش تاني.
لكن أول ما بص لوشي، فهم إن فيه حاجة كبيرة حصلت.
«خير يا فندم؟»
لفيت الشاشة ناحيته.
«بص.»
فضل يتفرج ثواني، وبعدين بصلي.
«الولد قال إيه؟»
«قال إن فيه راجل كان عند أمه قبل ما ترحل.»
ملامح طارق اتغيرت.
تغيير بسيط جدًا، لكنه مكنش هيفوتني.
عينه اتحركت ناحية الباب، وإيده شدت على طرف الجاكت.
قمت من مكاني ببطء.
«إنت تعرف حاجة؟»
«لا يا فندم.»
«بصلي وأنا بتكلم.»
بصلي.
لكن عينيه مكنتش ثابتة.
قربت منه لحد ما بقينا وش لوش.
«يا طارق، أنا سايبلك مفاتيح بيتي وأمان ابني من سنين. لو فيه معلومة واحدة مخبيها عني، أقسم بالله مش هسامحك.»
بلع ريقه وقال:
«ممكن يكون كابوس يا فندم. الولد مر بتجربة صعبة.»
«أنا أعرف الفرق بين الكابوس والحقيقة.»
سكت لحظة، وبعدين أشار للشاشة.
«حضرتك شايف الممرضة دي بتعمل إيه؟»
بصيت.
مريم كانت قاعدة جنب يونس، وبتخليه يرسم على ورقة صغيرة.
كان بيرسم بيت، وشجرة، وعربية.
وبعدين رسم راجل واقف جنب العربية.
إيده الصغيرة كانت بتتحرك بصعوبة من شدة التوتر.
مريم سألت بهدوء:
«الراجل ده كان طويل؟»
يونس هز راسه.
«وكان لابس إيه؟»
«جاكت أسود.»
«وشعره؟»
يونس سكت.
فضل يبص للرسم، وبعدين قال:
«كان عنده علامة هنا.»
وأشار لوشه، ناحية الحاجب اليمين.
أنا حسيت إن نفسي وقف.
لأن الراجل الوحيد اللي أعرفه عنده العلامة دي، وكان قريب مني لسنين طويلة.
كان اسمه فؤاد السيوفي.
الرجل اللي سلمته إدارة شغلي وقت ما كنت بقضي معظم وقتي مع فريدة في المستشفى.
والرجل اللي وقف جنبي يوم وداعها، وحلفلي إنه هيعرف مين اللي كان وراء اللي حصل.
فؤاد كان آخر شخص ممكن أشك فيه.
أو ده اللي كنت فاكره.
طلبت من طارق يقفل كل مداخل القصر، ويمنع أي حد من الخروج لحد ما أراجع تسجيلات الكاميرات.
وبعدين نزلت لأوضة يونس.
كنت ماشي بسرعة، لكن كل خطوة كانت تقيلة كأن رجلي بتغوص في الأرض.
وقفت قدام الباب، وسمعت مريم بتقول:
«مش لازم تحكي كل حاجة النهارده. إنت بس احكي اللي تقدر عليه، وأنا هسمعك.»
يونس رد بصوت ضعيف:
«بابا مش هيصدقني.»
مريم سكتت شوية، وبعدين قالت:
«يمكن باباك محتاج وقت عشان يفهم. بس ده مش معناه إنك كداب.»
خبطت على الباب ودخلت.
يونس أول ما شافني، مسح دموعه بسرعة، ولف وشه للناحية التانية.
الحركة الصغيرة دي وجعتني.
كان بيخبي عياطه مني.




