
الساعة كانت 9:27 صباحًا، وكانت سلمى حسن المفروض بعد 33 دقيقة تبقى مطلقة رسميًا…
لكن قبل ما تدخل المحكمة، وقعت على ركبتها تحت شجرة قديمة، وبدأت ترجع كل اللي في معدتها.
رفعت راسها وهي بتتنفس بصعوبة، فاتفاجأت بجوزها واقف قدامها.
آدم الراوي.
الراجل اللي قضى سنين يخلي أخطر رجال الميناء يخافوا من مجرد نظرة منه.
بص لها ثواني من غير ما يتكلم، وبعدين قال بهدوء مرعب:
— المستشفى.
سلمى مسحت بوقها بسرعة وهزت راسها.
— لأ.
— اركبي.
— إحنا رايحين المحكمة.
— غيرنا الطريق.
بصت له بصدمة.
— إنت مجنون؟ المحامين مستنييننا عشان نطلق!
فتح آدم باب العربية، لكن قبل ما سلمى تقدر تتحرك، قرب منها وقال بصوت أوطى:
— الطلاق يستنى… لو شكي طلع صح.
اتسمرت مكانها.
— شك إيه؟
آدم بص في عينيها مباشرة.
— إنك حامل.
حست سلمى إن الأرض اتسحبت من تحت رجليها.
لأنها كانت متأكدة إن الحمل مستحيل…
لكنها افتكرت فجأة إنها من أسبوعين بدأت تصحى كل يوم الصبح وهي حاسة بالغثيان.
ولأول مرة من يوم ما قررت تسيب جوزها، خافت سلمى من الحقيقة أكتر من خوفها من آدم الراوي نفسه.
—
— أنا مش حامل.
قالتها سلمى بسرعة، كأنها بتحاول تقنع نفسها قبل ما تقنعه.
آدم فضل واقف قدامها.
— إنتِ متأكدة؟
— طبعًا.
— آخر مرة جالك فيها البريود إمتى؟
اتوترت.
السؤال كان بسيط.
لكنها لقت نفسها مش قادرة تجاوب.
— مش فاكرة.
— مش فاكرة؟
— يعني… مش لازم أفتكر كل حاجة.
آدم بص لها بنظرة طويلة.
— بقالك كام أسبوع بتصحي الصبح تعبانة.
— عادي.
— ريحة القهوة بقت بتضايقك.
سلمى سكتت.
— والأكل اللي كنتِ بتحبيه، بقيتي بتقربي منه وترجعيه.
رفعت عينيها له.
— إنت كنت واخد بالك من ده كله؟
لأول مرة، اتغيرت ملامحه.
— أنا باخد بالي منك.
ضحكت بمرارة.
— دلوقتي؟
سكت.
الكلمة أصابته في مكان واضح.
لكن سلمى ما كانش عندها استعداد تشفق عليه.
مش بعد سنتين من الجواز قضتهم وهي حاسة إنها متجوزة راجل موجود بجسمه، لكن عقله وقلبه دايمًا في مكان تاني.
قالت وهي بتشد شنطتها:
— أنا داخلة المحكمة.
مسك آدم إيدها.
مش بعنف.
لكن بالقدر اللي يخليها تقف.
— مش هتدخلي.
— سيب إيدي.
— لما نتأكد الأول.
— ولو طلعت مش حامل؟
— هتدخلي المحكمة.
— ولو طلعت حامل؟
سكت آدم.
سلمى ثبتت عينيها فيه.
— هتعمل إيه يا آدم؟
لثواني، مفيش صوت بينهم غير دوشة الشارع
وبعدين قال:
— مش هسيبك.
ضحكت بسخرية.
— متأخر.
— مش قصدي كده.
— أمال قصدك إيه؟
اقترب منها خطوة.
— قصدي إن لو في طفل بينا… مش هسمح إنك تاخدي قرار وإنتِ غضبانة مني.
اتسعت عينيها.
— الطفل مش سبب يخليك تتحكم في حياتي.
— عارف.
— لأ، إنت مش عارف. طول عمرك بتقرر لوحدك.
— عشان أحميكي.
— أنا مش محتاجة حمايتك!
صرختها خلت واحد من رجالة آدم يبص ناحيتهم.
آدم رفع إيده إشارة له إنه يبعد.
وبعدين رجع يبص لسلمى.
— أنا عارف إنك بتكرهيني.
— أنا ما قلتش إني بكرهك.
— وشك بيقول.
— ووشك بيقول إنك مخبي عني حاجة.
اتجمد.
سلمى لاحظت التغيير.
— إيه اللي مخبيه؟
— مفيش.
— آدم.
— مفيش حاجة.
— يبقى خليني أدخل المحكمة.
مد إيده وفتح باب العربية.
— الأول المستشفى.
سلمى كانت على وشك الاعتراض، لكن فجأة دوخة قوية ضربتها.
مسكت العربية عشان ما تقعش.
وفي أقل من ثانية، كان آدم ماسك كتفها.
— سلمى!
غمضت عينيها.
— أنا كويسة.
— لأ، مش كويسة.
حمل شنطتها من إيدها، ووجهها ناحية العربية.
— اركبي.
المرة دي، ما جادلتش.
—
بعد حوالي عشرين دقيقة، كانت العربية بتجري في شوارع القاهرة.
سلمى قاعدة في الخلف، وآدم جنبها.
كانت بتبص من الشباك، مش قادرة تستوعب اللي بيحصل.
كان المفروض النهارده يكون نهاية كل حاجة.
كانت متخيلة إنها هتدخل المحكمة، تمضي، تخرج، وترجع بيتها تاخد باقي حاجتها.
كانت متخيلة إنها أخيرًا هتتنفس.
لكن احتمال صغير…
مجرد احتمال إنها تكون حامل…
قلب كل خططها رأسًا على عقب.
لفت وشها لآدم.
كان ماسك تليفونه وبيتصل بحد.
— خلي الدكتور يكون جاهز أول ما نوصل.
سلمى قالت:
— أنا مش موافقة تعمل أي حاجة من غير إذني.
قفل المكالمة وبصلها.
— عارف.
— ومش عايزة حد يعرف.
— محدش هيعرف.
— حتى رجالتك.
— حتى رجالي.
سكتت شوية.
وبعدين سألت:
— ولو التحليل طلع سلبي؟
آدم رد من غير تردد:
— هرجعك المحكمة بنفسي.
رفعت حاجبها.
— بجد؟
— بجد.
— ومش هتحاول تمنعني؟
بصلها للحظة طويلة.
— لو مفيش طفل… مش همنعك.
الغريب إن كلامه بدل ما يطمنها، وجعها.
لأن جزء صغير جواها كان بيتمنى، ولو مرة واحدة، إنه يقول لها:
أنا مش هسيبك.
لكن آدم قالها فقط لو كان فيه طفل.
وصلت العربية للمستشفى.
وأول ما نزلت، آدم نزل وراها.
الممرضات اتحركوا بسرعة لما شافوه.
دخلوا سلمى غرفة الكشف.
آدم وقف بره.
مرّت خمس دقايق.
عشر.
خمستاشر.




