روايات وقصص

رجل غريب في بيتي

عمري ما كنت أتخيل إن أكتر شخص ممكن أخاف منه في حياتي هو جوزي الراجل اللي عشت معاه سنين، وكنت بنام جنبه وأنا مطمنة، وكنت فاكرة إن مفيش سر في الدنيا ممكن يخبيه عني. لكن كل حاجة اتغيرت في صباح يوم عادي جدًا، لما بنتي ليزا، اللي عندها ٨ سنين، قالتلي وهي قاعدة على سفرة الفطار ماما، هو الراجل اللي بييجي  كل ليلة ده صاحب بابا؟ إيدي وقفت في نص الطريق وأنا برفع كوباية الشاي لبوقي. بصيتلها باستغراب وقلت راجل مين يا حبيبتي؟

ليزا كملت أكلها بكل هدوء، كأنها بتسألني عن حاجة عادية جدًا، وقالت
الراجل الطويل اللي بيفتح باب أوضتكم بالليل، وبيفضل واقف جنب بابا. أنا شوفته كذا مرة.
حسيت إن قلبي اتقبض.
حاولت أضحك عشان ما أخوفهاش، وقلت
يمكن كنتِ بتحلمي يا ليزا.
لكنها هزت راسها وقالت بثقة
لأ يا ماما، أنا كنت صاحية. أنا شوفته بعيني. هو بيدخل بالراحة، وبيبقى معاه شنطة سودا صغيرة. وبعدين بيروح ناحية بابا.

في اللحظة دي، رفعت عيني ناحية جوزي، أحمد.
كان واقف عند ماكينة القهوة، ضهره لينا، وبيحضر قهوته كأنه مش سامع أي حاجة.
ناديت عليه
أحمد، إنت سمعت ليزا بتقول إيه؟
لف ناحيتنا، وبص لبنتنا، وبعدها بصلي.
بتقول إيه؟
كررت عليه كلامها.
وللحظة واحدة بس، لاحظت حاجة غريبة في وشه. ملامحه اتغيرت، وإيده اللي ماسكة فنجان القهوة ثبتت مكانها.
لكن التغيير ده اختفى بسرعة، وابتسم لبنتنا وقال
يا ليزا، أكيد شفتي كابوس. مفيش حد بيدخل .
ليزا بصتله بجدية وقالت
لأ يا بابا، أنا مش بحلم. أنا شوفته بجد.
أحمد حط الفنجان على السفرة وقال بنبرة حاسمة

خلاص يا حبيبتي، خلينا مانتكلمش في الموضوع ده تاني.
الجملة دي كانت غريبة.
مش لأنه قال لبنتنا ماتخافش، ولا لأنه حاول يطمنها، لكن لأنه كان عايز يقفل الموضوع بسرعة، وكأنه خاېف إنها تقول حاجة تانية.
بعد ما خلصنا الفطار، أخد ليزا أوضتها عشان تلبس وتجهز للمدرسة، وأنا فضلت واقفة في المطبخ، بفكر في كلامها.
بنتي مش من النوع اللي بيألف حكايات.
من وهي صغيرة، لو شافت حاجة بتخوفها، كانت بتيجي تحكيلي. ولو حلمت بكابوس، كانت
بتقوللي إنها حلمت.
لكن المرة دي كانت متأكدة تمامًا من اللي شافته.
والأغرب إنها وصفت الراجل بنفس الطريقة كل مرة.
طويل، لابس هدوم غامقة، ومعاه شنطة سودا صغيرة.

والأغرب من كل ده إنه بيروح ناحية أحمد.
حاولت أقنع نفسي إن فيه تفسير منطقي. يمكن ليزا شافت حد في الشارع وشكل الراجل اتلخبط عليها. يمكن كانت بتتفرج على فيلم وخاڤت. يمكن فعلًا حلمت وافتكرت إن الحلم حقيقة.
لكن في حاجة واحدة ماقدرتش أتجاهلها.
من حوالي شهر، أحمد كان متغير.
مش تغيير كبير يخلي أي حد ياخد باله، لكن أنا مراته، وكنت أعرفه من نظرة عينيه.
بقى بينام بدري جدًا، وأوقات كان يروح قبلنا بساعات.

كان دايمًا بيقول إنه مرهق، وإن ضغط الشغل بقى فوق احتماله.
وفي أكتر من مرة، صحيت من النوم ولقيت باب الشقة مش مقفول بالمفتاح.
ولما كنت أسأله، كان يرد بنفس الجملة
معلش، أكيد نسيت.
مع إن أحمد طول عمره كان دقيق جدًا في موضوع الأمان. كان بيتأكد من قفل الباب بنفسه، وأوقات يرجع من أوضته مخصوص عشان يتأكد إنه قفله كويس.
فإزاي فجأة بقى بينسى؟
وليه بنتي بتقول إن فيه راجل غريب بيدخل أوضتنا
بالليل؟
وليه الراجل ده بييجي عند أحمد تحديدًا؟

طول
اليوم، وأنا بحاول أتصرف طبيعي.
وصلت ليزا المدرسة، ورجعت البيت، وخلصت شغل البيت، لكن دماغي ماوقفتش لحظة.
كل شوية كنت أبص على باب أوضتنا، وأفتكر كلام بنتي.
وفي نص اليوم، رنيت على أحمد في الشغل.
رد عليا بعد الرنة التالتة.
أيوه يا حبيبتي، خير؟
سألته بطريقة عادية
إنت هترجع الساعة كام النهارده؟

مش عارف، عندي شوية شغل. ليه؟
مفيش، بس كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع.
سكت لحظة، وبعدين سألني
موضوع إيه؟
كنت هقوله عن ليزا، لكن لقيت نفسي بتراجع.
حسيت إني لو واجهته دلوقتي، ممكن ينكر كل حاجة، ولو كان فعلًا فيه سر، مش هعرف أوصله للحقيقة.
فقلت
لما ترجع هبقى أقولك.
رد بسرعة
طيب، بس أنا ممكن أتأخر النهارده.
وقفل المكالمة.
فضلت باصة للموبايل شوية.
كان فيه حاجة في صوته مش مريحاني.
مش عارفة إذا كان خاېف، ولا متوتر، ولا أنا اللي بقيت أشك في كل حاجة بسبب كلام بنتي.
لكن قررت حاجة واحدة.
الليلة دي، مش هنام.
هفضل صاحية، وهعرف إذا كان فيه حد بيدخل بيتنا فعلًا، ولا كل اللي حصل مجرد خيال طفلة.

رجع أحمد الساعة تسعة ونص بالليل.
كان مرهق فعلًا، ووشه شاحب، وتحت عينيه هالات
واضحة.
أول ما دخل، حط مفاتيحه على الترابيزة، وخلع الجاكيت، وبعدين راح يغسل إيده.
سألته وأنا بجهز العشا
مالك يا أحمد؟ شكلك تعبان أوي.
رد من غير ما يبصلي
ضغط شغل، ومش بنام كويس.
الكلمة الأخيرة خلتني أبصله بسرعة.
مش بتنام كويس ليه؟
خرج من الحمام ونشف إيده بالفوطة.
معرفش. بصحى كتير بالليل، وبحس إني تعبان الصبح.
حاولت أبان طبيعية وأنا بسأله
طب ما تكشف عند دكتور؟
بصلي للحظة، وبعدين قال
هبقى أشوف الموضوع ده.
كان رده عادي، لكن إحساسي كان بيقولي إن فيه حاجة تانية.
قعدنا نتعشى، وحاولت أفتح معاه كلام عن يومه، لكنه كان قليل الكلام، وكل شوية يبص في الموبايل.
وبعد العشا، راح أوضة ليزا وقعد معاها شوية، يساعدها تراجع واجباتها.
سمعت ضحكتها وهي بتتكلم معاه، وحسيت بوخزة في قلبي.
أنا بحب أحمد، وبحبه جدًا.
عشنا سنين مع بعض، وعدينا بمشاكل كتير، لكن عمره ما خلاني أحس إني غريبة عنه.
كنا بنحكي لبعض كل حاجة، أو على الأقل ده اللي كنت فاكره.
فلو فيه فعلًا سر بيخبيه عني، يا ترى إيه اللي يخليه ېخاف يقولهولي؟

الساعة عشرة ونص، دخلت أوضة ليزا عشان أنيمها.
كانت متغطية
بالبطانية، لكن أول ما قربت منها، مسكت إيدي.
ماما، هو الراجل ده هييجي النهارده؟
حاولت أطمنها.
مټخافيش يا حبيبتي. مفيش حد هيقدر يأذيكي، وأنا هكون جنبك.
بصتلي بقلق وقالت
طب لو بابا عارفه؟
السؤال نزل على قلبي زي الحجر.
حاولت أسيطر على صوتي وقلت
ليه بتقولي كده؟
ردت
عشان الراجل لما بييجي، بابا مابيصرخش ولا بيطلب منه يمشي. هو بيبقى هادي جدًا.
حسيت ببرودة في إيدي.
يعني بنتي مش بس شافت الراجل مرة، دي شافته أكتر من مرة، ولاحظت كمان رد فعل أبوها.
بستها في جبينها، وقلت لها إنها تنام، وإن كل حاجة هتبقى كويسة.
لكن قبل ما أخرج، نادتني تاني.
ماما؟
أيوه يا حبيبتي؟

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى