روايات وقصص

ممرضة ابني حكايات صافي هاني

أنا أبوه، ومع ذلك كان خايف إني أشوفه ضعيف.

مريم قامت من مكانها.

«أنا هسيبكم تتكلموا.»

يونس مسك طرف بالطوها.

«ماتمشيش.»

بصتلي.

كنت واقف مش عارف أقول إيه.

في الآخر قلت:

«خليكي.»

رجعت قعدت على الكرسي جنب السرير، وأنا حاسس إني غريب في أوضة ابني.

حاولت أتكلم بهدوء.

«يونس يا حبيبي.»

مردش.

«بصلي يا بطل.»

فضل باصص للمخدة.

قعدت على طرف السرير، ومديت إيدي ناحية شعره، لكنه اتراجع بشكل تلقائي.

سحبت إيدي كأني لمست نار.

مريم لاحظت، لكنها ماعلقتش.

قلتله:

«أنا سمعت اللي إنت قلته من شوية. عايزك تعرف إنك مش هتتعاقب مهما حكيتلي.»

رفع عينيه ببطء.

«حتى لو قلت إن حد كان عند ماما؟»

«حتى لو.»

«وحتى لو قلت إنك كنت مش موجود؟»

قلبي اتقبض.

«حتى لو يا حبيبي.»

فضل ساكت شوية، وبعدين بدأ يحكي.

«اليوم اللي ماما رحلت فيه، إنت نزلت من العربية قدام البيت القديم، وقلتلي ماتفتحش الباب لحد ما ترجع.»

هزيت راسي.

كنت فاكر اليوم ده بالتفصيل.

«وبعدين ماما قالتلي إن فيه حد هييجي ياخد منها ورق مهم. قالتلي أروح أوضتي وأفضل هناك.»

مريم كانت بتسمع من غير ما تقاطعه.

يونس كمل:

«أنا روحت، بس سمعت صوت راجل بيتكلم معاها بصوت عالي. ماما كانت بتقوله إنه مش هينفع يعمل كده، وإنها مش هتسكت.»

حسيت إني مش قادر أتنفس.

«وبعدين؟»

يونس ضغط على المخدة.

«الراجل قالها إنها لو قالتلك الحقيقة، إنت هتخسر كل حاجة.»

«إيه الحقيقة يا يونس؟»

بدأ يبكي تاني.

مريم مدتله منديل، لكنه أخده من غير ما يبص لها.

«أنا مش عارف. ماما قالتله إنها هتقول لبابا بنفسها.»

سكت، وبعدين همس:

«ولما الراجل خرج، ماما دخلت عندي وكانت بتعيط. حضنتني وقالتلي إني لازم أكون شجاع، وإن لو حصلها حاجة، بابا لازم يعرف إن الموضوع مش صدفة.»

أنا حسيت إن قلبي اتعصر.

«قالتلك الكلام ده بالحرف؟»

«آه.»

«وإنت ليه ماقولتليش؟»

يونس انفجر في العياط.

«عشان كنت هتسيبني!»

الجملة خرجت منه بصوت مبحوح، لكنه قالها بكل اللي جواه.

«بعد الحادث، كنت كل ما أحاول أتكلم ألاقيك بتزعق في الناس، وبتقول إن محدش يدخل عندي، وبتقعد قدام الشاشات طول الليل. كنت عايز أقولك، بس كنت خايف لو قلتلك إن ماما كانت خايفة، إنت كمان هتخاف وتسيبني.»

بصلي بعينين مليانين دموع.

«أنا مش عايز أخسرك إنت كمان يا بابا.»

ماقدرتش أتماسك.

نزلت على ركبتي جنب السرير، واحتضنته بحذر، ولأول مرة من شهور، ابني مد إيده وحاوط رقبتي.

فضلنا نبكي من غير كلام.

أنا ببكي على مراتي اللي معرفتش أحميها.

وهو بيبكي على أمه اللي فقدها، وعلى أبوه اللي كان موجود بجسمه وغايب بقلبه.

بعد وقت طويل، همس يونس:

«بابا؟»

«عيوني يا حبيبي.»

«إنت زعلان مني؟»

بعدت عنه شوية وبصيتله.

«أنا زعلان من نفسي يا يونس. زعلان إني خليتك تشيل سر كبير لوحدك، وزعلان إني كنت فاكر إن حمايتك معناها إني أقفل عليك كل الأبواب.»

مسحت دموعه.

«من النهارده، أي حاجة تخوفك، تيجي تقولهالي. حتى لو كنت أنا السبب. فاهم؟»

هز راسه.

مريم كانت واقفة جنب الشباك، بتبص بره.

لاحظت إنها بتضغط على إيدها بقوة.

سألتها:

«إنتي كنتي عارفة إن يونس عنده ذكريات عن اليوم ده؟»

ردت بهدوء:

«ماكنتش أعرف التفاصيل. كنت حاسة بس إن خوفه أكبر من مجرد صدمة الحادث.»

«إزاي؟»

«كل مرة يسمع صوت عربية تقف قدام القصر، كان بيتوتر. وكل مرة حد يدخل أوضته من غير ما يخبط، كان بيحاول يبعد عن الباب. وفي جلسات العلاج، كان بيخاف من أي راجل يقرب منه فجأة.»

بصيت لها.

«ليه ماقولتيليش؟»

«كنت محتاجة أتأكد إنك مستعد تسمعه، مش إنك هتعتبر كلامه مجرد كابوس وتبدأ تدور على حد تعاقبه.»

الكلام وجعني لأنه كان حقيقي.

قمت من مكاني، وقلت لها:

«من اللحظة دي، مفيش قرار يخص يونس هيتاخد من غير ما أعرف.»

ردت:

«تمام. بس فيه قرار أهم.»

«إيه هو؟»

بصت لابني.

«إنه يرجع يحس إن دي أوضته، مش مكان محبوس فيه. وإنه يقدر يضحك ويزعل ويخاف من غير ما كل حاجة تتحول لتحقيق.»

كنت هرد عليها، لكن يونس سبقني.

«أنا عايز مريم تفضل معايا.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى