روايات وقصص

ممرضة ابني حكايات صافي هاني

بصيت له، وبعدها بصيت لها.

«هتفضل.»

يونس ابتسم ابتسامة صغيرة.

ولأول مرة، حسيت إن القصر بقى فيه حياة.

لكن اللحظة دي ماكملتش طويل.

لأن تليفوني رن.

كان طارق.

رديت.

«اتكلم.»

صوته كان متوتر.

«عاصم بيه، لازم تنزل للمكتب حالًا.»

«ليه؟»

«فيه تسجيل من الكاميرات القديمة ظهر دلوقتي، وأنا أعتقد إن حضرتك لازم تشوفه بنفسك.»

«قول اللي عندك.»

سكت لحظة، وبعدين قال:

«التسجيل بيأكد إن فؤاد السيوفي دخل القصر القديم قبل الحادث بساعة.»

بصيت لمريم.

كانت سمعت الاسم، وملامحها اتغيرت.

سألتها:

«إنتي تعرفي فؤاد؟»

مريم ما ردتش.

قربت منها.

«أنا سألتك سؤال.»

رفعت عينيها ليا وقالت:

«أنا أعرف اسمه.»

«منين؟»

فتحت شنطتها الجلد القديمة، وطلعت منها صورة مطوية بعناية.

مدتهالي.

كانت صورة لمراتي فريدة، واقفة جنب مريم قدام مبنى مستشفى.

على ضهر الصورة، كان فيه تاريخ مكتوب بخط فريدة.

قبل الحادث بستة شهور.

حسيت إن رأسي بتلف.

«إنتي كنتي تعرفي مراتي؟»

مريم أخدت نفس طويل.

«أيوه.»

«إزاي؟»

بصت ليونس، وبعدين رجعت بصتلي.

«عشان فريدة كانت السبب إني أرجع أشتغل في التأهيل بعد ما فقدت ابني.»

الصمت نزل على الأوضة.

يونس رفع راسه.

«إنتي كان عندك ابن؟»

مريم ابتسمت بحزن.

«كان عندي ولد اسمه آدم. كان عنده تسع سنين.»

«هو فين دلوقتي؟»

عينيها لمعت بالدموع.

«رحل من أربع سنين بعد حادثة عربية. ومن يومها وأنا بحاول أساعد الأطفال اللي بيعيشوا نفس الخوف اللي عاشه.»

يونس بص لها طويلًا، وبعدين مد إيده الصغيرة ومسك صوابعها.

«هو كان بيحب يرسم؟»

مريم ضحكت وسط دموعها.

«كان بيرسم طول اليوم. وكان بيرسم عربيات وحيوانات غريبة، وكل ما أقول له يرسم حاجة حلوة، يرسملي ديناصور عنده أربع عيون.»

يونس ابتسم.

«أنا برسم ديناصورات برضه.»

«عارفة. شفت الرسومات اللي عندك.»

بصيت للصورة مرة تانية.

«فريدة كانت تعرفك من ست شهور بس؟»

«أكتر شوية. قابلتها في مركز التأهيل اللي كنت بشتغل فيه. كانت بتزور أطفال هناك من غير ما حد يعرف. كانت بتساعد أسر مش قادرة تدفع مصاريف العلاج.»

افتكرت إن فريدة كانت بتخرج كل أسبوع بحجة إنها بتزور صاحبتها، وكنت فاكر إنها بتقضي وقت مع أهلها.

عمرها ما قالتلي إنها بتساعد حد.

مريم كملت:

«قبل رحيلها بأسبوعين، اتصلت بيا. كانت خايفة جدًا. قالتلي إنها اكتشفت حاجة تخص حد قريب منك، وإنها مش عارفة تتصرف إزاي.»

حسيت بقبضة باردة حوالين قلبي.

«قالتلك إيه؟»

«ماقالتش الاسم. طلبت مني بس لو حصلها أي حاجة، ماخليش يونس يصدق إنه السبب.»

يونس رفع راسه بسرعة.

«أنا السبب؟»

مريم نزلت لمستواه.

«لأ يا حبيبي. إنت مالكش أي ذنب في أي حاجة حصلت.»

لكن أنا كنت مركز في كلامها.

«وإنتي ليه جيتي تشتغلي عندي؟»

مريم سكتت.

السكون ده كان كفاية يخليني أعرف إن فيه حاجة تانية.

«مريم، أنا مش هكرر السؤال.»

فتحت شنطتها وطلعت ظرف بني صغير.

«فريدة سابتلي الظرف ده قبل رحيلها بأيام. قالتلي ما افتحوش إلا لو حصل لها حاجة، وإن الشخص اللي هحتاج أوصله هو إنت.»

مدت إيدها بالظرف.

كنت على وشك أخده، لكنها رجعت إيدها.

«قبل ما تفتحه، لازم تعرف إن فيه احتمال إن كل اللي بنيته في حياتك يتغير.»

ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.

«أنا حياتي اتغيرت يوم مراتي رحلت.»

«لأ يا عاصم بيه. يوم مراتي رحلت، أنا فقدت كل حاجة كنت فاكر إنها أمان. لكن إنت لسه عندك فرصة تعرف الحقيقة وتختار هتعمل إيه بعدها.»

خدت الظرف منها.

كان عليه اسمي بخط فريدة.

خطها اللي كنت ببص عليه كل يوم في الملاحظات اللي كانت بتسيبهالي جنب السرير.

إيدي ارتعشت وأنا بفتح الظرف.

جواه ورقتين ومفتاح صغير.

قرأت أول سطر، وحسيت إن قلبي نزل لرجلي.

«عاصم، لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي. سامحني إني خبيت عنك، بس كنت خايفة أخسرك قبل ما أفهم كل حاجة.»

وقفت عند الجملة دي.

مريم ما اتكلمتش.

يونس كان باصصلي بقلق.

كملت القراءة.

«من فترة، بدأت ألاحظ إن فيه فلوس بتخرج من حساباتك من غير علمك، وإن فيه اجتماعات بتحصل باسمك وإنت مش موجود. في البداية افتكرت إن فيه خطأ، لكن لما سألت، لقيت نفسي قدام حاجة أكبر من مجرد سرقة.»

إيدي شدت على الورقة.

«اكتشفت إن فيه حد بيستخدم اسمك في اتفاقات إنت ماوافقتش عليها، وإن فيه ناس بتتضرر بسبب قرارات بتتقال إنها صادرة منك. حاولت أوصل للحقيقة، لكن كل مرة كنت بقرب، حد كان بيحذرني إني أبعد.»

قلبت الورقة.

«آخر مرة شفت فيها فؤاد، كان بيطلب مني أسلمه نسخة من مستندات. قال إنها تخص شغلك، وإنك محتاجها. رفضت، لأني ماكنتش واثقة فيه. قاللي إني لو فضلت أتدخل، يونس هيدفع تمن ده.»

رفعت عيني عن الورقة.

فؤاد.

الاسم اللي كنت بثق فيه أكتر من أي حد.

كملت.

«عاصم، أنا مش عارفة إذا كان فؤاد هو اللي ورا كل ده، لكني متأكدة إنه مخبي حاجة. المفتاح اللي مع الرسالة بيفتح صندوق صغير في مخزن البيت القديم. جواه نسخة من كل اللي قدرت أجمعه. لو حصللي حاجة، ماتواجهش حد قبل ما تتأكد. والأهم من كل ده، افتكر إن يونس مش محتاج أب يحارب العالم كله عشانه. هو محتاج أب يسمعه.»

آخر سطر كان مكتوب بخط مختلف، كأن إيدها كانت بتترعش.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى