روايات وقصص

ممرضة ابني حكايات صافي هاني

«بحبك، حتى لو ماعرفتش أقولك كل حاجة وأنا جنبك.»

قعدت على الكرسي وأنا حاسس إني مش قادر أقف.

فريدة كانت بتحاول تحميني.

وكانت بتحاول تحمي يونس.

وأنا كنت بعيد عن كل ده، غرقان في اجتماعاتي ومشاكلي، فاكر إن الفلوس والحراسة كفاية عشان أمنع أي أذى يوصل لبيتي.

بصيت لمريم.

«إنتي عارفة مكان الصندوق؟»

هزت راسها.

«فريدة قالتلي إنها حطته في المخزن، لكن ماعرفتش أروح له قبل ما أبدأ الشغل هنا.»

«ليه ماقولتيليش من أول يوم؟»

«لأني ماكنتش عارفة إذا كنت هتسمعني، ولا هتعتبرني واحدة جاية تستغل موت مراتك.»

كان عندها حق.

لكن اللي حصل بعدها كان أصعب من إني أعترف بحقها.

يونس مسك إيدي.

«بابا، إنت هتروح تجيب الحقيقة؟»

بصيت له.

«أيوه.»

«وهترجع؟»

السؤال البسيط ده خلاني أحس بالعار.

ابني بيسألني إذا كنت هرجع، كأني واحد غريب ممكن يمشي ويسيب البيت وراه.

قربت منه وبوست راسه.

«هرجع يا حبيبي. ومش هسيبك لوحدك تاني.»

قبل شروق الشمس، كنت في البيت القديم مع مريم وطارق واتنين من رجالي اللي بثق فيهم.

المخزن كان زي ما هو، مليان كراتين وأثاث قديم وحاجات فريدة كانت بتحتفظ بيها لأنها بتحب كل حاجة ليها ذكرى.

ريحة التراب والخشب القديم رجعتلي ذكريات كنت بحاول أهرب منها.

لقيت الصندوق تحت رف خشب في آخر المخزن.

المفتاح دخل بسهولة.

جواه ملفات، وصور، ودفتر حسابات صغير، وفلاشة إلكترونية.

ومظروف أبيض عليه كلمة واحدة.

«ليونس.»

إيدي ارتعشت وأنا بفتحه.

كان جواه رسمة من ابني، رسمها قبل الحادث بشهور.

أنا وفريدة وهو، واقفين قدام البيت، وإحنا التلاتة ماسكين إيد بعض.

وعلى ضهر الورقة، فريدة كاتبة:

«لما تكبر يا يونس، افتكر إن العيلة مش هي الناس اللي بيقولوا إنهم بيحبوك. العيلة هي اللي تفضل جنبك لما تبقى خايف ومش عارف تتكلم.»

غمضت عيني.

ماكنتش أعرف إنها كانت شايلة كل الخوف ده لوحدها.

طارق بدأ يراجع الملفات، وبعد دقائق رفع راسه.

«يا فندم، فيه تحويلات مالية متكررة لشركات مش موجودة فعليًا. وفيه توقيعات منسوبة لحضرتك على اتفاقات في تواريخ كنت فيها خارج البلد.»

«تقدر تثبت إن التوقيعات مزورة؟»

«محتاجين خبير مستقل، لكن فيه اختلاف واضح.»

مريم كانت واقفة بعيد، بتبص للصور.

قربت من واحدة منهم.

كانت صورة لفريدة وهي خارجة من مبنى، وفؤاد واقف على بعد خطوات منها.

التاريخ المكتوب على الصورة كان قبل الحادث بأربعة أيام.

قلبت الصورة، فلقيت رقم تليفون مكتوب بخط فريدة.

قالت مريم:

«ده رقم الشخص اللي كانت بتتكلم معاه قبل رحيلها. قالتلي إنه محاسب كان شغال مع شركتكم.»

طارق أخد الصورة، وبص للرقم.

«أنا أعرف الرقم ده.»

بصيت له.

«لمين؟»

سكت.

وبعدين قال:

«لرجل اسمه نبيل. كان مسؤول الحسابات في الشركة القديمة، لكنه استقال فجأة قبل الحادث بأسبوع.»

«واختفى فين؟»

«مش عارفين. آخر عنوان ليه كان في القاهرة.»

أمرت طارق يتواصل مع محامي مستقل وخبير حسابات، وإن كل الملفات تتنسخ وتتأمن، من غير ما حد يعرف إحنا بنعمل إيه.

ماكانش عندي استعداد أكرر نفس الغلطة.

المرة دي مش هواجه حد بغضبي.

هواجهه بالحقيقة.

وقبل ما نخرج من المخزن، مريم وقفت قدام صورة فريدة.

قالت بصوت واطي:

«هي كانت بتحبك جدًا.»

بصيت للصورة.

«وأنا كنت فاكر إني بحميها.»

«يمكن كنت بتحاول تحميها بالطريقة الوحيدة اللي تعرفها.»

«والنتيجة إيه؟»

مريم سكتت شوية، وبعدين قالت:

«إنك كنت بتحمي كل حاجة حواليك، إلا نفسك من الخوف. والخوف ده خلاك تبعد عن ابنك وهو محتاجك.»

الكلام دخل قلبي زي السكينة.

لكن بدل ما أغضب، هزيت راسي.

«يمكن دي أول مرة حد يقولي الحقيقة من غير ما يخاف مني.»

ردت:

«الحقيقة مش محتاجة صوت عالي عشان تبقى حقيقة.»

رجعنا القصر بعد الضهر.

أول ما دخلت أوضة يونس، لقيته قاعد على سريره، قدامه ورق وألوان، ومريم جنبه بتساعده يثبت الورقة.

كان بيرسم بيتنا.

لكن المرة دي رسم الشباك مفتوح، والشمس داخلة من وراه.

وقفت عند الباب.

«بتعمل إيه يا بطل؟»

بصلي بابتسامة صغيرة.

«برسم بيتنا.»

قربت منه.

«والشمس دي؟»

«عشان ماما كانت بتحب الشمس.»

حسيت بغصة في حلقي.

«فكرة حلوة أوي.»

بصلي بتردد.

«بابا، ممكن أطلب منك حاجة؟»

«اطلب اللي إنت عايزه.»

«ممكن نقعد في الجنينة بكرة؟ مش لازم أعمل علاج طول اليوم. نفسي أشوف العصافير.»

كنت زمان هقول له إن عنده جلسات لازم يلتزم بيها، وإن الدكتور قال كذا، وإن الوقت مش مناسب.

لكن المرة دي قلت:

«هنقعد في الجنينة، وهنشوف العصافير، ولو حبيت نرسمهم كمان.»

ابتسم.

وبعدين سألني:

«وهتكون معايا؟»

«هكون معاك.»

«مش هتروح مكتبك؟»

«هأجل شغلي.»

فضل يبصلي كأنه مش مصدق.

وبعدين مد إيده ناحية إيدي.

مسكتها.

كانت إيده صغيرة ودافية، وأنا حسيت إني ماسك أغلى حاجة في الدنيا.

في اللحظة دي، رن تليفوني.

كان المحامي.

استأذنت يونس وخرجت للطرقة.

«اتكلم.»

قال إن الخبير راجع جزء من المستندات، وإن فيه تحويلات مالية اتعملت قبل الحادث بأيام، وإن بعض الأموال وصلت لشركة مرتبطة بواحد من الموردين اللي كانوا مسؤولين عن صيانة العربيات.

سألته:

«والحادث؟»

«لسه مفيش دليل مباشر يربط فؤاد بالحادث، لكن فيه مستندات تثبت إن فيه معاملات مالية اتعملت من خلال شركته في نفس الفترة.»

قفلت المكالمة وأنا عارف إن الطريق للحقيقة لسه طويل.

لكن لأول مرة، ماحسيتش إني لازم أخلص كل حاجة في يوم واحد.

رجعت أوضة يونس.

كان مريم بتقرأ له قصة، وهو بيحاول يقلد أصوات الشخصيات، وكل شوية يضحك على نفسه.

وقفت أسمعهم من غير ما أحس.

وبعدين يونس رفع عينيه.

«بابا، تعالى اقعد.»

قعدت على الكرسي التاني.

مريم كملت القصة، ولما وصلت لآخر صفحة، يونس قال:

«النهاية وحشة.»

مريم رفعت حاجبها.

«إزاي؟ البطل رجع بيته.»

«بس هو كان لوحده طول الرحلة.»

بصت له باهتمام.

«طب تحب النهاية تبقى إزاي؟»

فكر شوية، وبعدين قال:

«يرجع بيته ويلاقي كل الناس اللي بيحبهم مستنياه.»

مريم ابتسمت.

«خلاص، نغير النهاية.»

بدأت تحكي من جديد، وإن البطل لما رجع لقى أمه وأبوه وأصحابه مستنيينه، وإنهم حضنوه، وإنه ماكانش مضطر يحارب لوحده تاني.

يونس ضحك.

وأنا نزلت عيني للأرض، عشان محدش يشوف دموعي.

كنت محتاج أتعلم من ابني إزاي النهاية ممكن تتغير، حتى لو اللي حصل في النص مابيتغيرش.

عدت أيام، وبدأت الأمور تتضح واحدة واحدة.

الخبير أكد إن التوقيعات اللي على عدد من المستندات مش توقيعي، وإن التحويلات اتنفذت من خلال حسابات مرتبطة بشركات وهمية.

أما فؤاد، فكان بيرفض كل محاولات التواصل معاه، وبيبعث رسائل قصيرة يقول فيها إنه مسافر وإنه هيرجع قريب.

كل ما أسأله عن حاجة، يغير الموضوع.

وفي يوم، بعتلي رسالة قال فيها إنه عرف إن فيه ناس بتسأل عن حساباته، وإنه عايز يقابلني لوحدنا.

كنت أعرف إن المقابلة دي ممكن تكون فخ، لكن ماكنتش هسمح للخوف يتحكم في قراراتي.

رتبت إن المقابلة تحصل في مكتب المحامي، بحضور محاميين وشخص محايد، ومن غير أي ضغط أو استعراض قوة.

قبل ما أخرج، دخلت أوضة يونس.

كان بيحاول يلون رسمة جديدة.

«رايح فين يا بابا؟»

قعدت جنبه.

«عندي مقابلة شغل مهمة، وهرجع قبل العشا.»

بصلي بقلق.

«مع الراجل اللي كان عند ماما؟»

ماكنتش عايز أكذب عليه.

«أيوه، معاه.»

إيده وقفت عن التلوين.

«هو وحش؟»

خدت نفس طويل.

«لسه مش عارف كل الحقيقة يا حبيبي. لكن مهما حصل، مش هخليك تواجه أي حاجة لوحدك.»

يونس ساب القلم، وبصلي.

«ماما كانت بتقول إن الناس ساعات بتعمل حاجات غلط عشان خايفة.»

ابتسمت بحزن.

«كانت بتقول كده فعلًا.»

«طب لو هو خايف، ممكن يقول الحقيقة؟»

ماعرفتش أرد بسرعة.

لأن السؤال كان أبسط من كل الحسابات اللي في دماغي.

قلتله:

«ممكن. بس لازم هو يختار يقولها.»

يونس هز راسه، ورجع للتلوين.

قبل ما أمشي، ناداني.

«بابا.»

«أيوه؟»

«لو رجعت، ممكن نكمل الرسمة سوا؟»

بصيت للورقة.

كان راسم تلات أشخاص ماسكين إيد بعض قدام البيت.

«هنكملها سوا.»

وصلت مكتب المحامي قبل الموعد بعشر دقايق.

فؤاد وصل بعدي بخمس دقايق، لابس بدلته المعتادة، ووشه هادي كأنه داخل اجتماع عادي.

مد إيده يصافحني.

ماصافحتوش.

قعدنا قدام بعض، وبيننا الملفات اللي جمعتها فريدة قبل رحيلها.

بص للأوراق، وبعدين رفع عينه ليا.

«واضح إنك بقيت تسمع كلام ناس كتير يا عاصم.»

«أنا بقيت أراجع الكلام بالأدلة.»

ابتسم ابتسامة باردة.

«وده فرق كبير.»

فتحت أول ملف.

«عايز تفسير للتحويلات دي.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى