روايات وقصص

ممرضة ابني حكايات صافي هاني

بص عليها بسرعة.

«معاملات شغل.»

«بتوقيع مزور.»

«أنا مازورّتش توقيعك.»

«طيب، مين اللي استخدم حسابات شركتك؟»

سكت لحظة.

«كان فيه موظفين كتير.»

«واللي دخل البيت القديم قبل الحادث بساعة؟»

ملامحه اتغيرت.

كان تغيير بسيط، لكن المرة دي أنا كنت مركز.

«مين قالك الكلام ده؟»

«السؤال مش مين قاللي. السؤال إنت كنت بتعمل إيه هناك؟»

رجع بضهره للكرسي.

«فريدة كانت متوترة من فترة، وكانت فاهمة أمور غلط. أنا رحت أتكلم معاها وأوضح لها إن مفيش حاجة تستدعي القلق.»

«عن إيه؟»

«عن شغلك.»

«ليه ماجيتش قلتلي؟»

«لأنك كنت مشغول.»

ضحكت من غير فرحة.

«مراتي كانت خايفة على ابنها، وفيه حد بيضغط عليها، وإنت قررت تخبي عني بحجة إني مشغول؟»

فؤاد سكت.

كملت:

«فريدة كتبت كل اللي عرفته. وأنا مش هحكم عليك قبل ما أسمع منك. لكن من اللحظة دي، كل حساب وكل توقيع وكل معاملة هتتراجع.»

بصلي بنظرة طويلة.

«إنت اتغيرت يا عاصم.»

«لأ. أنا بس بطلت أعتبر الثقة بديل عن الحقيقة.»

لأول مرة، ملامحه فقدت هدوءها.

قال إنه مستعد يتعاون، وإنه هيقدم سجلات إضافية عن الحسابات، لكنه نفى أي علاقة له بالحادث.

ماكانش عندي دليل يخليني أصدقه أو أتهمه بالحادث.

فقررت أسيب التحقيق يكمل طريقه.

خرجت من المكتب وأنا عارف إن فيه جزء من الحقيقة لسه مستخبي.

لكن ماكانش ده أهم شيء عندي دلوقتي.

كان أهم شيء إني أرجع لابني قبل العشا.

لما وصلت القصر، لقيت الجنينة متجهزة.

مريم حطت بطانية خفيفة على الكرسي، ويونس كان مستنيني وهو لابس جاكيت أزرق.

أول ما شافني، وشه نور.

«إنت رجعت!»

ابتسمت.

«قولتلك هرجع.»

قربت منه، ودفعت الكرسي بهدوء ناحية الجنينة.

كان الجو بارد شوية، والهوا بيحرك ورق الشجر، وفيه عصفورين واقفين على سور الحديقة.

يونس فضل يتفرج عليهم بانبهار.

«بص يا بابا! ده واحد صغير وده كبير.»

«يمكن أمه.»

«لأ، يمكن أبوه.»

بصيت له وابتسمت.

«يمكن فعلًا.»

قعدنا وقت طويل من غير ما نتكلم كتير.

مريم جابت لنا ألوان وورق، وبدأ يونس يرسم العصفورين.

وبعد شوية، طلب مني أمسك القلم معاه.

إيدي كانت أكبر من إيده بكتير، وكل ما أحاول ألون جوه الخطوط، يضحك ويقوللي إني ببوظ الرسمة.

«يا بابا، إنت مش بتعرف تلون!»

ضحكت.

«أنا بعرف أدير شركات، إنما الألوان دي محتاجة دكتور.»

مريم ضحكت من قلبها.

كان صوت ضحكتها غريب على القصر، لكنه كان جميل.

وفجأة، يونس سألها:

«مريم، هو آدم كان بيحب الجنينة؟»

مريم بصت للشجر.

«كان بيحب يجري فيها. وكان كل يوم يرجع هدومه كلها تراب.»

يونس سكت، وبعدين قال:

«أنا مش هقدر أجري زي زمان.»

مريم نزلت لمستواه.

«يمكن جسمك محتاج طريقة مختلفة عشان يتحرك، وده هياخد وقت ومجهود. لكن فيه حاجات كتير تقدر تعملها، وفيه أهداف نقدر نشتغل عليها مع الدكاترة خطوة خطوة.»

يونس بص لرجليه.

«يعني ممكن أمشي؟»

مريم ماوعدتوش بحاجة مش مضمونة.

«أنا مش هقدر أوعدك بحاجة الطبيب نفسه ما يقدرش يضمنها. لكن أقدر أوعدك إننا هنشتغل على اللي نقدر عليه، وإنك مش هتكون لوحدك في الطريق.»

بصلي يونس.

أنا مسكت إيده.

«وأنا هكون معاك في كل خطوة.»

فضل باصص لنا، وبعدين رجع يبص للعصافير.

«خلاص. بكرة نتمرن، بس النهارده نكمل الرسمة.»

قلتله:

«اتفقنا.»

في اللحظة دي، فهمت إن الأمل مش معناه إنك تضمن النهاية اللي نفسك فيها.

الأمل إنك تبطل تحرم نفسك من البداية.

بعد أسبوعين، بدأت جلسات العلاج الطبيعي تتغير.

يونس لسه بيتعب، ولسه فيه أيام بيبقى فيها محبط ويرفض يكمل، لكن الفرق إنه بقى يقدر يقول إنه تعبان بدل ما يسكت لحد ما ينفجر في العياط.

ومريم كانت بتفهم إمتى تشجعه وإمتى تسيبه يرتاح.

أما أنا، فكنت بحضر جزء من الجلسات كل يوم.

في البداية، وجودي كان بيوتره.

كان كل شوية يبصلي كأنه مستني مني أقول له إنه لازم يكمل.

لكن مع الوقت، اتعلمت إني مش لازم أتكلم طول الوقت.

أحيانًا كنت بقعد جنبه وأقرأ كتاب، وأسيبه يشتغل مع مريم من غير ما أتدخل.

وفي يوم، بعد جلسة طويلة، يونس بصلي وقال:

«بابا، أنا النهارده ماعيطتش.»

ابتسمت.

«أنا فخور بيك.»

هز راسه.

«بس رجلي وجعتني.»

«يبقى لازم نسمع كلام الدكتور ونرتاح.»

بصلي باستغراب.

«مش هتقوللي كمل؟»

ضحكت.

«لأ. الشجاعة مش إنك تتوجع وتسكت. الشجاعة إنك تقول لما تحتاج مساعدة.»

ابتسم، وبعدين مد إيده عشان أمسكه وأنا بنقله للسرير.

في اللحظة دي، مريم كانت بتراقبنا من بعيد، وعلى وشها ابتسامة هادية.

لما خلصنا، قالتلي:

«إنت بتتعلم بسرعة.»

بصيت لها.

«أنا ضيعت وقت كتير.»

«المهم إنك بدأت.»

كنت عايز أشكرها، لكن الكلمات مكنتش كفاية.

فقلت لها:

«إنتي مش مجرد ممرضة في البيت ده يا مريم. إنتي ساعدتي ابني يرجع يتكلم، وساعدتيني أنا أسمعه.»

هزت راسها.

«يونس هو اللي اختار يتكلم. أنا بس اديته فرصة يحس إنه مش مضطر يخاف.»

وبعدين أضافت:

«بس فيه حاجة لازم أقولها لك.»

«إيه؟»

«أنا بفكر أرجع القاهرة بعد ما نخلص الفترة اللي اتفقنا عليها.»

الكلام جه عليا فجأة.

«ليه؟»

«عندي أمي لوحدها، وبقالي فترة طويلة بعيد عنها. وكمان أنا مش عايزة يونس يحس إنه محتاج شخص واحد بس عشان يقدر يواجه الحياة.»

بصيت ناحية أوضة ابني.

كنت فاهم كلامها، لكن فكرة إنها تمشي كانت بتخوفني.

مش عشان أنا محتاجها لنفسي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى