روايات وقصص

ممرضة ابني حكايات صافي هاني

عشان كنت خايف على يونس من إنه يخسر شخص تاني ارتاح له.

قلت لها:

«خلينا نتكلم في الموضوع ده بعدين. دلوقتي خلينا نركز على يونس.»

ابتسمت، لكنها فهمت إن القرار لسه شاغلني.

في نفس الأسبوع، وصلنا لآخر جزء من المستندات اللي فريدة سابتها.

الخبير لقى مراسلات قديمة بين فؤاد وشخص تالت، وكان واضح إن فيه محاولة لإخفاء معاملات مالية عن الشركة.

لكن مفيش رسالة واحدة تثبت إن فؤاد كان مسؤول عن الحادث نفسه.

استدعاه المحامي مرة تانية، والمرة دي فؤاد حضر ومعاه محاميه، وقدم سجلات إضافية.

اعترف إن فيه معاملات اتنفذت من خلال شركته من غير ما يراجعها بالشكل الكافي، لكنه أنكر إنه ضغط على فريدة أو إنه كان يعرف إن فيه حد ناوي يأذيها.

ماقبلتش كلامه كحقيقة نهائية، ومااعتبرتش إنكاره براءة.

سيبت المحامي والجهات المختصة يراجعوا كل حاجة.

وبدأت أنا أعمل حاجة ماكنتش بعملها من سنين.

أراجع حياتي نفسها.

وقفت التعاملات اللي مفيش عليها مستندات واضحة، وطلبت مراجعة مستقلة لكل الحسابات، وقطعت أي صلاحيات اتمنحت لناس من غير رقابة.

اللي اكتشفته كان مؤلم.

سنين من الثقة العمياء خلتني أسيب مفاتيح كتير في إيد ناس ماكنتش أعرف عنهم كل حاجة.

لكن أصعب اكتشاف كان إن فريدة كانت بتحاول تنبهني، وأنا كنت بعتبر قلقها مبالغة.

في ليلة، قعدت لوحدي في أوضة المكتب، وفتحت درج صغير كانت بتحط فيه رسائلها القديمة.

لقيت ورقة كتبتها قبل رحيلها بشهر.

«عاصم، أنا عارفة إنك بتعمل كل ده عشان تحمينا. بس أنا مش عايزة أعيش في بيت كل باب فيه مقفول وكل شخص فيه خايف. أنا عايزة يونس يكبر وهو عارف إن الدنيا فيها ناس كويسة، وإننا نقدر نثق في بعض من غير ما نكون ساذجين.»

فضلت أقرا الجملة دي مرات كتير.

وبعدين بصيت ناحية الباب.

يونس كان واقف على كرسيه المتحرك، ومريم وراه.

«بابا، إنت زعلان؟»

طويت الورقة بسرعة.

«لأ يا حبيبي.»

بصلي بشك.

«إنت بتقول لأ لما بتكون زعلان.»

ضحكت رغم الوجع اللي جوايا.

«واضح إنك بقيت تعرفني كويس.»

قرب مني.

«ممكن أقعد معاك؟»

شاورته على الكرسي اللي جنبي.

قعد، وبعدين بص للورقة.

«دي من ماما؟»

هزيت راسي.

«أيوه.»

مد إيده.

«ممكن أشوفها؟»

اديتهاله.

قرأ الكلمات على مهله، وكان بيحرك شفايفه وهو بيحاول يفهم الخط.

ولما خلص، قال:

«ماما كانت عايزانا مانخافش.»

«أيوه.»

«طب ليه إنت كنت بتقفل كل الأبواب؟»

السؤال خرج منه من غير لوم، وده خلاه أصعب.

خدت نفس طويل.

«عشان كنت فاكر إن لو قفلت كل الأبواب، محدش هيقدر يأذينا. بس نسيت إن الأبواب لما بتتقفل طول الوقت، بتمنع الحاجات الحلوة كمان إنها تدخل.»

يونس فكر شوية.

«طب نفتح باب الجنينة بكرة؟»

ابتسمت.

«نفتح باب الجنينة بكرة.»

وبعدين حضنته.

عدت شهور، والقصر بدأ يتغير.

مش في شكله، ولا في الحراسة، ولا في الأسوار العالية.

اتغير في الأصوات اللي بقت تتسمع جواه.

صوت يونس وهو بيضحك.

صوت مريم وهي بتقرأ له.

صوتي وأنا بتكلم معاه عن يومي بدل ما أسأله بس عن العلاج.

بقى عندنا روتين جديد.

نفطر سوا كل يوم، وبعدها يونس يختار بنفسه ترتيب أنشطته، بالتنسيق مع فريق التأهيل.

كان عنده أيام صعبة، وكنت بشوف الإحباط في عينيه لما يلاقي إن حركة معينة لسه مش سهلة، أو لما يسمع أطفال بره بيجروا ويلعبوا.

في الأيام دي، ماكنتش بحاول أشتري له حاجة عشان أنسيه حزنه.

كنت بقعد جنبه.

أحيانًا نتكلم.

وأحيانًا نسكت.

وفي مرة، بعد ما شاف أطفال بيلعبوا في الحديقة، رجع أوضته وسكت فترة طويلة.

قعدت جنبه.

قال بصوت مكسور:

«أنا وحشني أجري.»

حسيت إن الكلام قطع قلبي.

«عارف يا حبيبي.»

«وحشني ألعب مع صحابي من غير ما حد يفضل خايف عليا.»

مسكت إيده.

«من حقك تزعل. ومش لازم تبقى قوي طول الوقت.»

بصلي.

«بس أنا مش عايزك تزعل عشاني.»

ابتسمت بحزن.

«أنا بزعل لما أشوفك موجوع، لكن مش معنى كده إنك لازم تخبي وجعك عني.»

فضل ساكت شوية، وبعدين قال:

«ممكن نجيب صحابي البيت؟»

ابتسمت.

«طبعًا.»

«من غير ما الحراس يقعدوا واقفين وراهم طول الوقت؟»

بصيت له، وعرفت إن الطلب ده بالنسباله أكبر من مجرد زيارة.

كان عايز يحس إنه طفل عادي.

قلت له:

«هننظم الزيارة بطريقة آمنة، لكن مش هخلي حد يحسسك إنك محبوس.»

ابتسم.

وفي اليوم اللي جه فيه أصحابه، كانت الجنينة مليانة ضحك.

واحد جاب لعبة عربية صغيرة، والتاني جاب كورة، والتالت جابله كراسة رسم.

يونس قعد معاهم، وكان بيشاركهم في كل حاجة يقدر عليها.

ولما واحد منهم سأله إذا كان زعلان إنه مش بيجري، رد يونس:

«آه، ساعات. بس أنا بعرف أعمل حاجات تانية.»

كنت واقف بعيد، بسمع كلامه، وحاسس بفخر عمري ما حسيت زيه.

مش لأنه اتخطى إصابته.

لكن لأنه بدأ يتصالح مع نفسه، من غير ما يضطر يخبي حزنه عشان يرضيني.

في آخر يوم لمريم في القصر، يونس كان عارف إنها هترجع القاهرة تقعد مع أمها، لكنه كان بيحاول يتظاهر إنه عادي.

من الصبح، وهو مش عايز يسيبها تروح.

ساعدته يختار هدية بسيطة ليها.

كان رسم صورة ليها وهي قاعدة جنبه في أوضة العلاج، وحاطط فوقهم شمس كبيرة.

وعلى ضهر الورقة، كتب بمساعدة المدرس اللي بقى بيجيله البيت:

«شكرًا عشان سمعتي كلامي حتى لما كنت مش عارف أقوله.»

لما مريم شافت الرسمة، عيطت.

حضنته وقالت:

«إنت مش محتاج تشكرني يا يونس. أنا اتعلمت منك حاجات أكتر بكتير من اللي قدرت أساعدك فيها.»

يونس مسك إيدها.

«هترجعي تزوريني؟»

«أكيد. وهنتكلم كل أسبوع، ولو احتجتني هتلاقيني.»

بصلي يونس، كأنه عايز يتأكد إن أنا موافق.

قلت له:

«مريم ليها بيت وأهل محتاجينها، وإحنا هنفضل نحبها حتى وهي بعيدة. ومش معنى إنها هتمشي إن كل حاجة حلوة عملتها هتروح.»

يونس هز راسه، لكنه فضل ماسك إيدها شوية.

قبل ما تركب العربية، مريم قربت مني.

قالت:

«خلي بالك منه، بس ماتخليش خوفك عليه ياخد منه حقه في الحياة.»

رديت:

«هحاول.»

ابتسمت.

«ماتحاولش بس. افتكر إنك وعدته تسمعه.»

مديت إيدي وصافحتها.

«مش هنسى.»

العربية اتحركت، ويونس فضل يلوح لها لحد ما اختفت من آخر الطريق.

بعدها، رجعنا القصر.

كان هادي شوية، لكن مش هادي زي زمان.

لأن المرة دي، الهدوء ماكانش مليان خوف.

كان مجرد بيت بيستعد ليوم جديد.

بعد ستة شهور، كنت قاعد في الجنينة مع يونس، بنراجع رسمة جديدة كان عايز يشارك بيها في معرض فني للأطفال.

كان بيرسم أبوه وابنه تحت شجرة كبيرة، وفوقهم طيور كتير.

سألته:

«ليه رسمت الطيور بالعدد ده؟»

رد وهو مركز في الورقة:

«عشان لما طير يطير لوحده، ممكن يتعب. لكن لما يبقى معاه طيور تانية، الطريق بيبقى أسهل.»

بصيت له، وابتسمت.

«مين قالك الحكمة دي؟»

ضحك.

«أنا اللي فكرت فيها.»

في اللحظة دي، تليفوني رن.

كان المحامي.

قال إن مراجعة المستندات وصلت لنتائج نهائية بخصوص التلاعب المالي، وإن الملف اتقدم للجهات المختصة، وإن التحقيق في الحادث لسه مستمر بسبب نقص الأدلة المباشرة.

سمعته للآخر، وطلبت منه يكمل الإجراءات القانونية من غير ما يستعجل نتيجة.

قفلت التليفون، ورجعت قعدت جنب يونس.

سألني:

«عرفت حاجة جديدة عن ماما؟»

هزيت راسي.

«لسه بنحاول نفهم كل التفاصيل.»

«ولو عرفنا مين السبب؟»

بصيت له.

«هنخلي الحقيقة تظهر، وهنسيب القانون ياخد مجراه.»

فكر شوية، وبعدين قال:

«أنا مش عايز حد تاني يخسر مامته.»

حسيت بوجع قديم بيرجع، لكن المرة دي قدرت أتكلم من غير ما أهرب منه.

«وأنا كمان يا حبيبي.»

مد إيده، ومسكتها.

وبعدين رجعنا نكمل الرسمة.

في الليلة دي، الساعة كانت 3:17 الفجر بالظبط.

كنت صاحي في المكتب، لكن مش بتابع الكاميرات.

كنت براجع أوراق قديمة لفريدة، وبحاول أرتب الذكريات اللي كنت بهرب منها.

سمعت صوت خفيف عند الباب.

يونس دخل ببطانيته الصغيرة، ووشه عليه علامات النعاس.

«بابا؟»

قمت من مكاني بسرعة.

«مالك يا حبيبي؟ في حاجة وجعاك؟»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى