روايات وقصص

ممرضة ابني حكايات صافي هاني

هز راسه.

«لأ. أنا حلمت بماما.»

قلبي اتقبض، لكني قعدت قدامه.

«حلمت بإيه؟»

«كانت في الجنينة، وبتضحك. وكانت بتقوللي إني ماخافش.»

مسحت على شعره.

«ده حلم جميل.»

قعد جنبي، وسند راسه على كتفي.

«بابا، إنت لسه بتخاف؟»

بصيت للشاشات اللي كانت زمان بتملأ المكتب، وبعدين بصيت لابني.

«أيوه. ساعات بخاف.»

رفع راسه.

«من إيه؟»

خدت نفس طويل.

«بخاف أخسرك. وبخاف إني ماعرفش أحميك من كل حاجة.»

يونس فكر شوية، وبعدين قال:

«ماما مش هترجع، صح؟»

غمضت عيني للحظة.

«لأ يا حبيبي. مش هترجع.»

دموعه نزلت بهدوء.

حضنته، وفضلنا ساكتين شوية.

وبعدين قال:

«بس إحنا لسه عندنا بعض.»

الكلمة دي كانت أبسط من كل الكلام اللي حاولت أقوله لنفسي طول الشهور اللي فاتت.

«أيوه. لسه عندنا بعض.»

رفع راسه وبص للشاشات.

«بابا، ممكن تقفلها؟»

بصيت له باستغراب.

«الكاميرات؟»

هز راسه.

«أنا عارف إنك بتطمن عليا. بس ساعات بحس إنك بتبص عليا من بعيد، ومش بتكون معايا بجد.»

حسيت إن ابني بيحط إيده على الجرح اللي كنت بهرب منه.

قمت من مكاني.

قفلت الشاشات واحدة واحدة.

فضلت شاشة واحدة شغالة، بتعرض الممر اللي قدام أوضة يونس.

بصيت لها لحظة.

وبعدين قفلتها هي كمان.

رجعت قعدت جنبه.

«كده أحسن؟»

ابتسم.

«أحسن.»

سند راسه على كتفي تاني.

وفي اللحظة دي، فهمت إن مفيش كاميرا في العالم تقدر تعوض أب غايب، وإن ألف حارس مش هيقدروا يمنعوا الخوف من دخول قلب طفل لو كان حاسس إنه لوحده.

أنا كنت فاكر إن القوة معناها إني أقدر أسيطر على كل حاجة.

لكن ابني علمني إن القوة ساعات بتكون في إنك تعترف إنك مش قادر تتحكم في كل حاجة، وإنك تفضل موجود رغم خوفك.

في الصبح، صحينا على صوت العصافير.

يونس طلب نفطر في الجنينة، فجهزنا الفطار وقعدنا تحت الشجرة اللي بقت مكاننا المفضل.

بعد ما خلص، طلع الرسمة اللي كان شغال عليها.

كانت شبه الرسمة القديمة اللي رسمها قبل رحيل فريدة، لكن المرة دي كان فيه شخص رابع واقف جنبنا.

سألته:

«مين ده؟»

قال:

«ماما.»

بصيت للرسمة.

«بس ماما مش موجودة معانا هنا يا حبيبي.»

ابتسم.

«عارف. بس أنا حاططها عشان تفضل معانا في الصورة.»

حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.

يونس كمل:

«أنا كنت فاكر إن لو افتكرتها هعيط، فكنت بحاول ماجيبش سيرتها. بس دلوقتي لما بفتكرها، ساعات بضحك وساعات بعيط. ومريم قالتلي إن الاتنين عادي.»

حضنته.

«مريم عندها حق.»

بصلي وقال:

«بابا، ممكن نعمل حاجة لماما؟»

«زي إيه؟»

«نساعد أطفال تانيين زي ما هي كانت بتساعدهم.»

فضلت باصص له.

افتكرت كل الحاجات اللي عرفتها عن فريدة بعد رحيلها، وكل العائلات اللي كانت بتحاول تسندها من غير ما تطلب شكر.

قلت له:

«هنعمل كده يا حبيبي.»

وبالفعل، بدأت أراجع مؤسسة صغيرة كانت فريدة بتساعدها من غير ما حد يعرف، ورتبت إن الدعم يستمر بطريقة واضحة ومنظمة، وإن الأطفال اللي محتاجين علاج يلاقوا فرصة حقيقية.

ماعملتش ده عشان أعوض رحيلها، لأن مفيش حاجة تقدر تعوضه.

عملته عشان دي كانت واحدة من الحاجات اللي كانت بتحبها.

وفي أول زيارة لينا للمركز، يونس قابل أطفال كتير، واتعرف على ولد اسمه كريم كان بيستخدم كرسي متحرك زيه.

قعدوا يرسموا سوا، وكل واحد يحكي للتاني عن الحاجة اللي نفسه يعملها.

كريم قال إنه نفسه يزور البحر.

يونس قال إنه نفسه يتعلم يعزف بيانو.

واتفقوا إن كل واحد فيهم يشجع التاني وهو بيحاول يحقق حلمه.

وأنا كنت واقف بعيد، بتفرج عليهم، وفاهم إن ابني مش محتاجني أحول العالم كله لمكان مفيهوش مخاطر.

هو محتاجني أساعده يلاقي مكانه في العالم، رغم كل اللي حصل.

عدت سنة كاملة من يوم الحادث.

في اليوم ده، يونس طلب يزور المكان اللي كانت فريدة بتحب تقعد فيه جنب البحر.

رحنا سوا، ومعانا مريم اللي جت تزورنا مخصوص.

قعدنا على مقعد خشبي قدام المية، والهواء كان بيحرك شعر يونس.

كان ماسك صورة أمه، وباصص للبحر.

مريم قعدت جنبه، وأنا فضلت واقف شوية، مش عارف أقول إيه.

يونس ناداني.

«بابا، تعالى.»

قعدت جنبه.

رفع الصورة.

«أنا فاكر ماما كويس.»

ابتسمت بحزن.

«وأنا كمان.»

«فاكر ضحكتها، وريحت البرفان بتاعها، وإنها كانت بتغني وهي بتطبخ.»

ضحكت رغم دموعي.

«وكانت بتغير كلمات الأغاني على مزاجها.»

يونس ضحك.

«آه، وكانت بتغني غلط جدًا.»

فضلنا نضحك شوية، وبعدها سكت يونس.

قال بصوت هادي:

«أنا زعلان إنها مش هنا. بس أنا مش عايز أفضل زعلان طول عمري.»

حطيت إيدي على كتفه.

«مش مطلوب منك تنسى يا حبيبي. ولا مطلوب منك تبطل تزعل. بس مطلوب منك تعيش، وتدي لنفسك فرصة تفرح كمان.»

بصلي.

«وإنت؟»

«أنا إيه؟»

«هتفضل زعلان طول عمرك؟»

السؤال خلاني أفكر طويلًا.

بصيت للبحر، وبعدين للصورة اللي في إيده.

«هفضل أحبها طول عمري. وهفضل أفتكرها. بس هحاول ماخليش الحزن ياخد مني الوقت اللي لسه عندي معاك.»

يونس مد إيده ومسك إيدي.

«يبقى نتفق إننا لما نزعل، نتكلم.»

ضغطت على إيده.

«اتفقنا.»

مريم كانت بتبص لنا ودموعها بتنزل، لكنها كانت بتبتسم.

يونس حط الصورة في حضنه، وبعدين رفع وشه للسماء.

«وحشتيني يا ماما.»

وساب دموعه تنزل من غير ما يحاول يخبيها.

أنا حضنته، ومريم حاوطتنا بدراعها.

فضلنا قاعدين قدام البحر لحد ما الشمس بدأت تغيب.

ولأول مرة من يوم ما فقدت فريدة، ماحسيتش إني لازم أقوم وأمشي عشان أهرب من الذكريات.

فضلت مكاني.

سمعت صوت البحر، وضحكة ابني، وكلام مريم وهي بتحكيله عن آدم.

واكتشفت إن الحزن مش باب لازم نقفله عشان نقدر نعيش.

الحزن جزء من الحكاية، لكنه مش لازم يكون آخر سطر فيها.

بعد شهور، وصلني اتصال من المحامي.

كان فيه تطور جديد في التحقيق، ومعلومات إضافية ساعدت الجهات المختصة تراجع تفاصيل الحادثة من بدايتها. اتطلبت شهادات جديدة، واتراجعت سجلات قديمة، وبدأت الصورة تتضح بشكل أكبر.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى