روايات وقصص

ممرضة ابني حكايات صافي هاني

لكن الحقيقة الكاملة احتاجت وقت، وماكانش ينفع أختصرها في اتهام أو أعتبر أي شخص مذنب لمجرد إني فقدت أعصابي.

قررت أسيب التحقيق يكمل طريقه، وأركز على الحاجة اللي كنت ضيعتها سنين.

بيتي.

في المساء، دخلت أوضة يونس، لقيته بيحاول يكتب رسالة لمريم عشان يشكرها على زيارتها الأخيرة.

قعدت جنبه وسألته:

«تحب أساعدك؟»

هز راسه.

«لأ، أنا عايز أكتبها بنفسي.»

فضلت جنبه من غير ما أتدخل.

كتب ببطء، ومسح كلمة، ورجع كتبها من جديد.

ولما خلص، قرأهالي بصوت عالي:

«يا مريم، أنا بقيت أحكي لبابا لما أخاف. وبقيت أقول له لما أكون زعلان. ساعات بنعيط سوا، وساعات بنضحك. أنا لسه نفسي أمشي وأجري، بس بقيت عارف إن حياتي مش واقفة لحد ما ده يحصل. شكرًا عشان خليتيني أعرف إن صوتي مهم.»

مريم ردت عليه برسالة صوتية، وكان صوتها مليان دموع وفرحة.

قالتله إنها فخورة بيه، وإنه يفضل يحلم ويحاول، وإنه عمره ما يحتاج يكون شبه أي حد عشان يبقى مميز.

يونس سمع الرسالة مرتين، وبعدها بصلي.

«بابا، إنت فخور بيا؟»

حضنته بقوة.

«أنا فخور بيك أكتر من أي حاجة عملتها في حياتي.»

«حتى لو ماقدرتش أمشي؟»

بعدت عنه وبصيت في عينيه.

«حتى لو الطريق أخد وقت طويل، وحتى لو جسمك فضل محتاج مساعدة، ده مش هيغير قيمتك عندي. إنت ابني، وأنا بحبك عشان إنت يونس، مش عشان تقدر تعمل إيه.»

ابتسم، ودفن وشه في صدري.

فضلنا كده شوية، من غير كلام.

وبعدين قال:

«طب ممكن بكرة نروح نجيب آيس كريم؟»

ضحكت.

«نروح نجيب آيس كريم.»

«ونجيب لمريم كمان لما تيجي؟»

«هنجيب لها أكبر واحدة.»

ضحك، ورجع يمسك القلم عشان يرسم آيس كريم بثلاث كرات ملونة.

وأنا قعدت جنبه، أساعده لما يطلب مني، وأسكت لما يكون محتاج يشتغل لوحده.

الساعة 3:17 الفجر، بعد مرور سنة ونص على الليلة اللي شوفت فيها مريم بتحضن ابني قدام الكاميرات، صحيت على صوت خبط خفيف على باب أوضتي.

فتحت الباب، لقيت يونس واقف على كرسيه المتحرك، حاضن مخدته القديمة.

«بابا، ممكن أنام عندك النهارده؟»

فتحت له الباب على آخره.

«طبعًا يا حبيبي.»

دخل، وساعدته يرتب المخدة على السرير.

بعد ما نام، قعدت جنبه وبصيت لوشه الهادي.

كان لسه عنده أيام صعبة، ولسه جلسات التأهيل جزء من حياته، ولسه فيه أسئلة عن فريدة ملهاش إجابات كاملة.

لكن يونس رجع يتكلم، ويرسم، ويضحك، ويزعل من غير ما يحس إن عليه يخبي أي حاجة.

وأنا رجعت أبقى أبوه، مش مجرد الراجل اللي بيدفع الفلوس عشان كل حاجة تتعمل نيابة عنه.

بصيت للساعة.

كانت 3:17 بالظبط.

نفس الوقت اللي من شهور طويلة كنت فيه واقف قدام الشاشات، ماسك هاتفي، ومستعد أعتبر أي حركة خطر لازم أوقفه.

الليلة دي، ماكانش فيه هاتف على المكتب.

ولا كنت محتاج أبص على كاميرا عشان أعرف إن ابني بخير.

كان نايم جنبي، وإيده الصغيرة ماسكة طرف إيدي.

ابتسمت، ومسحت على شعره.

همست:

«تصبح على خير يا حبيبي.»

وهو نص نايم، رد بصوت خافت:

«وإنت من أهله يا بابا.»

غمضت عيني، ولأول مرة من سنين، ماخفتش من النوم.

لأن الحقيقة اللي اتعلمتها بعد كل اللي حصل كانت بسيطة جدًا.

أنا ماقدرتش أرجع فريدة.

وماقدرتش أمحي الحادث من ذاكرة ابني.

وماقدرتش أضمن إن الدنيا مش هتوجعنا تاني.

لكن قدرت أرجع أقعد جنبه، وأسمعه، وأخليه يعرف إنه مش مضطر يواجه خوفه لوحده.

وفي بيت كان زمان مليان أبواب مقفولة وكاميرات بتراقب كل نفس، بقى فيه باب مفتوح على الجنينة، ورسومات ملونة على الحيطان، وكرسي متحرك جنب الشباك، وأب بيتعلم كل يوم إزاي يحب من غير ما يحبس اللي بيحبهم جوه خوفه.

أما يونس، ففضل محتفظ بمخدته القديمة، وبصورة أمه، وبالرسمة اللي رسمها في أول يوم قدر فيه يحكيلي عن اللي شافه.

وفي آخر الرسمة، كتب جملة صغيرة بخطه اللي اتحسن مع الوقت:

«مش لازم كل الحكايات ترجع زي الأول عشان يبقى ليها نهاية حلوة.»

حطيت الرسمة في إطار خشبي، وعلقتها جنب صورة فريدة.

وكل ما كنت أبص عليهم، كنت أفتكر إن أصعب معركة خضتها في حياتي ماكانتش ضد شخص حاول يأذيني، ولا ضد خطر جاي من بره.

كانت المعركة اللي جوايا، بين الخوف اللي كان بيخليني أقفل كل الأبواب، والحب اللي كان بيطلب مني أفتحها.

وفي الليلة اللي الساعة فيها دقت 3:17، كنت فاكر إن الممرضة الجديدة دخلت أوضة ابني عشان تعمل حاجة لازم أوقفها.

لكنها كانت داخلة عشان تحضن طفل مرعوب، وتفكره إنه لسه في أمان.

ومن يومها، عرفت إن ابني ماكانش محتاج حارس أقوى، ولا قصر أكبر، ولا كاميرات أكتر.

كان محتاج أب يسمع صوته.

وأنا، عاصم الديب، الراجل اللي ناس كتير كانت بتخاف منه، احتجت سنة ونص كاملة عشان أفهم إن أغلى حاجة في الدنيا مش إن محدش يقدر يقرب من ابنك.

أغلى حاجة إن ابنك يعرف إنه مهما خاف، ومهما اتوجع، ومهما حصل، هيلاقيك فاتح له الباب ومستنيه.

وفي آخر ليلة من السنة دي، قبل ما أطفي نور أوضة يونس، بصلي وقال:

«بابا، لو حلمت بماما تاني، هحكيلك الصبح.»

ابتسمت وبوست راسه.

«احكيلي يا حبيبي. كل حاجة تحب تحكيها، هسمعها.»

غمض عينيه، ونام مطمن.

وأنا فضلت واقف عند الباب لحظة، ببص لابني اللي رجع يبتسم بعد ما كنت فاكر إن الضحكة رحلت مع أمه.

وبعدين خرجت، وسايب الباب موارب.

لأن البيت اللي اتبنى على الخوف، أخيرًا اتعلم يفتح أبوابه للحب.

9 من 9التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى