روايات وقصص

الساعه اتنين بالليل حكايات صافي هاني

الساعة كانت اتنين وسبعة وأربعين دقيقة بعد نص الليل وبنتي ليلى اللي عندها سبع سنين كانت بين الحياة والموت في العناية المركزة. جوزي أحمد شاف اتصالاتي ورفض يرد عليا لأنه كان في جزر البهاما مع الست اللي طول الوقت كان بيقولي إني مش محتاجة أقلق منها. ولما الشمس طلعت كنت اتصلت بيه واحد وخمسين مرة والقرار اللي أخده الليلة دي هيفضل يطارده حتى بعد ما يرجع البيت بوقت طويل. لكن الصدمة الأكبر ما كانتش ظهرت لسه لأن كان فيه سر مستخبي تحت تفاصيل حياتي اللي كنت فاكرة إني عارفاها كويس.

أنا اسمي سارة منصور واليوم اللي جوزي أحمد استهان بيا فيه كان هو نفس اليوم اللي دمر فيه نفسه بإيده.

الدكتور كان لسه واخدني على أوضة صغيرة بعيد عن العناية المركزة وبصلي بجدية وقال

بنتك حالتها خطيرة جدًا يا مدام سارة.

أنا كنت عارفة الكلام ده من غير ما يقوله. كنت شايفة بنتي الصغيرة نايمة على سرير المستشفى وسط الأجهزة والمحاليل وكنت حاسة إن روحي بتتسحب مني مع كل نفس بتاخده.

سألته بصوت مبحوح

حضرتك محتاج مني أعمل إيه؟ أعمل أي حاجة بس بنتي تقوم بالسلامة.

رد عليا وهو بيحاول يختار كلامه بعناية

إحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه لكن لو والدها موجود أو نقدر نتواصل معاه ممكن نحتاجه في بعض القرارات الطبية.

طلعت موبايلي بسرعة وقلتله

هكلمه حالًا.

اتصلت بأحمد مرة واتنين وتلاتة لكنه رفض المكالمات التلاتة.

مش إنه ما سمعش الرنة ولا إنه كان مشغول ومقدرش يرد.

لأ هو رفض المكالمة بنفسه.

فضلت باصة للشاشة وأنا شايفة نفس الكلمتين بيتكرروا قدامي

تم رفض المكالمة.

كان شايف اسمي وكان عارف إني أنا اللي بتصل ومع ذلك اختار إنه ما يردش.

كتبتله رسالة وصوابعي بتترعش

استنيت شوية وبعدين بعتله صورة ليلى وهي نايمة تحت ملاية المستشفى وإيديها الصغيرة متوصلة بالمحاليل وجهاز الأكسجين قريب من وشها والشاشات اللي جنب سريرها بتراقب كل نفس بتاخده.

حتى الإسورة البنفسجي الصغيرة اللي كانت عملتها بإيديها في معسكر الصيف كانت لسه في معصمها.

بصيت للصورة وأنا بعيط وقلت لنفسي

دي بنتك يا أحمد دي بنتك اللي كانت بتجري عليك أول ما تسمع صوت مفتاحك في الباب.

دي البنت اللي كانت بتنام على صدرك وإنت بتحكيلها حواديت قبل النوم واللي كانت بتسألك كل يوم إمتى هترجع من الشغل عشان تلعب معاها.

لكن حتى بعد ما بعتله الصورة ما ردش.

أحمد كان في جزر البهاما في رحلة سماها راحة من ضغوط الحياة وإعادة ترتيب الأولويات.

أسبوعين كاملين بعيد عن الشغل ومن غير مكالمات ولا سوشيال ميديا ولا مقاطعات عائلية زي ما كان بيقول.

قبل ما يسافر بأيام وقف قدامي وقال إنه محتاج يبعد شوية لأنه حاسس إني مخنقاه وإن حياتنا بقت كلها مسؤوليات ومشاكل وإنه محتاج وقت لنفسه.

حاولت أتكلم معاه بهدوء وقلتله

طب ما نسافر إحنا التلاتة مع بعض يا أحمد؟ ليلى نفسها تقضي معاك وقت أطول وإحنا كمان محتاجين نغير جو.

بصلي بضيق وقال

أنا مش عايز أسمع كلام عن مسؤوليات وطلبات دلوقتي يا سارة. أنا عايز أسافر لوحدي وأرتاح أسبوعين بس.

سكت وقتها رغم إن كلامه وجعني لكني ما كنتش عايزة أضغط عليه أكتر.

ولما سألته إذا كان فيه حد هيسافر معاه ضحك وقال

هو أنا لوحدي مش هعرف أسافر؟ إنتِ ليه بقيتي بتشكي في كل حاجة؟

حسيت إني غلطانة إني سألته واعتذرتله بدل ما أواجهه بالحقيقة.

ما كنتش أعرف إن فيه واحدة تانية كانت معاه على اليخت.

اسمها جوليانا مراد عندها خمسة وعشرين سنة وبتشتغل مدربة لياقة بدنية في الجيم اللي أحمد كان بيروحه.

نفس الست اللي أول مرة قابلتها فيها حطت إيدها على كتف جوزي وفضلت سايباها مدة أطول من الطبيعي وأنا واقفة قدامهم.

ولما سألت أحمد عنها وقتها ضحك وقاللي

إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟ دي بتتعامل كده مع كل الناس وده جزء من شغلها.

ساعتها سكت لأني ما كنتش عايزة أبقى الزوجة اللي بتشك في جوزها من غير دليل.

وفي ليلة سفره حضن بنتنا وقالها إنه هيجيبلها هدية كبيرة من الرحلة.

ليلى مسكت في رقبته وقالتله

هتكلمني كل يوم يا بابا؟

باس راسها وقالها

طبعًا يا حبيبتي هكلمك كل يوم قبل ما تنامي.

فضلت واقفة عند الباب بتفرج عليهم وقلبي مطمن شوية لأن بنتي كانت مبسوطة بوجود أبوها قبل ما يسافر.

لكن بعد ما مشي ما اتصلش غير مرة واحدة في أول يومين وبعدها بقى يرد على مكالماتي بالعافية لحد ما بدأ يختفي بالساعات.

كنت كل ما أسأله يقولي إن الشبكة ضعيفة وإنه مشغول وإنه مسافر عشان يرتاح مش عشان يفضل ماسك الموبايل طول الوقت.

ما كنتش أعرف إن الراحة اللي بيتكلم عنها كانت مع ست تانية.

وما كنتش أتخيل إن الليلة اللي بنتنا فيها بين الحياة والموت هتكون بالنسباله مجرد إزعاج عايز يتخلص منه.

الساعة أربعة الفجر كنت اتصلت بيه ستة وعشرين مرة.

الساعة خمسة العدد وصل لتسعة وتلاتين مكالمة.

كنت قاعدة قدام باب العناية المركزة وبقوم كل شوية أبص من ورا الزجاج على ليلى وبعدين أرجع أقعد وأنا بدعي ربنا إنها تقوم بالسلامة.

يا رب خد من صحتي واديها لبنتي.

يا رب أنا ماليش غيرها.

يا رب ما تحرمنيش منها.

كنت بقول الدعوات دي بيني وبين نفسي وأنا ماسكة الموبايل كأني مستنية معجزة تحصل ويظهر اسم أحمد على الشاشة.

وفعلًا الساعة خمسة وتمانية وتلاتين دقيقة الموبايل نور باسمه.

قلبي دق بسرعة وافتكرت إنه أخيرًا عرف إن بنته في خطر وإنه هيتصل يسأل عليها وإنه يمكن يكون حجز أول طيارة راجعة لمصر.

لكن ما كانش اتصال.

كانت رسالة قصيرة.

سارة بطلي بقى.

فضلت باصة للكلمتين لحد ما عيني دمعت أكتر والصورة قدامي بقت مش واضحة.

بطلي بقى.

دي كل اللي قدر يقوله لمراته اللي بنتهم بتموت قدامها؟

اتصلت بيه تاني.

رفض المكالمة.

وبعدها بثلاث دقايق وصلتني رسالة تانية.

أنا قلتلك إني واخد فترة راحة من الموبايل والسوشيال ميديا.

احتياجك المستمر إنك توصليلي في كل لحظة هو بالظبط اللي كنت أقصده لما قلتلك إني حاسس بالاختناق.

لو فيه حاجة مستعجلة فعلًا اتصرفي لحد ما أرجع.

وقفت مكاني وأنا بقرا الرسالة مرة واتنين وتلاتة وحسيت إن رجلي مش شايلاني.

بصيت ناحية الحيطة الزجاجية اللي على بعد خطوات مني وشفت ستة من أفراد الطاقم الطبي بيتحركوا بسرعة حوالين سرير بنتي عشان يحاولوا يثبتوا حالتها.

كانوا بيعملوا كل اللي يقدروا عليه عشان ينقذوا روح صغيرة لسه ما شافتش من الدنيا غير القليل.

وفي اللحظة دي بالذات كان أبوها بيطلب مني أسيبه يستمتع بإجازته.

بصيت على كلامه ورجعت بصيت على ليلى وبعدين مسكت الموبايل بإيد بتترعش وكتبتله

هي بتموت يا أحمد.

وبعتله رسالة تانية

أحمد بنتك ممكن تموت.

وبعدها كتبت الرسالة اللي قلبي كان بيتقطع وأنا بكتبها

أرجوك رد عليها يا أحمد ولو مرة واحدة بس خليها تسمع صوتك.

الساعة ستة ودقيقتين رد عليا.

ومرة تانية ما كانش اتصال.

كانت رسالة.

أنا مش هقدر أفضل عايش بالطريقة دي معاكي.

أنا محتاج أسبوعين من غير ما كل مشكلة تحصل تتحول لمسؤوليتي.

أنا هقفل موبايلي.

وإياكي تتصلي باليخت.

اليخت.

هو ده اللي كان خايف عليه.

مش أنا ولا ليلى ولا المستشفى ولا حتى احتمال إنه يخسر بنته الوحيدة.

كان خايف إن حد يعكر صفو الرحلة اللي هو فيها.

فضلت باصة للرسالة وأنا حاسة إن آخر حاجة جوايا كانت لسه بتدافع عنه بتنهار.

بعد ربع ساعة وصلت أختي ريهام المستشفى وهي لابسة شبشب مختلف عن التاني وفوق هدوم البيت لابسة معطف كانت خطفته من الدولاب وهي نازلة على السلم من غير ما تفكر.

أول ما شافتني قاعدة قدام العناية المركزة جريت عليا وحضنتني.

قالتلي وهي بتنهج

سارة مالك؟ ليلى عاملة إيه؟ الدكتور قالك إيه؟

ما قدرتش أرد عليها وناولتها الموبايل.

قرت رسائل أحمد واحدة ورا التانية ووشها اتغير تمامًا.

رفعت عينيها وبصتلي وسألتني

هو أحمد فين؟

قلت بصوت واطي

في جزر البهاما.

سكتت لحظة وبعدين سألتني السؤال اللي كنت بهرب منه من أول ما بدأت أشك في وجود الست دي.

مع جوليانا؟

بصيت لريهام وعيني مليانة دموع وهزيت راسي.

أيوه.

قعدت جنبي بهدوء وخدت الموبايل من إيدي وقالتلي

بطلي تتصلي بيه يا سارة.

بصيتلها بصدمة وقلت

إزاي يعني أبطل؟ ده أبوها يا ريهام! لازم يعرف اللي بيحصل لبنته.

ردت عليا وهي بتحاول تمسك أعصابها

إنتِ بلغتيه يا سارة وبعتي له صورها وقلتي له إنها ممكن تموت. إنتِ عملتي كل اللي تقدري عليه. هو اللي اختار ما يسمعش.

قلت وأنا ببص ناحية أوضة ليلى

بس يمكن ما يكونش مستوعب خطورة الحالة. يمكن لو سمع صوت الدكتور يفهم. يمكن لو كلمته من رقم تاني يرد.

ريهام مسكت إيدي وقالتلي

إنتِ لسه بتدوري له على عذر حتى وهو سايب بنته بين إيدين ربنا ومش عايز يرد عليكي.

ما رديتش.

لأني فعلًا كنت لسه بدور له على عذر.

كنت لسه جوايا جزء صغير بيقول إن أحمد مهما كان مقصر عمره ما هيسيب بنته في اللحظة دي لو كان فاهم اللي بيحصل.

كنت محتاجة أصدق إنه لسه الأب اللي كان بيشيل ليلى على كتفه ويجري بيها في البيت ويضحك لما تخبي منه الريموت.

لكن الليلة دي علمتني حاجة عن جوزي عمري ما هقدر أنساها.

أحمد ما ضيعش مكالماتي.

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

أحمد ما كانش مشغول عني.

أحمد شاف اسمي واختار ما يردش.

وقبل ما اليوم ده يخلص كنت أنا كمان هاخد قرار.

قرار هغير بيه حياتي وحياة بنتي للأبد.

لكن قبل ما أعرف إيه اللي حصل بعد كده كنت لسه فاكرة إن أكبر مصيبة في حياتي هي خيانة أحمد ليا وإهماله لبنته.

ما كنتش أعرف إن الحقيقة اللي مستخبية ورا سفره كانت أكبر بكتير من اللي تخيلته وإن فيه سر تاني متعلق ببيتي وبنتي وبحياتي كلها هينكشف في الوقت اللي ما كنتش مستعدة فيه أواجهه.

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى