عام

حكايات زهره 2

فضلت باصص للسطر المكتوب في الملف، وبحاول أستوعب معناه. «تم إيقاف التحويل المالي بناءً على مكالمة فؤاد منصور الساعة الرابعة وسبعتاشر دقيقة عصرًا».

 

رفعت عيني للرجل المسن اللي واقف قدامي، وقلت له بصوت متوتر:

 

ـ إنت بتقول إن التحويل اتوقف بأمر مني؟ أنا ما طلبتش إيقاف أي تحويل، ومش فاكر إني اتكلمت مع حد في الموضوع ده أصلًا!

 

الرجل بص لي بحزن، وقال:

 

ـ أنا مصدقك يا أستاذ فؤاد، بس أنا ما ينفعش أقولك غير اللي شوفته بعيني. أنا اسمي عبدالعزيز، وكنت مسؤول عن مراجعة الحسابات والمراسلات في الشركة اللي كان شغال فيها أستاذ محمود. يومها، أخوك اتصل بيا بعد المكالمة اللي كانت بينكم، وكان متعصب جدًا، وقال لي إنك طلبت منه يوقف التحويل لحد ما تتراجع الأوراق.

 

حطيت إيدي على راسي.

 

ـ طب ما هو ده معناه إن محمود فهم كلامي غلط! أنا كنت بكلمه يومها فعلًا، لكن ما اتكلمناش في تحويلات ولا شركات. أنا كنت في الفيلا، وعمر كان بيلعب في البسين، ومحمود كان بيحكيلي عن مشكلة في الشغل، وبعدها قفلت معاه عشان كنت مشغول بابني.

 

عبدالعزيز هز راسه وقال:

 

ـ أنا عارف إنك كنت مشغول بابنك، وده بالضبط اللي خلاني أرجع أراجع الموضوع بعد وفاة محمود. لكن فيه حاجة لازم تعرفها. المكالمة اللي اتسجلت في دفتر الشركة باسمك، ما كانتش المكالمة الوحيدة اللي حصلت في الوقت ده.

 

بصيت له بترقب.

 

ـ يعني إيه؟

 

فتح الملف على صفحة تانية، ووراني سجل مكالمات مكتوب فيه تاريخ اليوم نفسه، وأسماء الأشخاص اللي اتصلوا بالشركة.

 

كان فيه اتصال من رقم مكتبي، واتصال من رقم محمود، واتصال ثالث من رقم أرضي قديم.

 

سألته:

 

ـ الرقم الأرضي ده بتاع مين؟

 

عبدالعزيز رد:

 

ـ الرقم ده كان مسجل باسم مكتب الدكتور نبيل.

 

في اللحظة دي، حسيت إن كل الخيوط بتتقفل حوالين اسم واحد.

 

لكن ما كنتش عايز أظلم حد لمجرد الشك.

 

قلت لعبدالعزيز:

 

ـ إنت معاك دليل إن نبيل هو اللي عمل كده؟

 

رد بسرعة:

 

ـ لأ، مش معايا دليل قاطع. وعلشان كده فضلت ساكت كل السنين دي. أنا شفت أوراقًا اتعدلت بعد ما اتكتبت، وشفت توقيعات اتضافت، لكن ما شفتش مين اللي عمل ده. ولما محمود مات، خفت على عيالي، وقررت أبعد عن الموضوع.

 

شادية كانت واقفة جنبي، وبتسمع كل كلمة. قربت منه وسألته:

 

ـ طيب يا عم عبدالعزيز، إيه علاقة بابا بالموضوع؟ وليه صبري عايز ياخد أخويا؟

 

عبدالعزيز بص لها، وبعدها قعد على الكرسي اللي جنب البوابة، كأن الكلام اللي جاي تقيل عليه.

 

ـ أبوكي يا بنتي اكتشف إن فيه مستندات بتثبت إن الشركة حولت فلوس لمؤسسة تجارية صغيرة، وبعد فترة اتقفلت المؤسسة دي من غير ما تسلم البضاعة المتفق عليها. وكان فيه خلاف على مين المسؤول عن الخسارة. أبوكي جمع نسخ من المستندات، وراح لمحمود عشان يساعده يوصل للحقيقة.

 

شادية سألت بلهفة:

 

ـ وبابا مات بسبب الموضوع ده؟

 

عبدالعزيز رد بحذر:

 

ـ ما أقدرش أقول كده. حادثة أبوكي اتسجلت وقتها كحادثة طريق، وما عنديش دليل يثبت إن حد تسبب فيها. لكن اللي أقدر أقوله إن قبل وفاته بيومين، كان خايف جدًا، وقال لي إنه لو حصل له أي حاجة، لازم أوراقه توصل لحد أمين.

 

شادية دموعها نزلت.

 

ـ أمي قالتلي إنه كان راجع من الشغل، وإن عربية خبطته على الطريق الزراعي. طول عمري كنت فاكرة إنها حادثة وخلاص.

 

عبدالعزيز طأطأ راسه.

 

ـ وأنا ما عنديش دليل غير اللي شفته في الشغل. وعشان كده، لازم أي معلومة جديدة تتراجع رسميًا.

 

في اللحظة دي، ياسين اللي كان واقف جنب أخته سأل بصوت ضعيف:

 

ـ يعني بابا ما سابنيش عشان كان عايز يسيبني؟

 

شادية نزلت لمستواه، وحضنته.

 

ـ لأ يا حبيبي، بابا كان بيحبك، وماما كانت بتحبك، وأنا عمري ما هسيبك.

 

الطفل دفن وشه في كتفها، وأنا حسيت إن المشهد ده رجعني لليوم اللي فقدت فيه عمر.

 

كنت طول السنين فاكر إن دوري في الحياة انتهى مع موته، لكن قدامي طفل تاني محتاج حد يحميه، وأخت بتحارب لوحدها عشان تفضل جنبه.

 

قلت لعبدالعزيز:

 

ـ اتفضل ادخل، وهنقعد نفهم كل حاجة بالراحة. لكن من النهارده، محدش هيخوف شادية أو ياسين، وأي حد عنده معلومة يقولها بشكل واضح، وهنسيب القانون يحدد المسؤولية.

 

دخلنا الفيلا، وطلبت من رئيس الخدم يجهز لنا قهوة وشاي، وبعدها قعدنا في المكتب. عبدالعزيز فتح الملف على الترابيزة، والأستاذ سامح وصل بعد ما اتصلت بيه وطلبت منه ييجي.

 

بدأنا نراجع الأوراق واحدة واحدة.

 

كانت فيه صور فواتير، وكشوف تحويلات، ومراسلات قديمة بين محمود والدكتور نبيل، وبعض الملاحظات المكتوبة بخط أخويا.

 

في واحدة من الملاحظات، لقيت جملة مكتوبة بالقلم الأزرق:

 

«لو حصل أي خلاف، ما تعتمدش على النسخة اللي عند نبيل. النسخة الأصلية عند الشخص اللي استلم الملف».

 

سألت عبدالعزيز:

 

ـ مين الشخص اللي استلم الملف؟

 

رد:

 

ـ ما أعرفش. محمود كان بيتعامل مع ناس كتير، لكنه ما كانش بيقول كل حاجة لأي حد.

 

الأستاذ سامح كان بيفحص الأوراق باهتمام، وفجأة وقف عند صفحة فيها جدول تحويلات.

 

قال:

 

ـ استنوا هنا. فيه مبلغ اتسحب من حساب الشركة، وبعدها بيومين اتعمل تحويل بنفس القيمة تقريبًا لحساب تاني. لكن اسم صاحب الحساب مش واضح في النسخة دي.

 

قربت منه.

 

ـ نقدر نعرف صاحبه؟

 

رد:

 

ـ لو الحساب البنكي لسه موجود في السجلات، نقدر نطلب مراجعة المعاملة عن طريق الجهات المختصة، لكن مش هنقدر نعرف بيانات صاحبه من الورقة دي وحدها.

 

عبدالعزيز أشار لسطر تحت الجدول.

 

ـ بصوا هنا. محمود كاتب إن المبلغ ده ما كانش جزءًا من الصفقة الأصلية، وإنه لازم يتراجع مع عقد الشراكة اللي فؤاد كان ناوي يمضيه.

 

فتحت درج المكتب، وطلعت العقد القديم اللي لقيته قبل كده.

 

حطيناه جنب الورقة، وبدأ الأستاذ سامح يقارن الأرقام.

 

بعد دقائق، رفع راسه وقال:

 

ـ فيه تطابق في رقم المعاملة، لكن تاريخ العقد محتاج مراجعة. فؤاد، إنت متأكد إنك ما مضيتش العقد ده؟

 

قلت له:

 

ـ أنا متأكد إني كنت بتناقش في الشراكة، لكن مش فاكر إني وافقت على النسخة دي. ممكن أكون مضيت أوراق مبدئية، لكن مش عقد بالشكل ده.

 

عبدالعزيز قال:

 

ـ محمود كان شاكك في التوقيع، وعشان كده طلب مراجعة أصل العقد. النسخة اللي قدامنا ما تثبتش لوحدها إن التوقيع مزور، لكن فيه اختلافات واضحة تستحق الفحص.

 

الأستاذ سامح جمع الأوراق وقال:

 

ـ يبقى الخطوة الجاية إننا نثبت مصدر كل مستند، ونطلب مراجعة التوقيعات والتحويلات. ومحدش يتواصل مع صبري أو نبيل باتهامات قبل ما نعرف موقفهم من الأوراق دي.

 

وافقت، لكن جوايا كان فيه سؤال واحد مش قادر أخرجه من دماغي.

 

إيه اللي كان محمود عايز يقولهولي يوم وفاة عمر؟

 

وليه عبدالعزيز بيقول إن فيه اتصال تاني حصل بعد مكالمتي؟

 

طلبت منه يشرح لي بالتفصيل.

 

قال:

 

ـ بعد ما محمود قفل معاك، اتصل بيا وقال إنه محتاج يقابلني ضروري. كان صوته متوتر، وقال إنه اكتشف إن فيه حد استخدم اسمك في مراسلات الشركة، وإنه خايف إنك تدخل في مشكلة قانونية بسبب عقد إنت ما وافقتش عليه.

 

سألته بسرعة:

 

ـ طب ليه ما اتصلش بيا تاني؟

 

عبدالعزيز سكت لحظة، وبعدها قال:

 

ـ اتصل بيك فعلًا مرة تانية، لكن المكالمة ما اتردش عليها.

 

حسيت ببرودة في أطرافي.

 

ـ إمتى؟

 

رد:

 

ـ حسب السجل اللي شفته، كانت الساعة خمسة إلا ربع تقريبًا.

 

بصيت له وأنا بحاول أفتكر.

 

في الوقت ده، كنت بدور على عمر في البسين.

 

ما كنتش ببص للموبايل، ولا كنت سامع أي صوت غير صوت المياه وصراخي وأنا بحاول أخرجه.

 

غمضت عيني بقوة.

 

ـ يعني محمود حاول يحذرني قبل ما ابني يموت؟

 

عبدالعزيز رد بهدوء:

 

ـ ممكن يكون كان عايز يحذرك من العقد، لكن ما نقدرش نعرف مضمون المكالمة اللي ما اتردش عليها. أنا مش عايزك تربط بين الأحداث من غير دليل، يا أستاذ فؤاد.

 

كان كلامه منطقي، لكن قلبي ما كانش قادر يهدأ.

 

بعد ما خلصنا مراجعة الأوراق، طلبت من رئيس الخدم يحضر الغدا، وقعدت مع شادية وياسين على السفرة لأول مرة من سنين طويلة.

 

كنت دايمًا باكل لوحدي في المكتب، لكن المرة دي حسيت إن وجود ناس حواليا مش عبء زي ما كنت متخيل.

 

ياسين كان بياكل بهدوء، وكل شوية يبص لشادية عشان يتأكد إنها بتاكل هي كمان.

 

لاحظت إنه بيحط قطعة اللحمة في طبقه الصغير، وبعدها يزق الطبق ناحيتها.

 

ـ كلي يا شوشو.

 

شادية ابتسمت.

 

ـ كل إنت يا حبيبي، أنا هاكل.

 

بص لها بجدية.

 

ـ لأ، إنتي دايمًا بتقولي أكلتي في الشغل، وأنا عارف إنك بتكدبي.

 

شادية سكتت، ودموعها لمعت في عينيها.

 

مديت إيدي وحطيت قطعة تانية في طبقها، وقلت:

 

ـ من النهارده، كل واحد فينا هياكل نصيبه، ومحدش هيحتاج يكذب عشان يطمن على التاني.

 

شادية بصت لي، وابتسمت ابتسامة صغيرة.

 

لكن الهدوء ما استمرش طويلًا.

 

بعد الغدا، دخل رئيس الخدم وقال إن الدكتور نبيل موجود على البوابة، وعايز يقابلني لوحده.

 

الأستاذ سامح كان لسه في الفيلا، فنصحني أقابله بحضوره، ووافقت.

 

دخل نبيل المكتب، وكان شكله مرهقًا، وعلى وشه علامات قلق واضحة.

 

قعد قدامي، وبص للأوراق الموجودة على المكتب.

 

ـ فؤاد، أنا عرفت إن عبدالعزيز وصل لك الملف.

 

قلت له:

 

ـ أيوه، وقريت جزءًا كبيرًا منه. دلوقتي عايز أسمع منك إنت. إيه اللي حصل في الشركة؟ وليه اسمك موجود على العقد اللي محمود كان شاكك فيه؟

 

نبيل شبك إيديه، وسكت شوية، وبعدها قال:

 

ـ أنا مش هكدب عليك. كنت مسؤولًا عن مراجعة بعض العقود، وكان فيه عقد اتقدم باسمك، لكن أنا ما كنتش الشخص اللي جمع كل التوقيعات. وقتها، كنت فاكر إنك وافقت على الشراكة، لأن الأوراق وصلتني من خلال موظف في المكتب.

 

قلت له:

 

ـ مين الموظف ده؟

 

رد:

 

ـ اسمه مدحت. كان مسؤولًا عن تجهيز العقود وإرسالها للمراجعة.

 

الأستاذ سامح سأله:

 

ـ هل عندك نسخة من المراسلات اللي تثبت كلامك؟

 

نبيل هز راسه.

 

ـ أيوه، عندي أرشيف قديم في مكتبي. أنا ما تخلصتش من الأوراق، رغم إن الشركة اتغيرت من سنين.

 

قلت له:

 

ـ وليه ما قلتليش الكلام ده من الأول؟

 

نبيل بص لي بحزن.

 

ـ لأني غلطت يا فؤاد. لما محمود بدأ يسأل عن العقد، أنا خفت إن اسمي يتورط في مشكلة مالية، فبدل ما أواجهه بكل حاجة، فضلت أقول لنفسي إن الموضوع مجرد اختلافات في الحسابات، وإنها هتتحل لوحدها.

 

سألته:

 

ـ وإيه اللي حصل ليلة وفاة محمود؟

 

نبيل نزل عينيه.

 

ـ محمود اتصل بيا وقال إنه اكتشف إن توقيعك على العقد مش مطابق لتوقيعاتك القديمة، وإنه عايز يقابلني. اتقابلنا في مكتبي، واتخانقنا، لأنه كان شايف إني أهملت المراجعة. لكنه ما اتهمنيش بالتزوير، وقال إنه هيراجع أصل العقد بنفسه.

 

ـ وبعدها؟

 

ـ بعدها بيومين، عرفت إنه مات. وكنت مصدوم. ما عرفتش أقولك حاجة وقتها، لأن كل اللي كان معايا مجرد شكوك، ومكنتش عايز أزود وجعك.

 

الأستاذ سامح قال:

 

ـ الكلام ده لازم يتدعم بالمراسلات والأوراق. وإحنا مش هنقدر نعتبر أي رواية حقيقة نهائية قبل ما نراجع الأدلة.

 

نبيل وافق، ووعد إنه يجيب كل المستندات اللي عنده.

 

لكن قبل ما يقوم، بص لي وقال:

 

ـ فيه حاجة أخيرة. أنا كنت عارف إن محمود بيدور على حسن عبدالسلام، والد شادية، وإنهم كانوا بيحاولوا يوصلوا لنسخة أصلية من مستندات الشركة. لكني ما كنتش أعرف إن حسن ساب أوراقًا عند بنته، ولا إن صبري كان بيضغط عليهم.

 

شادية كانت واقفة عند الباب، وسمعت الكلام كله.

 

دخلت وسألته:

 

ـ طب إنت تعرف ليه صبري كان عايز ياخد ياسين؟

 

نبيل بص لها، وبعدها قال:

 

ـ فيه احتمال إن أبوكي كان عامل اتفاقًا ماليًا قديمًا لصالح ياسين، لكني ما شفتش العقد الأصلي. لو الاتفاق موجود فعلًا، ممكن يكون فيه حق مالي للولد لازم يتراجع قانونيًا. لكن ده مجرد احتمال لحد ما نشوف المستندات.

 

شادية اتصدمت.

 

ـ بابا ما قالناش أي حاجة عن فلوس! إحنا كنا عايشين بالعافية، وماما كانت بتستلف عشان تجيب لنا الدوا.

 

نبيل رد:

 

ـ ممكن يكون الاتفاق ما اتنفذش، أو يكون متعلقًا بحقوق لسه ما اتصفّتش. لازم نراجع الأوراق قبل ما نحكم.

 

بعد ما نبيل مشي، قعدت مع الأستاذ سامح، واتفقنا نبدأ مراجعة قانونية للمستندات، ونطلب المساعدة من الجهات المختصة في أي مخالفة مالية تظهر.

 

أما شادية، فكانت قاعدة في الصالة، ماسكة صورة أبوها، وبتبص ليها كأنها بتحاول تفتكر صوته وملامحه.

 

قربت منها وقعدت جنبها.

 

ـ إنتي كويسة؟

 

هزت راسها، لكنها ما قدرتش تتكلم.

 

بعد شوية قالت:

 

ـ أنا مش زعلانة على الفلوس يا بيه. أنا زعلانة عشان طول السنين دي كنت فاكرة إن بابا مات وسابنا في الضياع، وإن ماما ماتت وهي خايفة من بكرة، وإن أنا لازم أشيل أخويا لوحدي. لو كان فيه حق لينا، ليه محدش قالنا؟

 

قلت لها:

 

ـ لسه ما نعرفش إذا كان فيه حق مالي فعلًا، لكن هنراجع كل حاجة. واللي نقدر نضمنه دلوقتي إنك إنتي وياسين هتكونوا في أمان، ومحدش هيستغل احتياجكم عشان يجبركم على أي تنازل.

 

شادية بصت لي وقالت:

 

ـ أنا مصدقاك يا بيه، بس خايفة من حاجة.

 

ـ إيه هي؟

 

ـ خايفة إن الحقيقة تطلع أكبر من قدرتنا على تحملها.

 

ما لقيتش رد مناسب. اكتفيت إني قلت لها إننا هنمشي خطوة خطوة.

 

في المساء، طلعت أوضة عمر، وفتحت الشبابيك زي ما كنت بدأت أعمل من أيام.

 

بصيت للبسين من بعيد، وما قفلتش الستارة.

 

كنت لسه موجوع، ولسه مش قادر أسامح نفسي على اللي حصل، لكن لأول مرة حسيت إن الحزن مش لازم يمنعني من إني أساعد حد تاني.

 

قعدت على طرف السرير، وفتحت درجًا صغيرًا كنت محتفظ فيه بألعاب عمر القديمة.

 

لقيت عربية حمراء كان بيحبها، ومسكته بين إيديا.

 

افتكرت إنه في آخر يوم ليه، كان طلب مني أشتري له عربية شبهها، وقلت له إني هجيبها له بعد ما أخلص شغلي.

 

لكن ما لحقتش.

 

فضلت قاعد فترة طويلة، لحد ما سمعت خبط خفيف على الباب.

 

كانت شادية.

 

قالت:

 

ـ معلش يا بيه، عارفة إن الوقت متأخر، بس ياسين صحي من النوم، وكان بيعيط وبيطلبك.

 

قمت بسرعة، وروحت معاه.

 

لقيته قاعد على السرير في الأوضة الجديدة، وحاضن مخدته.

 

أول ما شافني، قال:

 

ـ أنا حلمت ببابا وماما. كانوا واقفين بعيد، وكل ما أجري عليهم، ألاقي نفسي مش قادر أوصل.

 

قعدت جنبه، وقلت له:

 

ـ الأحلام ساعات بتكون من كتر ما بنفكر في الناس اللي وحشونا. ده مش معناه إنك هتفضل لوحدك.

 

بص لي وقال:

 

ـ هو ابن حضرتك كان بيخاف من الأحلام؟

 

ابتسمت بحزن.

 

ـ كان بيخاف من الضلمة، وكان بيطلب مني أسيب النور الصغير مفتوح.

 

ياسين بص ناحية الأباجورة.

 

ـ طب ممكن تسيب النور ده مفتوح عندي؟

 

قلت له:

 

ـ طبعًا.

 

وقبل ما أقوم، مسك إيدي وقال:

 

ـ يا عمو فؤاد، لما تعرف الحقيقة عن بابا، هتقولي؟

 

ـ أوعدك إني مش هخبي عنك حاجة تخصك، لكن هشرح لك كل حاجة بطريقة تفهمها وتكون في مصلحتك.

 

ابتسم، ونام بعد دقائق.

 

خرجت من أوضته، ولقيت شادية واقفة في الممر.

 

قالت بصوت خافت:

 

ـ ربنا يعوضك خير يا بيه. أنا عارفة إن مفيش حد يقدر يعوضك عن ابنك، بس يمكن ربنا يجعل وجود ياسين سبب إن قلبك يهدأ شوية.

 

هزيت راسي، وما قدرتش أتكلم.

 

لكن الهدوء اللي بدأ يدخل قلبي ما كملش.

 

تاني يوم الصبح، اتصل بيا الأستاذ سامح، وطلب مني أروح مكتبه فورًا.

 

صوته كان جادًا جدًا.

 

لما وصلت، لقيته قاعد قدام جهاز الكمبيوتر، وعلى المكتب ملف جديد.

 

قال لي:

 

ـ فؤاد، وصلنا لجزء من الأرشيف القديم، وفيه مستندات بتغيّر فهمنا للموضوع.

 

قعدت قدامه.

 

ـ إيه اللي حصل؟

 

فتح الملف وطلع صورة من محضر استلام قديم.

 

ـ فاكر الموظف اللي نبيل قال إن اسمه مدحت؟

 

ـ أيوه.

 

ـ لقينا اسمه في سجل استلام مستندات الشركة، لكن المفاجأة إن مدحت ما كانش موظفًا عاديًا وقتها. كان مفوضًا بالتوقيع على بعض المعاملات، وده معناه إنه كان عنده صلاحيات أوسع مما كنا فاكرين.

 

سألته:

 

ـ يعني هو المسؤول عن التحويلات؟

 

رد:

 

ـ ما نقدرش نجزم. لكن لقينا كمان طلبًا رسميًا مقدمًا من محمود قبل وفاته، بيطلب فيه مراجعة توقيعك على العقد، وبيطلب وقف أي إجراء متعلق بالشراكة لحد ما يتم التحقق من المستندات.

 

حسيت إن قلبي اتقبض.

 

ـ طيب، ده معناه إن محمود كان بيحاول يحميني.

 

الأستاذ سامح هز راسه.

 

ـ غالبًا كان قلقان من وجود مستندات غير واضحة، لكن لسه ما عندناش دليل يثبت مين اللي عدّلها أو ليه.

 

مد لي ورقة تانية.

 

ـ بص على التاريخ ده.

 

كان تاريخ اليوم اللي مات فيه عمر.

 

وتحت التاريخ، فيه ملاحظة مكتوبة بخط محمود:

 

«تم إبلاغ فؤاد بضرورة عدم التوقيع على أي مستندات جديدة لحين انتهاء المراجعة».

 

بصيت للورقة، وافتكرت المكالمة.

 

كنت فعلًا سمعت محمود بيقول لي جملة شبه دي، لكني وقتها كنت متضايق من ضغط الشغل، وقلت له إني هراجع الموضوع بعدين.

 

ما كنتش أعرف إن الموضوع كان أخطر مما تخيلت.

 

سألت الأستاذ سامح:

 

ـ طب ليه فيه ناس لحد دلوقتي بتحاول تمنعنا من الوصول للحقيقة؟

 

رد:

 

ـ لأن فيه مستندات مالية، وممكن تكون فيه حقوق لأشخاص تضرروا من المعاملات دي. لكن ما ينفعش نفترض إن كل شخص ظهر اسمه في الملف مذنب. لازم نكمل المراجعة.

 

قبل ما أمشي، طلبت منه نسخة من كل الأوراق اللي يقدر يطلعها بشكل قانوني، واتفقنا إننا هنقدم المستندات للجهات المختصة لو ظهر ما يستدعي ذلك.

 

رجعت الفيلا بعد الظهر، ولقيت شادية بتتكلم في التليفون بصوت مرتفع.

 

كانت بتقول:

 

ـ لأ يا عم صبري، مش هسلمك ياسين، ومش هتنازل عن أي ورق. لو عندك حق، روح للمحكمة وخده بالقانون، لكن التهديد مش هيخليني أعمل اللي إنت عايزه.

 

لما شافتني، قفلت المكالمة.

 

سألتها:

 

ـ هو كلمك تاني؟

 

هزت راسها.

 

ـ أيوه. قال لي إنه عرف إنكم فتحتوا المخزن، وإنه مش هيسيبنا في حالنا لو ما سلمتوش الأوراق.

 

قلت لها:

 

ـ مترديش عليه تاني لو بيهددك. احتفظي بأي رسائل أو مكالمات، وإحنا هنبلغ الجهات المختصة لو استمر في تهديدك. ومش هتروحي تقابليه لوحدك مهما حصل.

 

شادية وافقت، لكن واضح إنها كانت مرعوبة.

 

وفي المساء، حصلت حاجة ما كناش متوقعينها.

 

البواب دخل المكتب، ومعاه ظرف صغير، وقال إن الظرف وصل من غير اسم مرسل.

 

فتحته، ولقيت جواه صورة قديمة لمحمود، وعلى ظهرها جملة مكتوبة بخط إيده:

 

«فؤاد، لو وصلت للحقيقة، افتكر إن اللي حصل لعمر ما كانش ذنبك وحدك، لكن ده مش معناه إنك تفضل تعاقب نفسك طول العمر».

 

قعدت على الكرسي، وحسيت إن رجلي مش شايلاني.

 

الجملة كانت مكتوبة بخط محمود فعلًا، لكن ما كنتش فاهم ليه حد بعتها لي دلوقتي، ولا إزاي الصورة وصلت لحد عندي.

 

وتحت الصورة، كان فيه رقم تليفون وعنوان مكتب صغير في مدينة نصر.

 

اتصلت بالأستاذ سامح، وطلبت منه يراجع العنوان قبل ما أروح هناك.

 

بعد ساعة، رجع لي باتصال وقال:

 

ـ العنوان لمكتب محاسبة قديم، كان صاحبه اسمه مدحت، نفس الشخص اللي ظهر في سجلات الشركة. لكن المكتب مقفول من سنين، وصاحبه نقل نشاطه لمكان تاني.

 

سألته:

 

ـ نقدر نوصل له؟

 

رد:

 

ـ هنحاول عن طريق السجلات المتاحة بشكل قانوني.

 

في اليوم التالي، قدرنا نحدد عنوان مدحت الحالي، واتفقنا نقابله في مكتبه بحضور الأستاذ سامح.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى