
فتحت الباب وأنا قلبي بيخبط في صدري كأنه عايز يخرج منه
لقيت أبويا واقف قدامي ووشه متغير بشكل عمري ما شوفته عليه قبل كده
وراه أمي ومريم
ومريم كانت ماسكة طرف طرحتها بإيديها وبتبصلي بخوف
أبويا رفع تليفونه قدام وشي وقال بصوت مخنوق من الغضب
“هو باعتلك إيه؟”
بصيت للشاشة
كانت الرسالة اللي بعتهاله لسه مفتوحة
“نور لو فكرتي تتكلمي بكرة أنا هقول لأبوكي كل حاجة قبل ما الفرح يبدأ”
أبويا كان شايفها
لكن واضح إنه مش فاهم كل حاجة
قال
“كل حاجة إيه يا نور؟”
سكت
أمي قربت مني وقالت
“مالك يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟”
مريم بصتلي
وكان في عينيها سؤال واحد
“هو في حاجة أنا معرفهاش؟”
وقتها حسيت إن كل الخوف اللي عشت بيه تلات سنين بيتجمع قدامي في لحظة واحدة
كنت أقدر أكذب
كنت أقدر أقول إن مفيش حاجة
كنت أقدر آخد الموبايل وأمسح الرسالة
وأرجع أعيش باقي عمري وأنا كل يوم شايفة أختي قدام عيني ومستخبية ورا كذبة
لكن افتكرت التسجيل
افتكرت كل كلمة قالها
افتكرت وهو واقف في المطبخ بيهددني
وافتكرت الخاتم اللي لبسه لمريم بإيدي أنا
رفعت عيني لأبويا وقلت
“بابا…”
صوتي طلع مبحوح
“إنت عايز تعرف كل حاجة؟”
قال بسرعة
“آه”
مريم شهقت
“نور؟”
بصيتلها
وكان نفسي أضمها وأقولها سامحيني
لكن الكلمات خرجت لوحدها
“أنا وهو كنا مرتبطين قبل ما يتقدم لك.”
الصمت اللي نزل على البيت كان مرعب
محدش اتحرك
حتى صوت التليفزيون اللي كان شغال في الصالة حسيت إنه اختفى
مريم فضلت باصة في وشي كأنها مش فاهمة الجملة
قالت
“مين؟”
بصيتلها
“خالد.”
وشها اتغير
رجعت خطوة لورا
وقالت
“إنتي بتقولي إيه؟”
أبويا ضرب بإيده على الترابيزة
“من إمتى؟”
قلت
“من تلات سنين.”
مريم حطت إيدها على بوقها
وأمي قعدت على طرف السرير وهي بتبصلي بذهول
أبويا كان واقف قدامي
وشه أحمر
لكن الغريب إنه ما صرخش
قال بهدوء مخيف
“وهو كان ناوي يتجوزك؟”
هزيت راسي
“كان بيقول كده.”
“وبعدين؟”
بلعت ريقي
“سابني واتقدم لمريم.”
مريم انفجرت في البكاء
“ليه؟”
بصيت لها
“عشان أنا واجهته لما عرفت إنه عايزك.”
مريم مسحت دموعها بسرعة
“يعني هو كان عارف إنك أختي؟”
قلت
“آه.”
قالت بصوت مكسور
“وكان عارف إنك بتحبيني؟”
هزيت راسي
“آه.”
مريم غمضت عينيها
وفي اللحظة دي أبويا سأل السؤال اللي كنت خايفة منه
“وإنتي كنتي بتقابليه من ورايا؟”
سكت
دي كانت اللحظة اللي خالد كان مستنيها
لحظة إني أخاف
لكن قبل ما أجاوب
طلعت تليفوني القديم من جيبي
وقلت
“آه يا بابا.”
أبويا بصلي
قلت
“قابلته من وراك.”
دموعي نزلت
“وغلطت إني خبيت عليك.”
ثم رفعت التليفون
“بس هو غلط أكتر لما افتكر إن السر ده هيبقى سلاح في إيده للأبد.”
فتحت التسجيل
وضغطت تشغيل
خرج صوت خالد في الأوضة
“لو نور اتكلمت أنا هقول لأبوها كل حاجة…”
مريم قربت من التليفون
وأبويا فضل يسمع
التسجيل كان طويل
وفيه صوته وهو بيهددني
وهو بيقولي إن لو حاولت أوقف جوازه من مريم هيفضحني
وبعدين التسجيل وصل للجزء اللي قال فيه جملة خلت مريم تنهار
“أنا أصلاً عايز مريم عشان أبوها راجل محترم وبيتي محتاج نسب زي ده… نور خلاص كانت مرحلة وعدت.”
أمي حطت إيدها على قلبها
وأبويا بص للأرض
أما مريم فكانت واقفة زي التمثال
وبمجرد ما التسجيل خلص
قالت
“أنا مش هتجوزه.”
أبويا رفع عينه ليها
“مريم…”
قالت وهي بتبكي
“مش هتجوزه يا بابا.”
في اللحظة دي تليفوني رن
كلنا بصينا للشاشة
خالد.
مريم بصتلي
وأبويا قال
“ردي.”
قلت
“بابا…”
قال بحزم
“ردي.”
فتحت السماعة الخارجية
“ألو؟”
صوته جه هادي
“نور؟”
قلت
“أيوه.”
قال
“إنتي كنتي بتتكلمي مع أبوكي؟”
سكت
ضحك ضحكة قصيرة
“أنا كنت عارف إنك مش هتقدري.”
أبويا قرب من التليفون
وقال
“وأنا أبو نور.”
الصمت اللي حصل في الناحية التانية كان أطول من أي كلام
خالد ما ردش
أبويا كرر
“سامعني؟”
جاء صوته متوتر
“أيوه يا عمي.”
أبويا قال
“بكرة متجيش.”
خالد حاول يضحك
“حضرتك فاهم الموضوع غلط…”
أبويا قاطعه
“الفرح اتلغى.”
مريم غمضت عينيها
وخالد سكت تمامًا
وبعدين قال
“بس يا عمي…”
أبويا قال
“مفيش بس.”
وقفل المكالمة
افتكرت إن الحكاية انتهت
لكنها ما انتهتش
بعد أقل من عشر دقايق
سمعنا خبط عنيف على باب البيت
مرة
واتنين
وتلاتة
أبويا قام
وقبل ما يوصل للباب
سمعنا صوت خالد من بره
“يا عمي افتح بس نتكلم!”
مريم اتراجعت للخلف
وأمي مسكت إيدي
لكن أبويا فتح الباب
خالد كان واقف ومعاه أبوه وأمه
ووشه ماكانش فيه أي أثر للهدوء اللي كان بيظهره قدامنا
كان متوتر
وعينيه بتتحرك بينا
أبوه قال
“يا حاج إحنا جايين نفهم بس.”
أبويا رد
“مفيش حاجة تتفهم.”
خالد بصلي
ولأول مرة شفت في عينه خوف حقيقي
قال
“نور…”
قاطعته
“متقولش اسمي.”
وقف مكانه
قلت
“إنت كنت فاكر إني هفضل خايفة منك للأبد.”
سكت
“بس إنت نسيت حاجة.”
قربت خطوة
“أنا كنت بحبك.”
بصلي
“لكن ده انتهى.”
مريم كانت واقفة ورايا
وخالد أول ما شافها قال
“مريم أنا والله…”
مريم رفعت إيدها
“متتكلمش.”
صوته اتقطع
قالت
“إنت كنت بتقوللي إنك محظوظ بيا.”
وبكت
“وأنا كنت شايفة نفسي محظوظة بيك.”
ثم بصتله من وسط دموعها
“طلعت أنا الضحية وإنت كنت عايز تستخدم جوازك مني عشان تنتقم من أختي.”
خالد هز راسه بسرعة
“لا والله مش كده.”
ضحكت مريم ضحكة موجوعة
“أمال إيه؟”
محدش رد
فجأة أمه قالت
“يا ابني اتصرف.”
خالد بص لأمه
وبعدين بص لأبوه
وأبوه قال له
“قول الحقيقة.”
خالد سكت
ثواني
ثم قال
“أنا كنت بحب نور.”
أبويا قبض إيده
لكنه كمل
“بس…”
بص لمريم
“لما نور رفضت توافق إني أتجوزك…”
مريم قالت
“رفضت ليه؟”
خالد بصلي
“عشان كانت عارفة إني مش مناسب ليكي.”
قلت
“لا.”
الكل بصلي
قلت
“أنا رفضت عشان كنت بحبه.”
مريم شهقت
“وإنتي؟”
هزيت راسي
“آه.”
ثم بصيت لخالد
“لكن بعد اللي عملته النهارده أنا مبقتش أعرف الشخص اللي قدامي.”
خالد قرب مني
“نور اسمعيني…”
رجعت خطوة
“متقربش.”
وقف
وفي اللحظة دي رن جرس الباب مرة تانية
أبويا بص باستغراب
“مين كمان؟”
فتح الباب
وكان واقف شخص محدش فينا يعرفه
شاب في أوائل التلاتينات
لابس قميص بسيط وماسك ملف بني في إيده
بص لخالد مباشرة وقال
“هو خالد موجود؟”
خالد اتجمد
والراجل مد الملف لأبويا
وقال
“أنا جاي عشان أسلمك حاجة تخص بنتك.”
أبويا أخد الملف
وبص له
“إيه ده؟”
الراجل قال
“حاجات كان لازم تعرفها قبل ما بنتك تدخل الجواز ده.”
خالد صرخ
“إنت بتعمل إيه هنا؟!”
الراجل بصله وقال
“اللي إنت عملته في نور كان لازم يتكشف من زمان.”
وبعدين مشي من غير ما يضيف كلمة.
أبويا قفل الباب
فتح الملف
وأول ورقة وقعت قدامه
كانت صورة
وبعدها صورة تانية
وبعدها عقد
وشهادة تحويلات مالية
ورسائل مطبوعة
مريم قربت
وأمي قربت
وأنا حسيت بقلبي بيهبط
لأن خالد نفسه كان واقف في مكانه
وشه ابيض تمامًا
أبويا رفع أول ورقة وبصله
وقال
“إنت كنت هتتجوز بنتي ليه يا خالد؟”
خالد ما ردش
أبويا رفع ورقة تانية
“وإيه علاقة الفلوس دي بالموضوع؟”
خالد رجع خطوة
وأبوه بصله بصدمة
“فلوس إيه يا ابني؟”
خالد قال
“مش زي ما إنتوا فاكرين.”
لكن أبويا كان بيقلب في الأوراق
لحد ما وقف عند ورقة معينة
قرأها مرة
ثم مرة تانية
ورفع عينه ببطء ناحية مريم
وقال جملة واحدة
خلت خالد يقع على أقرب كرسي:
“مريم… إنتي مش أول بنت خالد يعمل معاها كده.” :::
مريم فضلت واقفة مكانها مش قادرة تستوعب
قالت بصوت ضعيف
“يعني إيه يا بابا؟”
أبويا ما ردش عليها على طول
فضل ماسك الورقة في إيده وبيبص لخالد
أما خالد فكان وشه اتغير تمامًا
اللون اختفى منه
وقال بسرعة
“عمي الورق ده مش دليل على حاجة”
أبويا ضرب الورقة على الترابيزة
“أمال إيه؟”
خالد قرب
“أنا أقدر أشرح.”
أبويا صرخ
“اشرح!”
خالد فتح بقه وسكت
لأن واضح إن مفيش شرح ينفع يتقال
مريم مدت إيدها للورقة
“هاتها يا بابا.”
أبويا حاول يمنعها
“مش لازم تعرفي.”
لكنها قالت
“لا لازم.”
أخدت الورقة وبدأت تقرا
كانت عبارة عن تحويلات مالية بأسماء بنات مختلفة
مبالغ صغيرة
وبعدين مبالغ أكبر
وتواريخ متقاربة
وبجانب كل اسم ملاحظات مكتوبة بخط اليد
مريم قلبت الورقة
ولقت صور مطبوعة
بنات مختلفين
وفي صور منهم كان خالد ظاهر معاهم
إيديها بدأت ترتعش
رفعت عينيها له
“دول مين؟”
خالد سكت
“بسألك دول مين؟”
قال
“ناس أعرفهم.”
ضحكت بمرارة
“ناس تعرفهم؟”
وبعدين رفعت صورة
“والبنت دي؟”
ما ردش
أبويا قال
“رد عليها.”
خالد بص للأرض
مريم قربت منه
“كنت مرتبط بيها؟”
قال
“كان زمان.”
“وقبلها؟”
سكت
“وقبلها يا خالد؟”
بدأ يتنفس بسرعة
فجأة أمه قالت
“يا بنتي ما تكبريش الموضوع.”
مريم بصتلها
“ما أكبرش الموضوع؟”
وبعدين أشارت للصور
“ده كان هيتجوزني!”
أمه ردت
“وهو تاب.”
مريم بصت لها باستغراب
“تاب؟”
قالت
“كل شاب بيغلط.”
أبويا قاطعها
“الغلط مرة.”
ورفع الورق
“إنما ده كان عاملها تجارة.”
خالد انفجر
“أنا مكنتش بتاجر بحد!”
بصيتله وقلت
“أمال كنت بتعمل إيه؟”
لف ناحيتي
“إنتي متدخليش.”
قلت
“أنا أكتر واحدة ليها حق تتدخل.”
وقف قدامي
“إنتي السبب في كل ده.”
الجملة نزلت على البيت كله
مريم بصتله
“هي السبب؟”
خالد قال
“آه.”
أبويا قرب منه
“اختار كلامك.”
خالد كمل بانفعال
“لو نور كانت وافقت تتجوزني من البداية مكنش حصل أي حاجة!”
ضحكت من الصدمة
“يعني كل اللي عملته فيا بسببي؟”
قال
“أنا كنت بحاول أعاقبك.”
أبويا قال
“تعاقبها؟”
خالد سكت
أبويا مسكه من هدومه
“عشان بنتي رفضت تكمل معاك تعمل فيها كده؟”
أبوه تدخل بسرعة
“يا حاج سيبه.”
لكن أبويا زقه بعيد
“ابنك كان داخل بيتي عشان يدمر بنتي ويستخدم بنتي التانية!”
مريم بدأت تبكي
وأنا لأول مرة حسيت إن الخوف اللي كان عايش جوايا بدأ يختفي
لأن الحقيقة بقت أقوى منه
خالد بصلي
وقال بصوت مكسور
“نور أنا كنت بحبك.”
رديت
“الحب عمره ما بيهدد.”
سكت
قلت
“الحب عمره ما يلبس واحدة خاتم كانت نفسها فيه وهي عارف إن الخاتم ده كان حلم واحدة تانية.”
مريم بصت للخاتم في إيدها
وببطء بدأت تطلعه من صباعها
خالد قال
“مريم…”
وقفت قدامه
وحطت الخاتم في كفه
“خده.”
قال
“إنتي بتعملي إيه؟”
قالت
“برجعه لصاحبه.”
رد
“ده بتاعك.”
هزت راسها
“لا.”
وبصتلي
“أنا مش عايزة حاجة اتبنت على وجع أختي.”
ثم دخلت أوضتها
وبعد دقائق رجعت بعلبة صغيرة
فتحتها
وطلعت كل الهدايا اللي كان جابها لها
ساعة
سلسلة
برفان
ومجموعة صور
وحطتهم قدامه
وقالت
“خد كل حاجة.”
خالد وقف ساكت
أبوه بصله بقسوة
“يلا نمشي.”
لكن قبل ما يتحرك
أبويا قال
“استنى.”
فتح الملف مرة تانية
طلع ورقة
وقال
“لسه في حاجة.”
خالد بصله
أبويا قال
“الراجل اللي جاب الملف قال إن فيه حساب بنكي باسمك بيتحول منه فلوس لبنات.”
خالد بلع ريقه
أبويا كمل
“لكن الحساب ده مربوط برقم تليفون مش رقمك.”
خالد سكت
أبويا رفع عينه
“رقم مين؟”
خالد ما ردش




