عام

حكايات زهره 2

كان رجلًا في أواخر الستينات، شعره أبيض، وملامحه متعبة. أول ما عرف إننا جايين بخصوص محمود، وشه اتغير.

 

قال:

 

ـ أنا كنت متوقع اليوم ده ييجي.

 

بصيت له وقلت:

 

ـ طيب، ليه ما اتكلمتش من زمان؟

 

مدحت نزل عينيه.

 

ـ لأني كنت خايف، ولأني غلطت لما سكت. لكن لازم تعرف إني ما كنتش صاحب القرار في كل حاجة.

 

الأستاذ سامح سأله:

 

ـ هل أنت اللي جهزت العقد اللي باسم فؤاد منصور؟

 

مدحت رد:

 

ـ أيوه، أنا جهزت النسخة الأولى بناءً على تعليمات وصلتني من الإدارة، لكني ما حطتش توقيع فؤاد، وما عنديش علم مين اللي أضافه على النسخة النهائية.

 

قلت له:

 

ـ مين اللي طلب منك تجهز العقد؟

 

مدحت سكت طويلًا، وبعدها قال:

 

ـ الدكتور نبيل هو اللي بعت لي بيانات الصفقة، لكن ده مش معناه إنه كان عارف إن التوقيع مش صحيح. أنا ما شفتش بعيني مين اللي أضاف التوقيع.

 

الأستاذ سامح سأله:

 

ـ هل عندك مراسلات تثبت ده؟

 

مدحت قام من كرسيه، وفتح خزانة حديدية قديمة، وطلع منها صندوق ملفات.

 

قال:

 

ـ احتفظت بنسخ من المراسلات لأن محمود طلب مني أحتفظ بيها وقتها. بعد ما مات، خفت أتكلم، لكن دلوقتي لازم الأوراق توصل لحد يراجعها.

 

فتح الصندوق، وطلع مجموعة خطابات وإيميلات مطبوعة.

 

بدأنا نفحصها، لحد ما لقينا مراسلة مؤرخة قبل وفاة عمر بيوم واحد.

 

كانت موجهة من مكتب نبيل إلى مدحت، وفيها طلب تجهيز العقد، مع ملاحظة واضحة:

 

«لا يتم اعتماد التوقيع النهائي إلا بعد مراجعة فؤاد شخصيًا».

 

لكن النسخة اللي لقيتها في مكتبي كان عليها توقيع كامل.

 

مدحت قال:

 

ـ دي أول مرة أشوف النسخة اللي معاك. أنا ما اعتمدتش التوقيع ده، ومش هقدر أقول مين اللي عمله من غير فحص باقي الأوراق.

 

الأستاذ سامح جمع المستندات، وطلب من مدحت يكتب إفادة بما يعرفه، عشان تتراجع رسميًا.

 

قبل ما نخرج، مدحت وقفني وقال:

 

ـ يا أستاذ فؤاد، فيه حاجة محمود طلب مني أوصلها لك لو رجعت تسأل عن العقد. قال لي إن فيه شخصًا تاني كان عارف إن الصفقة فيها مشكلة، وإن الشخص ده مش بالضرورة يكون من الشركة.

 

سألته:

 

ـ مين الشخص ده؟

 

رد:

 

ـ ما قالش اسمه. لكنه قال إنك هتعرفه لما تراجع سجل المكالمات الأصلي، مش النسخة اللي اتقدمت للإدارة.

 

رجعت للفيلا وأنا بفكر في كلامه.

 

سجل المكالمات الأصلي.

 

عبدالعزيز كان معاه نسخة من السجل، لكن هل فيه نسخة تانية؟

 

اتصلت بيه، وطلبت منه يراجع الملفات اللي عنده.

 

بعد فترة، رجع لي باتصال وقال:

 

ـ لقيت ورقة إضافية، كانت متدبسة في آخر ملف قديم. الورقة دي فيها تفاصيل المكالمات، وفيها رقم مختلف عن اللي ظهر في النسخة الأولى.

 

طلبت منه يبعتهالي مع الأستاذ سامح.

 

لما وصلت الورقة، قعدنا نراجعها سطرًا سطرًا.

 

وكانت المفاجأة إن المكالمة اللي اتسجلت باسم فؤاد منصور الساعة الرابعة وسبعتاشر دقيقة ما كانتش جاية من موبايلي أصلًا.

 

كانت جاية من رقم داخلي تابع لمكتب الشركة.

 

أما مكالمتي الحقيقية مع محمود، فكانت مسجلة قبلها بدقائق، من رقمي الشخصي.

 

يعني حد استخدم اسمي في اتصال تاني، واتسجل في الدفاتر على إنه مكالمة مني.

 

لكن مين؟

 

الأستاذ سامح قال:

 

ـ دي نقطة مهمة، لكنها محتاجة فحص فني للسجلات القديمة، ومش هنقدر نحدد الشخص المسؤول من الرقم وحده.

 

فضلت باصص للورقة، وبعدين افتكرت إن نبيل قال إن فيه موظفًا كان بيجهز العقود والمراسلات، وإن مدحت قال إن النسخة النهائية ما اتعتمدتش عنده.

 

كل الخيوط كانت بتقودنا إلى شخص كان عنده وصول للمكتب والملفات، لكن لسه ما كانش عندنا دليل يثبت مين بالضبط.

 

في الليلة دي، قررت أواجه نبيل بالمعلومة الجديدة.

 

اتصلت بيه وطلبت منه ييجي الفيلا في اليوم التالي، بحضور الأستاذ سامح.

 

وافق، لكن صوته كان مختلفًا عن كل مرة.

 

وقبل ما يقفل، قال:

 

ـ فؤاد، قبل ما نقابل بعض، فيه حاجة لازم أقولها لك. أنا رجعت البيت النهارده ولقيت باب مكتبي مفتوح، وفيه ملفات ناقصة.

 

سألته:

 

ـ ملفات إيه؟

 

رد:

 

ـ الملفات اللي كنت ناوي أديهالك، واللي فيها مراسلات الشركة قبل وفاة محمود.

 

سكت لحظة، وبعدها قال:

 

ـ وفيه حاجة تانية… على المكتب كان فيه ظرف، جواه صورة لياسين مع شادية، ومكتوب عليها إننا لو فضلنا ندور في الماضي، الطفل هو اللي هيدفع الثمن.

 

وقفت من مكاني.

 

ـ إنت بلغت الشرطة؟

 

قال:

 

ـ أيوه، واحتفظت بالظرف والصورة. لكني مش عارف مين اللي دخل المكتب.

 

قلت له:

 

ـ من النهارده، محدش فينا هيتصرف لوحده. لازم كل حاجة تتوثق، ونحافظ على سلامة شادية وياسين.

 

قفلت المكالمة، وجريت ناحية أوضة ياسين.

 

كان قاعد على السرير، بيرسم بيتًا كبيرًا وشجرة، وشادية قاعدة جنبه بتساعده يلون.

 

أول ما شافني، رفع الورقة وقال:

 

ـ بص يا عمو فؤاد، رسمت بيت ليا ولشوشو، وعملتلكم بيت جنبنا عشان تبقوا قريبين مننا.

 

ابتسمت له، لكن قلبي كان مليان خوف.

 

لأن حدًا ما كان بيحاول يخوفنا باستخدام طفل مالوش ذنب في أي حاجة.

 

قعدت جنبه وقلت:

 

ـ رسمتك حلوة أوي يا ياسين. بس عايزك توعدني بحاجة. لو أي حد كلمك أو اداك ورقة أو قالك تروح معاه، لازم تقول لشادية أو ليا فورًا، وما تروحش مع أي حد من غير ما نكون عارفين.

 

هز راسه.

 

ـ حاضر يا عمو.

 

شادية بصت لي بقلق.

 

ـ هو فيه حاجة حصلت؟

 

ما حبيتش أخوفها أكتر، لكني قلت لها الحقيقة.

 

ـ فيه حد بعت تهديدات لنبيل، وفيها صورة ياسين. من النهارده، لازم نكون حذرين، وهنطلب مساعدة الجهات المختصة لحمايتكم لو التهديدات استمرت.

 

شادية حضنت أخوها، وقالت:

 

ـ أنا مش خايفة على نفسي، بس مش هسمح لحد يقرب منه.

 

قلت لها:

 

ـ ومش مطلوب منك تواجهي حد لوحدك. إحنا هنمشي بالقانون، وهنخلي سلامة ياسين أهم من أي ورق أو فلوس.

 

في صباح اليوم التالي، وصل نبيل إلى الفيلا، ومعاه نسخة من محضر البلاغ، وملف صغير قدر يحتفظ بيه في مكان تاني.

 

قعدنا كلنا في المكتب، وبدأ الأستاذ سامح يراجع المستندات الجديدة.

 

لكن بعد دقائق، نبيل طلب مني أتكلم معاه لوحدنا.

 

رفضت.

 

ـ اتكلم هنا. خلاص، مفيش أسرار تاني.

 

نبيل بص لي طويلًا، وبعدها قال:

 

ـ أنا عرفت مين الشخص اللي كان عنده وصول للمكتب وقت تجهيز العقد، لكني محتاج أتأكد من المراسلات قبل ما أذكر اسمه.

 

الأستاذ سامح قال:

 

ـ لو عندك معلومات جدية، قدمها للجهات المختصة، ومش لازم نذكر أسماء هنا من غير دليل.

 

نبيل وافق، وطلع ورقة من الملف.

 

كانت صورة لمراسلة داخلية، وفي آخرها توقيع موظف اسمه عادل منصور.

 

بمجرد ما شفت الاسم، حسيت بصدمة كبيرة.

 

عادل كان ابن عمي، وكان مسؤولًا عن متابعة بعض المعاملات في الشركة قبل ما يسيبها بسنين.

 

آخر مرة شوفته فيها كانت في عزاء محمود.

 

وقتها، حضني وقال لي إنه زعلان على أخويا، وإنه يتمنى لو كان يقدر يعمل أي حاجة تساعده.

 

بصيت لنبيل وقلت:

 

ـ إنت بتقول إن عادل كان مسؤولًا عن الملف؟

 

رد:

 

ـ أنا بقول إن اسمه موجود على مراسلة تخص تجهيز العقد، وإنه كان عنده صلاحية الوصول لبعض الأوراق. لكن ما عنديش دليل إنه زوّر توقيعك أو أخفى مستندات.

 

الأستاذ سامح أكد كلامه.

 

ـ لازم نراجع المراسلات كاملة، ونتأكد من مصدرها. مجرد وجود الاسم مش كفاية لإثبات المسؤولية.

 

قعدت ساكتًا، أحاول أستوعب إن شخصًا من عيلتي ممكن يكون عنده معلومات عن اللي حصل، سواء كان متورطًا أو مجرد شاهد.

 

لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.

 

في نفس اليوم، اتصلت بينا محامية اسمها الأستاذة منى، وقالت إنها بتمثل جهة كانت طرفًا في بعض المعاملات القديمة، وإن عندها مستندًا ممكن يساعد في تحديد صاحب التوقيع الموجود على العقد.

 

اتفقنا نقابلها في مكتبها، بحضور الأستاذ سامح.

 

لما وصلنا، استقبلتنا وطلعت ملفًا رسميًا.

 

قالت:

 

ـ المستند ده نسخة من محضر مراجعة داخلي، اتعمل قبل وفاة محمود بفترة قصيرة. فيه ملاحظة بتقول إن نسخة العقد اللي عليها توقيع فؤاد منصور وصلت إلى الإدارة من خارج مسار المراجعة المعتاد.

 

سألتها:

 

ـ يعني إيه من خارج المسار المعتاد؟

 

ردت:

 

ـ يعني إن العقد ما اتسجلش بالطريقة اللي المفروض يتسجل بيها، وما فيش إثبات واضح إن فؤاد راجعه بنفسه.

 

الأستاذ سامح سألها:

 

ـ وهل المحضر بيحدد مين سلّم العقد؟

 

فتحت صفحة تانية، وقالت:

 

ـ أيوه. فيه توقيع بالاستلام، لكن الاسم مش واضح بالكامل. هنحتاج نراجع الأصل.

 

مدت الورقة قدامي.

 

قربت منها، وحاولت أقرأ التوقيع.

 

كان فيه حرفان واضحان، وباقي الاسم ممسوح جزئيًا.

 

لكن الرقم الوظيفي المكتوب جنب التوقيع كان مألوفًا.

 

الأستاذ سامح فتح نسخة قديمة من سجل الموظفين، وبدأ يقارن الأرقام.

 

وبعد دقائق، رفع راسه وقال:

 

ـ الرقم ده كان مسجلًا باسم عادل منصور.

 

حسيت إن الغرفة ضاقت عليا.

 

لكن الأستاذ سامح أضاف فورًا:

 

ـ ده دليل على إن اسمه مرتبط باستلام المستند، مش دليل كافي على إنه عدّل التوقيع أو كان عارف إن فيه مخالفة. لازم نسمع أقواله ونراجع أصل المستند.

 

خرجت من المكتب وأنا مش قادر أحدد إذا كنت غاضبًا أو حزينًا.

 

طول عمري كنت بعتبر عادل واحدًا من أقرب الناس ليا. بعد وفاة محمود، كان بيزورني من وقت للتاني، ويحاول يخرجني من عزلتي، لكنه كان كل مرة يجيب سيرة الشركة، أغير الموضوع وأقفل الكلام.

 

يمكن كان عنده حاجة عايز يقولها.

 

ويمكن أنا اللي ما كنتش مستعد أسمع.

 

رجعت الفيلا في المساء، وقررت أتصل بيه.

 

رد بعد الرنة التانية.

 

ـ أيوه يا فؤاد، عامل إيه؟

 

صوته كان عاديًا، كأنه ما فيش أي حاجة حصلت.

 

قلت له:

 

ـ عادل، محتاج أشوفك ضروري. فيه موضوع يخص محمود، وعقد الشراكة القديم.

 

سكت لحظة.

 

ـ إنت وصلت للأوراق؟

 

سؤاله خلاني أتجمد.

 

أنا ما قلتلوش إننا لقينا أوراقًا أصلًا.

 

قلت بهدوء:

 

ـ إنت تقصد إيه بالأوراق؟

 

حاول يغير الموضوع.

 

ـ أقصد أوراق الشركة القديمة. إنت كنت بتسأل عنها من فترة، صح؟

 

قلت له:

 

ـ أيوه، وعايز أقابلك بكرة. عندك مانع؟

 

رد بعد تردد:

 

ـ لأ، مفيش مانع. نتقابل الساعة اتناشر.

 

قفلت المكالمة، وقعدت أفكر في سؤاله.

 

إزاي عرف إني وصلت للأوراق؟

 

هل نبيل قال له؟ هل حد بيراقب المخزن؟ ولا هو كان عارف من البداية إننا بندور على الملف؟

 

في صباح اليوم التالي، اتصل بي الأستاذ سامح، وقال إنه يفضل يحضر المقابلة، وإننا لازم نحتفظ بأي رسائل أو مستندات جديدة من غير ما نضغط على عادل أو نحاول ننتزع منه اعترافًا.

 

وافقت.

 

لكن قبل ما نخرج، لقيت شادية واقفة عند باب المكتب، ووشها متغير.

 

قالت:

 

ـ يا بيه، أنا لقيت حاجة في شنطتي القديمة، ومش عارفة إذا كانت مهمة ولا لأ.

 

مدت لي ظرفًا صغيرًا، كان لونه أصفر ومتني من الأطراف.

 

ـ ده كان وسط هدوم أمي. أنا ما فتحتهوش قبل كده، لأنها كانت قايلالي ما أفتحهش غير لما ياسين يكبر، لكن بعد كل اللي حصل، حسيت إني لازم أوريهولك.

 

فتحت الظرف بحذر.

 

جواه شهادة ميلاد قديمة لياسين، وصورة لوالده حسن، وورقة مكتوبة بخط أمه.

 

قرأت الرسالة بصوت منخفض:

 

«يا شادية، لو وصلتي للورقة دي، يبقى أنا ما بقيتش جنبك. عايزاكي تعرفي إن أبوكي ما كانش راجل غني، ولا كان بيخبي عنكم فلوس في البيت. لكنه كان مؤمن إن الحق لازم يرجع لأصحابه. فيه مستندات احتفظ بيها عشان يثبت إن ناس اتظلمت بسبب معاملات الشركة، وكان خايف إن ياسين يكبر وهو شايل نتيجة حاجة ما عملهاش.

 

أنا ما أعرفش إذا كان محمود قدر يوصل للحقيقة قبل ما يموت، لكن لو ظهر فؤاد منصور في حياتكم، اسمعي منه، وخلي بالك من أي حد يحاول يفرقك عن أخوكي.

 

والأهم من كل ده، ما تسمحيش لحد يستخدم اسم أبوكي عشان ياخد منك ياسين أو يجبرك تتنازلي عن حق مش عارفة حجمه لسه».

 

شادية كانت بتعيط وهي بتسمع الكلام.

 

لكن في آخر الرسالة، كان فيه سطر مكتوب بخط مختلف، كأنه اتضاف بعدين:

 

«النسخة الأصلية من عقد الشراكة مش في المخزن، ومحمود ما استلمهاش بنفسه».

 

رفعت عيني لشادية.

 

ـ إنتي متأكدة إن الورقة دي كانت مع حاجات والدتك من زمان؟

 

هزت راسها.

 

ـ أيوه، والله. كانت في شنطة هدوم قديمة عندي من يوم ما ماما ماتت.

 

الأستاذ سامح قرأ الرسالة، وقال:

 

ـ الورقة دي ممكن تساعدنا نفهم خلفية الموضوع، لكنها مش دليل كافي لوحدها على أي اتهام. لازم نعرف مين كتب الإضافة الأخيرة، وهل هي من نفس خط اليد، ومتى اتكتبت.

 

بصيت للتاريخ الموجود في أسفل الورقة.

 

كان بعد وفاة محمود بشهر تقريبًا.

 

يعني فيه شخص كتب ملاحظة جديدة بعد موت أخويا، وعرف إن العقد الأصلي مش موجود في المخزن.

 

سألت شادية:

 

ـ أمك كانت تعرف مين عنده النسخة الأصلية؟

 

قالت:

 

ـ ما قالتليش، لكنها كانت بتكرر إن فيه حد أمين هيوصلها في الوقت المناسب.

 

في اللحظة دي، موبايل الأستاذ سامح رن.

 

رد، وسمعنا صوته وهو بيقول:

 

ـ أيوه، أنا فؤاد منصور معايا… إيه؟ طب ابعتلي صورة المستند حالًا.

 

قفل المكالمة، وبص لي بجدية.

 

ـ فؤاد، موظف الأرشيف اللي كنا بنتواصل معاه لقى مستندًا قديمًا في ملف منفصل، واتضح إنه ما اتسجلش ضمن الأوراق اللي راجعناها قبل كده.

 

سألته:

 

ـ إيه المستند؟

 

قال:

 

ـ محضر استلام أصل عقد الشراكة. المحضر عليه تاريخ بعد وفاة محمود بأسبوعين، وتوقيع شخص بيؤكد إنه استلم النسخة الأصلية من مكتب الشركة.

 

مد لي الموبايل، فبصيت للصورة.

 

كان الاسم المكتوب واضحًا.

 

عادل منصور.

 

لكن اللي خلاني أحس إن الأرض بتتهز تحت رجلي، مش الاسم نفسه.

 

كان فيه سطر تحت التوقيع بيقول:

 

«تم التسليم بناءً على طلب السيد فؤاد منصور».

 

يعني فيه مستند رسمي بيقول إن عادل استلم العقد بطلب مني، بعد وفاة أخويا.

 

وأنا عمري ما طلبت منه أي حاجة من دي.

 

رفعت عيني للأستاذ سامح وقلت:

 

ـ أنا عايز أعرف الحقيقة، حتى لو كانت هتوجعني. لكن قبل ما أواجه عادل، لازم نتأكد إن الورقة أصلية، وإن مفيش حاجة ناقصة.

 

الأستاذ سامح وافق، وبدأ يرتب مراجعة المستندات مع الجهات المختصة.

 

أما أنا، فبصيت ناحية باب المكتب، حيث كانت شادية واقفة، وياسين ماسك إيدها.

 

كنت عارف إننا قربنا من الإجابة، لكني ما كنتش عارف إذا كانت الإجابة هتريحنا، ولا هتفتح جرحًا جديدًا.

 

وفي الساعة اتناشر تمامًا، وصل عادل إلى الفيلا.

 

دخل المكتب، وسلم عليا، وبعدها قعد قدامي.

 

بصيت له طويلًا، وقلت:

 

ـ عادل، أنا مش جاي أتهمك بحاجة، لكن فيه أوراق باسمك، وعايز أفهم منك اللي حصل.

 

وشه اتغير لما شاف صورة محضر الاستلام قدامه.

 

فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها رفع عيني وقال:

 

ـ فؤاد، قبل ما تسألني عن العقد، لازم تعرف إن محمود ما ماتش وهو فاكر إنك السبب في اللي حصل لعمر.

 

اتجمدت مكاني.

 

ـ إنت بتقول إيه؟

 

عادل بلع ريقه، وبص ناحية الباب، كأنه خايف حد يسمعه.

 

وبعدين قال:

 

ـ محمود كان عارف إنك هتفضل تعاقب نفسك على وفاة ابنك، وكان عايزك تعرف الحقيقة، لكنه مات قبل ما يقدر يقولك. وأنا كنت آخر شخص اتكلم معاه قبل ما يدخل المستشفى.

 

سألته بصوت متوتر:

 

ـ وإيه اللي قالهولك؟

 

عادل نزل عينيه، وبعد لحظة طويلة، قال:

 

ـ قال لي إنه اكتشف مين اللي استخدم اسمك في عقد الشراكة، وإنه معاه دليل يثبت إن التوقيع اتضاف بعد ما العقد اتجهز.

 

حسيت إن قلبي بيدق بعنف.

 

ـ مين الشخص ده يا عادل؟

 

رفع عيني ليا، وقال:

 

ـ الشخص اللي أضاف التوقيع مش صبري، ومش نبيل، ومش مدحت.

 

سكت لحظة، وبعدها قال اسمًا خلاني ما قدرتش أنطق.

 

لأن الاسم اللي قاله كان اسم شخص من عيلتي، شخص كنت بدخله بيتي من غير ما أفكر لحظة إنه ممكن يكون عارف أسرار أخويا كلها.

 

وقبل ما أكمل سؤالي، عادل حط إيده في جيبه، وطلع مفتاحًا صغيرًا، وقال:

 

ـ أصل العقد لسه موجود، وأنا الوحيد اللي أعرف مكانه. بس لو عايز أوصلك له، لازم توعدني إنك هتسمعني للآخر، لأن الحقيقة مش هتخص محمود والشركة بس… دي هتخصك إنت كمان، وهتخلّيك تعيد التفكير في حاجات كتير حصلت في حياتك.

 

وبمجرد ما مد إيده بالمفتاح، رن جرس الفيلا، ودخل البواب مسرعًا وهو بيقول إن فيه سيدة واقفة بره، مصممة تقابل فؤاد منصور، وبتقول إنها كانت آخر شخص شاف محمود قبل وفاته، وإن معاها دليل ممكن يغيّر كل اللي عرفناه.

بص فؤاد لعادل، وبعدين بص لسامح اللي كان واقف جنبه، وقال للبواب:

 

— خلي الست تدخل، بس محدش يقرب منها ولا يسألها أي سؤال قبل ما توصل هنا.

 

بعد دقايق، دخلت ست في أواخر الأربعينات، لابسة إسدال كحلي قديم، وماسكة شنطة جلد صغيرة بإيديها الاتنين. كانت باين عليها علامات القلق، وعينيها بتتحرك في المكان كأنها خايفة تلاقي حد تعرفه.

 

أول ما شافت عادل، وقفت مكانها.

 

عادل نفسه اتغيرت ملامحه، وقال بصوت واطي:

 

— إنتِ بتعملي إيه هنا يا منى؟

 

الست بصتله بحدة، وردت:

 

— جاية أقول الحقيقة اللي إنتوا سبتوها مدفونة سنين.

 

فؤاد قام من مكانه.

 

— إنتِ تعرفي محمود؟

 

منى هزت راسها.

 

— كنت بشتغل في مكتب المحاسبة اللي كان بيتعامل مع شركتكم من سنين. محمود الله يرحمه جهلي قبل الحادث بيومين، وكان معاه ورق، وقال لي لو حصل له أي حاجة أو اختفى فجأة، أوعى أسلم الورق لأي حد غير الأستاذ فؤاد منصور بنفسه.

 

عادل حاول يقاطعها:

 

— منى، الكلام ده قديم، وإنتِ مش فاهمة—

 

صرخت فيه:

 

— أنا فاهمة كويس! أنا اللي شفتك خارج من المكتب بالملف يومها، وأنا اللي سمعتك بتقول لمحمود إن الموضوع أكبر منه وإنه لازم يبعد!

 

سكت المكان كله.

 

فؤاد حس إن قلبه بيدق بعنف، لكنه حاول يتمالك نفسه.

 

— إنتِ عندك دليل على الكلام ده؟

 

منى فتحت الشنطة وطلعت ظرف بني قديم، وحطته على الترابيزة.

 

— عندي صورة من إيصال استلام، وصورة من دفتر حركة الملفات، وخطاب بخط محمود. بس قبل ما تشوفهم، لازم تعرف إن عادل مش هو اللي بدأ الحكاية.

 

فؤاد بص لعادل، اللي كان واقف شاحب الوجه.

 

— اتفضلي كملي.

 

منى خدت نفس طويل وقالت:

 

— من سنين، الشركة كانت داخلة في مشروع كبير. كان فيه شريك جديد اسمه كمال الشربيني، والصفقة كانت هتدخل أرباح ضخمة. محمود اكتشف إن الأرقام اللي في العقود مش مطابقة للأرقام اللي في الحسابات. مبالغ بتتسجل باسم الشركة، وبعدها تتحول لشركات تانية مالهاش نشاط واضح.

 

سامح فتح دفتره وبدأ يكتب.

 

منى كملت:

 

— محمود ما اتهمش حد من غير دليل. فضل يراجع لحد ما اكتشف إن توقيع الأستاذ فؤاد على عقد الشراكة اتضاف بعد ما النسخة الأصلية كانت اتوقعت بشكل مختلف. يعني حد استخدم اسمه وصلاحياته علشان يمرر تعديلات ما وافقش عليها.

 

فؤاد حس بمرارة شديدة.

 

— وأنا كنت بعيد عن كل ده؟

 

منى بصتله بحزن.

 

— إنت كنت بعيد عن التفاصيل، لكنك كنت مسؤول عن الشركة. وده اللي وجع محمود. هو كان عايزك تعرف قبل ما الخسارة تكبر.

 

فؤاد نزل عينيه للأرض. افتكر مكالمة محمود الأخيرة، والوقت اللي كان فيه ابنه عمر بيجري في البيت، وافتكر إنه شاف اسم محمود على شاشة موبايله لكنه أجل الرد دقائق، وبعدها اتغيرت حياته كلها.

 

قال بصوت مبحوح:

 

— محمود اتصل بيا يوم وفاة عمر.

 

منى هزت راسها.

 

— أيوه. كان محتاج يقابلك فورًا، لكنه ما كانش عارف إنك هتكون مشغول باللي حصل. وبعد ما ما قدرتش ترد، بعت له رسالة قال فيها إنه هيحاول يحل الموضوع بنفسه لحد ما تفضى.

 

عادل غمض عينيه، وكأن الكلام بقى تقيل عليه.

 

فؤاد بصله.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى