وقفت مكاني كأني اتحولت لحجر.
“بابا… متفتحش القبر… لأنهم مستنيينك جواه.”
الجملة فضلت تلف في دماغي.
مين “هم”؟
وإزاي مستنييني جوه قبر ابني؟
بصيت لأخويا وقلت:
“إنت فاهم حاجة؟”
هز راسه وهو مرعوب.
“والله ما فاهم.”
بصيت للمحامي.
كان لونه أصفر، والعرق نازل من جبينه.
قلت:
“إنت كنت عارف إن عمر عايش؟”
قال بسرعة:
“أنا معرفش حاجة.”
صرخت:
“كداب!”
رجالة البلد قربوا منه.
واحد منهم قال:
“اتكلم بدل ما الموضوع يكبر.”
المحامي سكت شوية، وبعدها قال:
“عمر مش عايش.”
قلت:
“إذن الصوت ده إيه؟”
قال:
“تسجيل.”
ضحكت من القهر.
“تسجيل؟ أنا أبوه! أنا عارف صوته!”
قال:
“الصوت ممكن يتسجل ويتكرر.”
قلت:
“والصورة؟”
سكت.
“الصورة اللي بتاريخ من تلات أيام؟”
مردش.
قربت منه.
“والرسالة اللي قال فيها إن الفلاشة عندي؟”
قال:
“دي مش رسالة عمر.”
“أمال رسالة مين؟”
سكت.
فجأة أخويا قال:
“أنا هقول كل حاجة.”
المحامي بصله برعب.
“لو اتكلمت، مش هتخرج من هنا.”
أخويا رد:
“أنا أصلاً مبقتش عايز أخرج.”
وبصلي.
“تعالى معايا.”
قلت:
“فين؟”
قال:
“لبيت عمر.”
دخلنا البيت، وكلنا مشينا وراه.
الشقة كانت زي ما سبتها.
هدوم عمر معلقة.
كتبه على المكتب.
المصحف فوق الترابيزة.
وكوباية كان سايبها قبل الحادث بيوم.
لمست الكوباية بإيدي.
وقلت:
“ده كان هنا…”
أخويا قال:
“عمر كان شاكك في ناس من بدري.”
سألته:
“ناس مين؟”
قال:
“ناس كانت بتستغل شباب الجامعة.”
“بتستغلهم في إيه؟”
“حسابات بنكية، تحويلات فلوس، شغل مشبوه… وعمر اكتشف بالصدفة إن اسم واحد من زمايله متورط.”
قلت:
“يعني كان بيحقق؟”
قال:
“أيوه.”
“وليه مخبي عليا؟”
“عشان كان خايف عليك.”
سكت لحظة وقال:
“قبل الحادث بيومين، عمر قالي جملة مش هنساها.”
“قال إيه؟”
“قال لي: لو حصل لي حاجة، بابا هو آخر واحد لازم يعرف الحقيقة.”
بصيتله.
“ليه؟”
قال:
“لأن الحقيقة ممكن تقتله.”
دخلت أوضة عمر.
وقفت قدام مكتبه.
فتحت الأدراج.
ولا حاجة.
فتشت الكتب.
ولا حاجة.
وبعدين افتكرت المفتاح.
طلعته.
أخويا قال:
“المكان مش هنا.”
“أمال فين؟”
قال:
“المفتاح ده مش بيفتح باب.”
بصيتله.
“أمال بيفتح إيه؟”
قال:
“درج.”
سكت.
“درج إيه؟”
أشار ناحية مكتبة عمر.
المكتبة كانت مليانة كتب.
سحب كتاب قديم من الرف.
سمعت صوت “تك”.
جزء من المكتبة اتحرك.
وظهر تجويف صغير في الحيطة.
جواه درج معدني.
دخلت المفتاح.
فتحته.
جوا الدرج كان فيه فلاشة صغيرة.
ومظروف أبيض.
ومصحف صغير.
فتحت المظروف.
لقيت جواب بخط عمر.
إيدي بدأت تترعش.
“بابا…”
وقفت.
وكملت القراءة.
“لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا غالبًا مش موجود قدامك. عارف إنك هتدور ورايا، وعارف إنك مش هتصدق كلامهم. بس أوعدني بحاجة واحدة…”
دموعي نزلت.
“متنتقمش.”
وقفت عن القراءة.
أخويا قال:
“كمل.”
كملت.
“اللي حصل لي مش حادث عادي. العربية كانت مستنياني.”
شهقت.
“أنا كنت عارف إنهم بيراقبوني.”
الورقة كانت بتتهز في إيدي.
“لكن اللي معرفتوش إن الشخص اللي بيساعدهم قريب مني جدًا.”
بصيت لأخويا.
هو بصلّي.
كملت.
“وأنا مش هكتب اسمه هنا.”
“ليه؟”
“لأن الورقة ممكن تقع في إيده.”
وبعدها كانت آخر جملة:
“لو عايز تعرف مين هو، افتح الفلاشة.”
حطيت الفلاشة في اللابتوب.
ظهر عليها ملف واحد.
اسمه:
“الحقيقة.”
فتحته.
في الأول ظهرت صور.
صور عمر.
صور الجامعة.
صور عربية الحادث.
صور أشخاص.
وبعدين ظهرت صورة أخويا.
أنا حسيت إن قلبي اتقبض.
لكن تحت صورته كان مكتوب:
“شاهد… وليس متهمًا.”
بصيت لأخويا.
“يعني إنت مش اللي عملت كده؟”
قال:
“قلت لك.”
كملت.
ظهر تسجيل فيديو.
عمر كان قاعد قدام الكاميرا.
وشه كان متوتر.
قال:
“بابا، لو الفيديو ده وصلك، متخافش.”
سكت شوية.
“أنا عارف إنك هتفتكر إني مت.”
“لكن لو وصلت للمرحلة دي، يبقى الخطة نجحت.”
بصيت للشاشة.
“أي خطة؟”
عمر كمل:
“أنا محتاج الناس تفتكر إني مات.”
حسيت إن نفسي انقطع.
أخويا قرب من الشاشة.
عمر قال:
“عشان أعرف أوصل للشخص اللي ورا كل ده.”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“بابا… أنا آسف.”
حطيت إيدي على بوقي.
“سامحني إني خوفتك.”
بدأ الفيديو يتقطع.
الصورة بقت مشوشة.
وبعدين ظهر عمر من مكان مختلف.
كان بيتكلم بسرعة.
“لو التسجيل ده اتفتح بعد دفني، يبقى حصلت حاجة أنا ما حسبتش حسابها.”
وفجأة قال:
“متثقش في أي حد يقول لك إن الجثة اللي اتدفنت هي أنا.”
اتجمدت.
رجعت الفيديو.
شغلته تاني.
نفس الجملة.
“متثقش في أي حد يقول لك إن الجثة اللي اتدفنت هي أنا.”
بصيت لأخويا.
قلت:
“إحنا دفنا مين؟”
هو مكنش قادر يرد.
وفجأة…
سمعنا صوت خبط شديد على باب الشقة.
ثلاث خبطات.
دق…
دق…
دق…
أخويا همس:
“محدش يعرف إننا هنا.”
الخبط رجع.
أقوى.
دق…
دق…
دق…
قربت من الباب.
قلت:
“مين؟”
مفيش رد.
بصيت من العين السحرية.
مفيش حد.
رجعت خطوة.
وفجأة صوت عمر جه من اللابتوب رغم إن الفيديو كان خلص.
“بابا…”
صرخت.
بصيت للشاشة.
الفيديو اشتغل لوحده.
لكن عمر المرة دي كان باين وراه مكان أعرفه.
مكان أنا زرته قبل كده.
المقابر.
وقال:
“لو سمعت صوتي من القبر، متردش.”
سكت.
وبعدين قرب من الكاميرا وقال:
“لأنهم مش عايزين يطلعوني…”
وفجأة اتغير صوته.
وبقى بيهمس:
“هم عايزين يطلعوك إنت.”
انطفأت شاشة اللابتوب.
وفي نفس اللحظة…
باب الشقة اتفتح لوحده.
دخل منه هوا بارد.
وسقطت ورقة من فوق المكتبة.
التقطتها.
كان عليها عنوان.
عنوان بيت.
وتحته جملة واحدة:
“هناك ستجد عمر… لو كنت مستعد تعرف الحقيقة كاملة.”
بصيت لأخويا.
قال:
“أنا عارف المكان ده.”
قلت:
“فين؟”
قال:
“بيت قديم في آخر البلد.”
سألته:
“ومين ساكن فيه؟”
وشه اتغير.
وقال:
“أم عمر.”
اتصدمت.
“أم مين؟”
قال:
“الست اللي عمر كان بيقول إنه عمره ما شافها.”
بصيتله وأنا مش فاهم.
قال:
“لكن أنا شفتها.”
“إنت شفت مين؟”
بصلي في عيني وقال:
“شفت أم عمر الحقيقية.”
سكت.
“وعمر كان عارف إنها عايشة.”
قلت:
“إنت بتقول إيه؟!”
قال:
“عمر طول عمره كان فاكر إن أمه ماتت.”
وبعدين قرب مني وهمس:
“لكن قبل موته بأسبوع… اكتشف إنها عايشة.”
وفجأة…
وصلتني رسالة على الموبايل.
رقم مجهول.
فتحتها.
كان فيها صورة واحدة.
صورة عمر.
واقف قدام البيت القديم.
وتحتها:
“لو عايز تعرف ليه ابنك طلب منك تخرجه من القبر كل ليلة… تعالى لوحدك.”
وفي نفس اللحظة وصلت رسالة تانية:
“وخلي بالك يا عبد السميع… أخوك مش الشخص الوحيد اللي خبّى عليك الحقيقة.”فضلت باصص للرسالة ومش قادر أرمش.
“أخوك مش الشخص الوحيد اللي خبّى عليك الحقيقة.”
الجملة دي كانت بتوجعني أكتر من أي حاجة تانية.
بصيت لأخويا وقلت:
“مين كمان؟”
هو مكنش بيرد.
زعقت فيه:
“بسألك مين؟!”
قال بصوت مكسور:
“مراتك.”
اتجمدت.
“مراتي؟”
قال:
“أيوه.”
“مراتي ماتت من سنين!”
“عارف.”
“يبقى إزاي خبّت عليا؟”
سكت شوية وقال:
“قبل ما تموت.”
حسيت إن الدنيا ضاقت حواليا.
قعدت على طرف السرير وأنا ماسك الموبايل.
“قول كل حاجة.”
قعد قدامي.
“قبل وفاة أم عمر بشهر تقريبًا، كانت عارفة إن فيه حاجة غلط.”
“إيه؟”
“كانت بتدور ورا موضوع عمر.”
قلت:
“عمر كان عنده كام سنة وقتها؟”
“كان لسه في المدرسة.”
“وهي كانت عارفة إيه؟”
أخويا طلع نفس طويل.
“كانت عارفة إن عمر مش ابنك بالدم.”
وقعت الكلمة عليا كأن حد ضربني على دماغي.
بصيتله وأنا مش فاهم.
“إنت بتقول إيه؟”
“عمر ابنك.”
“أمال إيه اللي بتقوله ده؟”
“هو ابنك… بس فيه سر في يوم ميلاده.”
صرخت:
“ماتلفش وتدور!”
قال:
“يوم ولادته حصلت مشكلة في المستشفى.”
سكت.
“أم عمر كانت في حالة صعبة، وكان فيه طفل تاني اتولد في نفس الوقت.”
حسيت إن نفسي وقف.
“وبعدين؟”
“حصل تبديل في ملفات الأطفال.”
ضحكت بسخرية.
“إنت عايز تقنعني إن ابني اتبدل؟”
قال:
“أنا مش عايز أقنعك بحاجة.”
وأخرج ورقة قديمة.
“دي أم عمر كانت مخبياها.”
أخدتها.
كانت شهادة قديمة.
الاسم: عمر عبد السميع.
لكن رقم الملف مختلف.
بصيت لأخويا.
“يعني إيه؟”
قال:
“يعني عمر كان مرتبط بملف تاني.”
“ومين الطفل التاني؟”
سكت.
قلت:
“مين؟”
قال:
“ولد اسمه يوسف.”
الاسم ضربني في قلبي.
يوسف.
الاسم اللي عمر كان بيكرهه بشكل غريب.
كنت فاكر إنه مجرد اسم مش بيحبه.
لكن فجأة افتكرت حاجة.
قبل الحادث بأسبوع، عمر كان قاعد معايا على السفرة.
قلتله:
“إنت مالك يا ابني؟”
قال:
“مفيش.”
قلت:
“من يومين وإنت كل ما تسمع اسم يوسف بتتغير.”
ابتسم وقتها وقال:
“عشان الاسم ده وراه حكاية يا بابا.”
ضحكت وقلتله:
“طب احكي.”
قال:
“لما الوقت ييجي.”
وقتها افتكرت إني زعلت منه.
قلتله:
“إنت بقيت بتتكلم زي الأفلام.”
ضحك.
“معلش يا بابا.”
ولما خرج من البيت في اليوم ده…
كانت آخر مرة أشوفه حي.
رجعت للحاضر.
قلت لأخويا:
“يوسف فين؟”
قال:
“مات.”
“إمتى؟”
“من عشرين سنة.”
سكت.
“في نفس يوم عمر اتولد؟”
هز راسه.
“أيوه.”
قلت:
“يبقى إيه علاقة عمر بالموضوع؟”
قال:
“لأن يوسف مكنش المفروض يموت.”
اتسعت عيني.
“إزاي؟”
“عشان الطفل اللي اتدفن باسم يوسف… كان طفل تاني.”
قمت واقف.
“يعني إيه؟”
قال:
“يعني من عشرين سنة حصلت جريمة تبديل أطفال.”
“مين عملها؟”
قال:
“المستشفى.”
“ليه؟”
سكت.
“عشان طفل من الأطفال كان ابن ناس كبار جدًا.”
قلت:
“مين؟”
قال:
“دي النقطة اللي عمر اكتشفها.”
فهمت فجأة.
“والحادث؟”
قال:
“مش حادث.”
سكتنا.
“قتلوا عمر؟”
قال:
“حاولوا.”
بصيتله.
“يعني عمر كان عايش؟”
قال:
“بعد الحادث كان عايش.”
“وإيه اللي حصل؟”
“أخدوه.”
“مين؟”
قال:
“الناس اللي كان بيدور وراهم.”
حسيت إن قلبي هيقف.
“أخدوه فين؟”
قال:
“مكان محدش يعرفه.”
“وإنت عرفت منين؟”
“عمر اتصل بيا قبل ما يختفي.”
“قال إيه؟”
أخويا سكت.
“قال إن فيه حد من العيلة بيساعدهم.”
بصيتله.
“مين؟”
هز راسه.
“معرفش.”
صرخت:
“إنت أكيد تعرف!”
قال:
“عمر مقلليش الاسم.”
“ليه؟”
“قال لي: لو عرفت الاسم، هتروح تواجهه.”
سكت لحظة.
“وقال إنك ممكن تموت.”
وقتها سمعت صوت عربية وقفت تحت البيت.
بصيت من الشباك.
عربية سودا.
نفس العربية اللي شفتها عند المقابر.
قلت:
“هم وصلوا.”
أخويا قال:
“لازم نمشي.”
قلت:
“مش هنمشي.”
“عبد السميع…”
“أنا هروح البيت اللي في الرسالة.”
“عمر قالك متروحش لوحدك.”
قلت:
“مش هروح لوحدي.”
أخويا بصلي.
قلت:
“إنت جاي معايا.”
خرجنا من البيت بسرعة.
ركبنا العربية.
طول الطريق مفيش كلام.
كنت ماسك المفتاح الصغير في إيدي.
وباصص للطريق.
بعد حوالي نص ساعة وصلنا لآخر البلد.
البيت كان قديم ومهجور.
بابه خشب.
والشبابيك كلها مقفولة.
نزلنا.
أخويا قال:
“عبد السميع… لو عمر موجود هنا، لازم نكون مستعدين لأي حاجة.”
قلت:
“أنا مستعد.”
قربنا من الباب.
المفتاح الصغير دخل في القفل.
لفيت.
الباب اتفتح.
دخلنا.
ريحة المكان كانت غريبة.
تراب ورطوبة.
وفي آخر الطرقة كان فيه نور ضعيف.
مشينا ناحيته.
كل خطوة كانت بتخبط في قلبي.
وصلنا لأوضة كبيرة.
في نصها كرسي.
وعليه جاكت عمر.
جاكت ابني اللي كان لابسه يوم الحادث.
قربت منه.
لمسته.
كان عليه تراب.
لكن ريحته…
ريحة عمر.
رجعت خطوة.
وقلت:
“هو هنا.”
أخويا قال:
“عبد السميع…”
بصيتله.
كان بيشاور على الأرض.
آثار أقدام.
آثار رجلين.
واحدة كبيرة.
وواحدة صغيرة.
والأقدام الصغيرة كانت خارجة من الأوضة.
مش داخلة.
يعني حد خرج من هنا قريب.
مشينا ورا الآثار.
وصلنا لباب حديد صغير.
فتحناه.
كان فيه سلم نازل تحت الأرض.
أخويا قال:
“ننزل؟”
قلت:
“أيوه.”
نزلنا.
السلم كان طويل.
طويل بشكل مش طبيعي.
لحد ما وصلنا لممر تحت الأرض.
وفي آخره باب.
من وراه سمعنا صوت حركة.




