روايات وقصص

علي العشاء حكايات صافي هاني

على العشا مرات ابني طلبت أكل غالي لكل اللي قاعدين على السفرة إلا أنا

 

وبعدها زقت كوباية مية ناحية مكاني وقالت للنادل بمنتهى البرود

 

“دي كفاية ليها”

 

بصيت لابني إيثان ومستنية منه يدافع عن أمه اللي ربته لوحدها سنين طويلة

 

لكنه نزل عينه في طبقه وقال بصوت واطي

 

“خلاص يا أمي اقبلي اللي حصل وافتكري مقامك”

 

ساعتها ما جادلتش

 

وبعد عشر دقايق بس الشيف التنفيذي للمطعم جه ناحية ترابيزتنا ووقف قدامي وكلمّني باحترام شديد لدرجة إن ابتسامة مرات ابني اختفت من على وشها تمامًا

 

كان اسمي إليانور هايز وكنت وقتها عندي خمسة وستين سنة

 

ربيت ابني إيثان لوحدي من بعد ما أبوه اختفى من حياتنا وهو عنده ست سنين

 

اختفى من غير تفسير ولا نفقة ولا حتى ما يسأل علينا

 

وساعتها مكنش قدامي غير إني أشيل المسؤولية كلها لوحدي

 

كنت بصحى قبل الفجر وأنزل أنضف مكاتب وأشتغل في مطبخ مدرسة وقت الظهر وأحيانًا أشتغل نادلة لحد آخر الليل

 

قضيت سنين طويلة واقفة جنب أفران سخنة وشايلة صواني تقيلة وإيدي بتوجعني ورجلي بتنتفخ من كتر الوقفة

 

لكن عمري ما خليت إيثان يحس إننا ناقصنا حاجة

 

كان دايمًا عنده هدوم نضيفة وأكل على السفرة وأدوات المدرسة اللي محتاجها

 

ولما دخل الجامعة كنت فاكرة إن التعب كله هيستاهل

 

عملت المستحيل عشان أساعده في مصاريف دراسته

 

كنت عايزة ابني يعيش حياة أحسن من حياتي

 

كنت عايزاه يبقى قدامه اختيارات أنا عمري ما كانت عندي

 

وبالفعل اتخرج واشتغل وبنى لنفسه مستقبل كويس وبعدها اتجوز كلير

 

في البداية حاولت أحبها

 

كنت بقول لنفسي إن أهم حاجة إن إيثان يكون مبسوط

 

فعديت حاجات كتير

 

عديت نظراتها لبيتي البسيط

 

وعديت تعليقاتها على هدومي

 

وعديت طريقتها وهي بتبص حوالين الشقة كأن الفقر ممكن يعدي لها من الحيطان

 

لكن مع الوقت الموضوع زاد

 

بقيت أعرف عن عزومات أعياد الميلاد بعد ما تخلص

 

وأسمع عن المناسبات العائلية بعد ما تحصل

 

وأعرف إنهم سافروا في إجازة بعد ما يرجعوا

 

وإيثان كان ساكت

 

كان بيسمح بكل ده يحصل

 

ومع كل مرة كنت بقول يمكن الظروف تتغير

 

يمكن ابني يفتكر يومًا واحدًا بس مين اللي وقف جنبه لما مكنش عنده حد

 

لحد ما في يوم إيثان كلمني وقال لي إنهم عايزين يصلحوا علاقتنا

 

وقتها قلبي صدق الكلام

 

قلت يمكن ابني أخيرًا افتكر أمه

 

لبست أحسن فستان عندي وكان لونه كحلي غامق

 

ووافقت أروح معاهم واحد من أفخم المطاعم في المدينة

 

لكن أول ما دخلت المطعم عرفت إن فيه حاجة غلط

 

الترابيزة كانت بتقول كل حاجة من غير ما حد يتكلم

 

كلير كانت قاعدة جنب أهلها

 

وإيثان كان جنبها

 

أما أنا فكان مكاني بعيد عنهم في آخر طرف السفرة

 

كرسي لوحده ومسافة كبيرة بيني وبين باقي العيلة

 

حاولت ما أديش الموضوع أكبر من حجمه

 

وقلت يمكن ترتيب الكراسي صدفة

 

لكن بعد لحظات جه النادل

 

كلير ابتسمت وقالت له

 

“هات أربع وجبات من أفخم الأكل عندكم وحط معاهم النبيذ والمقبلات والحلويات”

 

فضلت مستنية إنها تذكر اسمي

 

لكنها ما عملتش

 

وبعد شوية حط النادل كوباية مية قدامي

 

كلير بصت لي وقالت بمنتهى الهدوء

 

“دي كفاية ليها”

 

بصيت لإيثان

 

كنت مستنية منه كلمة واحدة

 

كلمة يقول فيها إن دي أمه

 

إن الست اللي قاعدة قدامه دي هي اللي شالته على كتفها سنين

 

لكنه ما رفعش عينه

 

وبعد لحظة قال

 

“خلاص يا أمي اقبلي الموضوع”

 

وبعدين سكت شوية وأضاف

 

“وافتكري مقامك”

 

فضلت باصة له ثواني

 

وفي اللحظة دي أنا مشفتش الراجل الناجح اللي قدامي

 

أنا شفت الولد الصغير اللي كنت بمسك إيده في ليالي الشتا

 

شفت الطفل اللي كنت بأكله قبلي

 

شفت ابني وهو صغير وأنا بلبسه هدوم المدرسة

 

وشفت كل الفواتير اللي كنت بدفعها وأنا مش عارفة آخر الشهر هجيب فلوس منين

 

شفت سنين التعب والسهر والوقوف في المطابخ

 

وشفت نفسي وأنا بقول لنفسي كل ليلة

 

“المهم إيثان يبقى أحسن”

 

بصيت لكوباية المية قدامي

 

وبهدوء قلت

 

“حاضر”

 

كلير كانت مستنية مني أعيط أو أزعق أو أعمل مشكلة

 

يمكن كانت عايزة تستخدم اللي هيحصل بعد كده وتقول للناس إني ست صعبة ومش بتعرف تتعامل

 

لكن أنا ما اديتهاش اللي هي عايزاه

 

فضلت ساكتة

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

 

وبينما هم بدأوا ياكلوا ويتكلموا ويضحكوا كان أهل كلير بيتكلموا عن الناس اللي بتوصل لسن المعاش من غير ما تخطط لمستقبلها

 

وبدأوا يضحكوا على الشقق الصغيرة والمناطق الشعبية

 

واحدة من كلامهم كانت إن فيه ناس بتفضل طول عمرها “تدبر نفسها وخلاص” بدل ما تبقى من الناس المهمة

 

كنت سامعاهم

 

لكن ما علقتش

 

لحد ما كلير بصت لي وقالت

 

“أنا شايفة إن إليانور المفروض تقلل حضورها في مناسبات العيلة”

 

سكتت شوية وبعدين قالت

 

“إحنا دلوقتي بقينا لينا شكل معين قدام الناس”

 

بصيت لإيثان

 

كان ساكت

 

ولا كأنه سامع حاجة

 

جنب كرسيي كان فيه علبة كيك بالفراولة

 

أنا اللي جبتها معايا مخصوص عشان حفيدتي ليلي

 

ليلي كانت عندها أربع سنين وكانت بتحب الفراولة جدًا

 

كنت دايمًا بحاول أفرحها حتى لو أمها مش بتحب وجودي

 

كلير بصت للعلبة وقالت باستهانة

 

“إنتِ فاكرة إنك تقدري تضيفي لنا إيه أصلًا؟”

 

بصيت لها بهدوء

 

قالت وهي راجعة بضهرها على الكرسي

 

“الحب حلو يا إليانور”

 

وبعدين ابتسمت ابتسامة باردة

 

“بس الحب مش بيدي مكانة ولا بيفتح فرص ولا بيعمل علاقات مهمة”

 

في اللحظة دي حسيت إن حاجة جوايا سكتت

 

مش اتكسرت

 

لأ

 

سكتت

 

لأنهم كانوا خلاص قرروا مين أنا في نظرهم

 

ست كبيرة فقيرة

 

ملهاش قيمة

 

وجودها عبء

 

وأم ابنهم اللي المفروض تفضل عارفة حدودها

 

لكنهم كانوا مش عارفين حاجة واحدة

 

الحقيقة اللي محدش في الترابيزة دي كان يعرفها

 

وفي نفس اللحظة تقريبًا دخل الشيف التنفيذي للمطعم إلى قاعة الطعام

 

وأول ما عينه وقعت عليّ وقف مكانه

 

وبعدين بدأ يمشي ناحيتي

 

وقبل ما يوصل للترابيزة بثواني

 

أنا عرفت إن اللحظة اللي سكت فيها سنين طويلة

 

يمكن تكون أخيرًا انتهت

 

لأن اللي هيحصل بعد كده كان كفيل إنه يغيّر نظرة كل واحد في الترابيزة دي ليا للأبد.بما اني عندي حظر تعليقات فباقي القصه هاتلاقيها علي الصفحه دي. عالم السطور وهناك اعملي متابعه عشان يوصلك

كل جديد ❤❤❤❤❤❤❤

@أبرز المعجبين

 

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

وقف الشيف التنفيذي قدام ترابيزتنا للحظات من غير ما يتكلم

 

كان راجل في أواخر الخمسينات تقريبًا وشعره بدأ يشيب من الجانبين وكان لابس بدلته البيضاء الأنيقة والجاكت بتاعه عليه اسم المطعم مطرز بخيط ذهبي

 

لكن الغريب إن ملامحه اتغيرت تمامًا أول ما شافني

 

الابتسامة اللي كانت على وشه وهو بيتكلم مع مدير الصالة اختفت وحل مكانها تعبير من الدهشة والاحترام

 

قرب مني وقال

 

“مدام إليانور؟”

 

رفعت عيني له وقلت

 

“أيوه”

 

فابتسم ابتسامة عريضة ومد إيده لي

 

“أنا سامي رشدي الشيف التنفيذي هنا”

 

بصيت لإيده للحظة وبعدين صافحته

 

قال بصوت واضح

 

“مش مصدق إن حضرتك رجعتي هنا تاني”

 

كلير اتحركت في كرسيها وبصت لإيثان بسرعة

 

أما أهلها فبقوا ساكتين

 

إيثان رفع عينه لأول مرة

 

الشيف كمل

 

“حضرتك مش هتصدقي إحنا اتكلمنا عنك قد إيه في المطبخ”

 

ضحكت ضحكة خفيفة وقلت

 

“عنّي أنا؟”

 

قال

 

“طبعًا عن حضرتك”

 

وبص للترابيزة كلها وقال

 

“الست اللي قدامي دي هي صاحبة الفضل في إن المطعم ده موجود بالشكل اللي هو عليه دلوقتي”

 

حصل صمت تام

 

كلير رمشت كذا مرة

 

وقالت بنبرة فيها ارتباك

 

“تقصد إيه؟”

 

الشيف بص لها باحترام وقال

 

“أقصد إن مدام إليانور كانت واحدة من أهم الناس اللي ساعدوا مؤسس المطعم في بدايته”

 

كلير ضحكت ضحكة صغيرة متوترة

 

“يمكن حضرتك تقصد واحدة تانية”

 

الشيف هز راسه

 

“لا يا مدام كلير أنا أقصد إليانور هايز بنفسها”

 

بص لي وقال

 

“حضرتك لسه محتفظة بالمفتاح القديم؟”

 

اتنفست ببطء

 

وبعدين فتحت شنطتي وطلعت سلسلة مفاتيح صغيرة

 

فيها مفتاح نحاسي قديم

 

حطيته قدام الشيف

 

أول ما شافه عينه لمعت

 

قال

 

“لسه معاكي”

 

قلت

 

“عمري ما قدرت أرميه”

 

الشيف مسك المفتاح بحذر كأنه ماسك قطعة من تاريخ المكان

 

وبعدين قال

 

“المفتاح ده كان بتاع أول باب مطبخ للمطعم”

 

أهل كلير بقوا بيبصوا لبعض

 

وأنا رجعت بظهري للكرسي

 

وقلت

 

“الموضوع قديم”

 

الشيف ابتسم

 

“قديم آه بس عمره ما يتنسي”

 

وسكت لحظة وبعدين قال

 

“أنا فاكر أول يوم قابلت حضرتك”

 

بصيت له وقلت

 

“وأنا فاكرة”

 

وهنا بدأ كل شيء يرجع قدامي

 

من عشرين سنة

 

كان المطعم ده مجرد مطبخ صغير في شارع جانبي

 

مكان متهالك بإيجار متأخر وديون على صاحبه

 

صاحب المطعم وقتها كان اسمه يوسف

 

راجل طيب لكن متهور

 

كان عنده حلم كبير أكبر من إمكانياته

 

وكان بيحاول يعمل أكل مختلف عن أي مكان حواليه

 

لكن مفيش زباين

 

ولا فلوس

 

ولا حتى قدرة يشتري مكونات كويسة

 

وأنا وقتها كنت بشتغل في مطبخ مدرسة الصبح

 

وبالليل كنت بروح أساعد في المطعم ده ساعات

 

مش عشان فلوس

 

لكن لأن يوسف كان جارنا وكان عنده بنت صغيرة مريضة ومراته كانت بتساعده

 

كنت بروح أطبخ وأرتب وأعمل اللي أقدر عليه

 

وفي يوم حصلت أزمة كبيرة

 

الطباخ الأساسي مشي

 

وكان عندهم حجز مهم جدًا

 

مفيش حد يعرف يعمل القائمة المطلوبة

 

فدخلت المطبخ واشتغلت

 

عملت لهم وصفة قديمة كانت أمي بتعملها

 

طبق بسيط جدًا

 

لكن الناس اتجننت عليه

 

الطلب اتكرر

 

وبعدها تكرر تاني

 

وبدأ اسم المطعم ينتشر

 

يوسف وقتها عرض عليا شراكة

 

أنا رفضت

 

قلت له

 

“أنا عندي ابني ومسؤوليتي كبيرة”

 

فقال

 

“يبقى خدي نسبة من الأرباح بدل الشراكة”

 

وافقت

 

ومع السنين المطعم كبر

 

وبقى له فروع

 

وبقى مكان مشهور

 

لكن أنا فضلت بعيدة

 

لأن كان عندي إيثان

 

وكان هدفي الوحيد إني أعلمه وأربيه

 

ولما يوسف مات

 

ابنه استلم الإدارة

 

وبعت لي نصيبي من الأرباح كل سنة

 

لكن أنا ما كنتش بصرف منه على نفسي

 

كنت بحط جزء كبير منه في تعليم إيثان

 

وبنيت له مستقبله وأنا ساكتة

 

حتى إيثان نفسه ما كانش يعرف الحقيقة كاملة

 

كان فاكر إن أمه مجرد ست اشتغلت طول عمرها في المطابخ

 

وده كان صحيح

 

لكن ما كانش يعرف إن جزء من المطعم اللي كانوا قاعدين فيه النهارده كان باسمي

 

الشيف سامي قال

 

“لو حضرتك تسمحي لي أقول لهم”

 

بصيت له

 

قلت

 

“قول”

 

ابتسم

 

وبص للترابيزة

 

“مدام إليانور كانت شريكة قديمة في تأسيس المكان”

 

كلير شهقت

 

“شريكة؟”

 

قال

 

“أيوه”

 

والد كلير مال بجسمه للأمام

 

“يعني لها أسهم هنا؟”

 

الشيف قال

 

“كانت لها”

 

كلير سألت بسرعة

 

“وكانت؟”

 

الشيف بص لي

 

فأنا جاوبت

 

“بعتها”

 

إيثان قال لأول مرة

 

“إنتِ بعتِ حصتك؟”

 

بصيت له

 

وقلت

 

“أيوه”

 

قال

 

“إمتى؟”

 

قلت

 

“من حوالي عشر سنين”

 

سكت

 

الشيف قال

 

“لكنها ما بعتش كل شيء”

 

كلير بصت له

 

“يعني إيه؟”

 

الشيف قال

 

“فضل لها جزء صغير جدًا”

 

وبعدين ابتسم

 

“والجزء ده لسه موجود”

 

إيثان وشه اتغير

 

“قد إيه؟”

 

الشيف رد

 

“أكتر مما تتخيل”

 

كلير قالت بعصبية

 

“بس أنا مش فاهمة”

 

الشيف ابتسم

 

“وده طبيعي لأن مدام إليانور عمرها ما كانت بتحب تتكلم عن فلوسها”

 

بصيت له وقلت

 

“سامي كفاية”

 

فرد باحترام

 

“حاضر”

 

وبعدين قرب مني وقال بصوت منخفض

 

“بس لازم أقول لحضرتك إن الإدارة الجديدة كانت عايزة تكلمك من فترة”

 

قلت

 

“ليه؟”

 

قال

 

“في موضوع مهم”

 

قلت

 

“موضوع إيه؟”

 

بص حوالينا

 

وقال

 

“مش هنا”

 

كلير قالت بسرعة

 

“لا طبعًا هنا”

 

وبعدين بصت لإيثان

 

“إحنا عيلة”

 

لأول مرة ابتسمت

 

وقلت

 

“العيلة؟”

 

الكلمة خرجت مني بهدوء

 

لكنها وجعت أكتر من أي صرخة

 

إيثان نزل عينه تاني

 

الشيف فهم

 

وقال

 

“مدام إليانور لو تسمحي لي أقابلك بعد العشا”

 

قلت

 

“مفيش مشكلة”

 

وبعدين قام

 

وقبل ما يمشي قال

 

“والحساب كله علينا الليلة”

 

كلير اتجمدت

 

قالت

 

“إزاي؟”

 

الشيف بص لها وقال

 

“دي أقل حاجة تتعمل”

 

ومشي

 

فضل الصمت على السفرة

 

وبعد ثواني كلير قالت

 

“إنتِ مخبية علينا كل ده؟”

 

بصيت لها

 

وقلت

 

“إنتِ عمرك ما سألتي”

 

قالت

 

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى