روايات وقصص

اختارت اكون ام حكايات صافي هاني

جوزي بصلي في وشي وأنا بالعافية واقفة على حيلي من قلة النوم وقاللي: «إنتِ اللي اخترتي تبقي أم، يبقى ابتدي اتصرفي كأم ودبري نفسك».

 

بعد أربع أيام بس هيرجع يفتح باب بيتنا ويكتشف إني فعلًا عملت اللي قاله بالحرف بس بطريقة عمره ما كان يتخيلها.

 

والراجل اللي كان قاعد مستنيه على كرسيه المفضل ماكانش غير بداية اللي حسام كان على وشك يفهمه.

 

أنا اسمي مريم واليوم اللي حسام استهان بيا فيه كان هو نفس اليوم اللي دمر فيه شكل جوازنا اللي كان فاكر إنه هيستحمل أي حاجة.

 

يوم الخميس بدأ الساعة ٤:١٧ الفجر لما ليلى صحيت تصرخ.

 

وبعدها الساعة ٥:٠٢ فاطمة صحيت وبدأت تعيط هي كمان.

 

لحد الساعة سبعة كنت غيرت خمس حفاضات وغسلت تلات ببرونات وشغلت الغسالة وسخنت نفس فنجان القهوة مرتين وعيطت مرة واحدة في البانتري علشان محدش يشوفني.

 

وبعدها حسام نزل من فوق.

 

مستحمي.

 

حالق دقنه.

 

وريحته كلها برفان غالي.

 

شنطته كانت محطوطة جنب باب الشقة.

 

بصيت لها.

 

وقلتله: «إنت فعلًا هتسافر؟»

 

قاللي: «مريم إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده».

 

لأ.

 

هو اللي كان بيتكلم.

 

رحلة البحيرة كان حاجزها من حوالي سنة تقريبًا قبل ما نعرف أصلًا إن في قلبين صغيرين ظاهرين في السونار.

 

أربع أيام في شرم الشيخ مع تلاتة من أصحابه من أيام الجامعة.

 

صيد.

 

وخروجات.

 

وسهر.

 

ومن غير زوجات.

 

ومن غير أطفال.

 

لما البنات اتولدوا كنت متأكدة إنه هيلغي الرحلة.

 

ولما بقوا عندهم تلات شهور بطلت أتوقع وبدأت أسأله بشكل مباشر.

 

وفي كل مرة كان بيرد ويقول: «نشوف الدنيا هتبقى عاملة إزاي وقتها».

 

ودلوقتي إحنا عرفنا الدنيا عاملة إزاي.

 

ليلى عندها ارتجاع وبدأت تسنن بدري.

 

وفاطمة بعد ما كانت بتنام خمس ساعات متواصلة بقت تصحى كل ساعتين تقريبًا.

 

وأنا كنت مرهقة لدرجة إني كنت هنام وأنا قاعدة وأنا برضع فاطمة الساعة تلاتة الفجر.

 

بصيت لحسام وقلتله: «حسام أنا بطلب منك ماتسافرش».

 

اتنهد وقال: «أنا دفعت نصيبي خلاص».

 

قلتله: «أنا مش فارق معايا الفلوس».

 

قال: «بقالنا سنتين مااتجمعناش كلنا سوا».

 

في اللحظة دي ليلى عيطت من الصالة.

 

غمضت عيني.

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

 

وقلتله: «أنا بجد مش عارفة هقدر أعمل الأربع ليالي لوحدي دلوقتي ولا لأ».

 

المفروض الكلام ده كان يكفي.

 

بس ماكفاش.

 

قال: «دول عيال صغيرة يا مريم».

 

بصيتله.

 

وقلت: «أنا عارفة».

 

قال: «أمي كانت بتربي تلات عيال».

 

قلتله: «وأمك كان معاها أبوك».

 

بص على ساعة الميكروويف.

 

العربية اللي هتيجي تاخده هتوصل بعد اتناشر دقيقة.

 

قال: «عايزاني أعمل إيه؟ أكلم أصحابي الصبح وأقولهم مش هقدر أروح علشان مراتي تعبانة؟»

 

الطريقة اللي قال بيها كلمة «تعبانة» خلت حاجة جوايا تبرد.

 

قلتله: «أنا عايزاك تقول إن بنتينك اللي عندهم ست شهور محتاجين أبوهم وأمهم جنبهم دلوقتي».

 

رد بمنتهى البرود: «دي أربع أيام بس».

 

قلت: «عارفة».

 

قال: «إنتِ تقدري تستحملي الأربع أيام».

 

بصيتله وقلت: «أنا بقولك إني مش متأكدة إني أقدر».

 

شد فكه بعصبية.

 

وبعدين شال شنطته.

 

وقاللي: «إنتِ اللي اخترتي تبقي أم».

 

مسك الشنطة وقال: «يبقى ابتدي اتصرفي كأم ودبري نفسك».

 

ما رديتش.

 

في اللحظة دي سمعنا كلاكس العربية برا.

 

قال: «بصي أنا ماكنتش أقصد…»

 

قاطعته بهدوء: «عربيتك وصلت».

 

قرب من البنتين وباسهم.

 

وبعدين باسني على خدي.

 

وقال: «أنا بحبك».

 

ما رديتش.

 

باب الشقة اتقفل.

 

وبعد تلاتين ثانية بس ليلى بدأت تصرخ.

 

وفاطمة لحقت بيها.

 

وأنا وقفت بين سريرين البنات وأنا شايلة كل واحدة في دراع وببص من الشباك على عربية صاحب حسام وهي بتبعد في الشارع.

 

أربع أيام عدوا.

 

وفي اليوم الرابع بالليل نور العربية انعكس على حيطة الصالة.

 

باب العربية اتقفل.

 

والمفتاح دخل في كالون باب الشقة.

 

حسام دخل وهو بيبتسم.

 

لكن أول ما رفع عينه شاف راجل قاعد على كرسيه المفضل وشايل واحدة من بناته وهي نايمة على صدره.

 

الشنطة وقعت من إيده.

 

وقال بصوت مليان صدمة:

 

«مين ده؟»

 

الراجل رفع راسه وبصله.

 

ملامح حسام اتغيرت في لحظة.

 

لأنه كان عارفه كويس جدًا.

ملحوظة القصة الكاملة ستجدها مثبتة في التعليقات علي الصفحه دي عالم السطور 👉🏻 مش في الجروبات اضغط بس ع اسم الصفحه هايطلعلك البوست باللينك ❤❤❤

 

👇👇👇 الحكاية كاملة في ألتعليقات علي الصفحه

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

 

الراجل رفع راسه وبصله.

 

ملامح حسام اتغيرت في لحظة.

 

لأنه كان عارفه كويس جدًا.

 

قال حسام بصوت واطي:

 

«عمي صبري؟!»

 

الراجل قام من على الكرسي بهدوء وهو لسه شايل ليلى.

 

وقال:

 

«أيوه يا حسام.»

 

حسام فضل واقف مكانه كأنه مش قادر يستوعب.

 

بصلي.

 

وبعدين بص لعمه.

 

وقال:

 

«إنتِ جبتيه هنا؟»

 

رديت بهدوء:

 

«أيوه.»

 

«إزاي؟»

 

«ببساطة.»

 

«ببساطة إيه يا مريم؟!»

 

قرب خطوة.

 

«إنتِ عارفة إن عمي صبري مش بيدخل بيتنا من سنين.»

 

عمه بص له وقال:

 

«وأنا ما دخلتش غير لما مريم طلبت مني.»

 

حسام لف ناحيتي.

 

«إنتِ اتصلتي بيه؟»

 

هزيت راسي.

 

«أيوه.»

 

«ليه؟»

 

بصيت على ليلى اللي كانت نايمة في حضن عمها.

 

وقلت:

 

«علشان إنت قلتلي أدبر نفسي.»

 

سكت.

 

وأنا كملت:

 

«فدبرت نفسي.»

 

حسام حط إيده على رأسه.

 

«مريم، إنتِ فاهمة إنتِ عملتي إيه؟»

 

قلت:

 

«فاهمة.»

 

«إنتِ جبتي عمي هنا من غير ما تقوليلي؟»

 

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

 

«وإنت سافرت أربع أيام من غير ما تسألني أنا هعمل إيه.»

 

اتجمد مكانه.

 

عمه صبري مد إيده ناحية ليلى وقال:

 

«هاتها يا مريم، أنا هحطها في سريرها.»

 

قلتله:

 

«خليها شوية.»

 

وبعدين بصيت لحسام.

 

«إنت تعبان؟»

 

قال بعصبية:

 

«أنا؟!»

 

«آه.»

 

«أنا راجع من سفر.»

 

قلت:

 

«عارفة.»

 

«أربع ساعات على الطريق.»

 

قلت:

 

«عارفة.»

 

«وأول ما أدخل بيتي ألاقي راجل غريب قاعد على كرسيي؟»

 

ضحكت لأول مرة من أربع أيام.

 

وقلت:

 

«هو مش غريب.»

 

عمه صبري ابتسم.

 

وحسام قال:

 

«بالنسبالي غريب.»

 

رد عمه بهدوء:

 

«علشانك قاطعني من تمنتاشر سنة.»

 

الصالة سكتت.

 

حتى ليلى حركت راسها في حضن الراجل.

 

حسام بصله.

 

«عمي إحنا مش هنفتح الكلام ده دلوقتي.»

 

قال صبري:

 

«أنا ما فتحتش حاجة.»

 

وبصلي.

 

«مريم هي اللي طلبت مني أجيلها.»

 

حسام قرب مني.

 

«طلبتي منه يعمل إيه؟»

 

قلت:

 

«ولا حاجة.»

 

«ولا حاجة؟»

 

«ساعدني.»

 

«في إيه؟»

 

«في إن البيت يفضل واقف على رجليه.»

 

ضحك ضحكة قصيرة مليانة عصبية.

 

«أنا مش فاهم.»

 

قلت:

 

«طبيعي.»

 

وسكت شوية.

 

وبعدين قلت:

 

«لأنك طول عمرك فاكر إن البيت ده واقف عليك لوحدك.»

 

اتغيرت ملامحه.

 

قلت:

 

«وأنا اكتشفت في الأربع أيام اللي فاتوا إنه واقف على حاجات كتير جدًا.»

 

عمه صبري حط ليلى في سريرها.

 

وفاطمة كانت نايمة في السرير التاني.

 

البيت كان هادي.

 

نضيف.

 

مرتب.

 

ريحة أكل طالعة من المطبخ.

 

الغسيل متطبق.

 

الأطباق متغسلة.

 

الحفاضات متحطوطة في درج مخصوص.

 

والرضعات متحضرة.

 

حسام بص حوالين الصالة.

 

وبعدين سأل:

 

«إنتِ عملتي كل ده؟»

 

قلت:

 

«أنا وعمي صبري.»

 

قال:

 

«عمي صبري؟»

 

«أيوه.»

 

«هو قعد هنا الأربع أيام؟»

 

«أيوه.»

 

«كل الأربع أيام؟»

 

«أيوه.»

 

سكت.

 

وبعدين قال:

 

«ومين كان بيجيب الأكل؟»

 

قلت:

 

«طلبنا.»

 

«ومين كان بيهتم بالبنتين بالليل؟»

 

قلت:

 

«أنا وعمي صبري.»

 

«إنتِ نمتي؟»

 

بصيتله.

 

وقلت:

 

«آه.»

 

لأول مرة من شهور كنت أقدر أقولها بصدق.

 

«نمت.»

 

حسام فضل باصصلي.

 

يمكن لأول مرة شافني من غير ما يشوفني كجزء من أثاث البيت.

 

شافني ست مرهقة.

 

بس مش مكسورة.

 

شافني أم.

 

بس مش لوحدها.

 

شافني إنسانة قدرت تنقذ نفسها من الانهيار لما هو قرر يسيبها.

 

عمه صبري لبس جزمته.

 

وقال:

 

«أنا هروح.»

 

حسام قال:

 

«استنى.»

 

صبري وقف.

 

حسام بصله وقال:

 

«إنت ليه وافقت تيجي؟»

 

قال:

 

«علشان هي طلبت.»

 

«بس أنا…»

 

قاطعه:

 

«إنت ما طلبتش مني حاجة يا حسام.»

 

سكت.

 

صبري قرب منه.

 

وقال:

 

«بس افتكر حاجة.»

 

حسام رفع عينه.

 

«إيه؟»

 

«أبوك لما مات، إنت كنت عندك تمنتاشر سنة.»

 

ملامح حسام اتشدت.

 

«أنا فاكر.»

 

«وأنا اللي وقفت جنبك.»

 

حسام ما ردش.

 

«وأنا اللي كنت بدفع مصاريف كليتك لما أمك كانت مش قادرة.»

 

«فاكر.»

 

«وأنا اللي كنت بوصلك الشغل أول سنة.»

 

«فاكر.»

 

«وبعدين حصلت خناقة بينا.»

 

حسام قال:

 

«خلاف.»

 

صبري هز راسه.

 

«سمه زي ما تحب.»

 

وبعدين بصلي.

 

«أنا مش جاي آخد مكان أبوها.»

 

بص لحسام.

 

«ولا جاي آخد مكانك.»

 

وسكت لحظة.

 

«أنا جيت علشان مريم ما كانتش عارفة تنام وهي شايلة بنتين، وإنت كنت في شرم بتتصور قدام البحر.»

 

حسام وشه احمر.

 

«عمي.»

 

«أنا مش بهاجمك.»

 

«بس بتلومني.»

 

«أنا بوصف اللي حصل.»

 

حسام سكت.

 

صبري فتح الباب.

 

وقبل ما يخرج قال:

 

«وأنت يا حسام، لو عايز تعرف مريم عملت إيه في الأربع أيام، اسألها.»

 

وبعدين خرج.

 

الباب اتقفل.

 

فضلنا أنا وحسام لوحدنا.

 

أو المفروض كده.

 

لأن ليلى بدأت تتحرك.

 

وفاطمة طلعت صوت صغير.

 

حسام بص عليهم.

 

وقلت:

 

«ماتصحّيش فاطمة.»

 

قال:

 

«هي محتاجة إيه؟»

 

قلت:

 

«ممكن تجوع بعد شوية.»

 

«طب أعمل إيه؟»

 

«الرضعة جاهزة في التلاجة.»

 

فتح بقه.

 

وقبل ما يتكلم قلت:

 

«تسخنها في طبق مية دافية. مش في الميكروويف.»

 

بصلي.

 

وقال:

 

«إنتِ بتتكلمي معايا كأني أول مرة أشوف بنتي.»

 

قلت:

 

«لأنك أول مرة هتتعامل معاها لوحدك.»

 

الكلمة نزلت عليه تقيلة.

 

«مريم…»

 

قاطعته:

 

«أنا مش عايزة خناقة.»

 

«وأنا كمان.»

 

«يبقى اسمعني.»

 

سكت.

 

«أنا الأربع أيام دول عملت اللي طلبته مني.»

 

«إزاي؟»

 

«دبرت نفسي.»

 

«أنا شايف.»

 

«لأ.»

 

بصيت في عينه.

 

«إنت لسه مش شايف.»

 

وقفت.

 

دخلت المطبخ.

 

طلعت ورقة وحطيتها قدامه على الترابيزة.

 

قال:

 

«إيه دي؟»

 

قلت:

 

«جدول.»

 

«جدول إيه؟»

 

«جدول البيت.»

 

بص في الورقة.

 

كان فيها مواعيد الرضاعة.

 

مواعيد النوم.

 

الأدوية البسيطة اللي وصفها الطبيب لليلى.

 

مواعيد التنضيف.

 

أرقام تلات ستات من منطقتنا.

 

رقم عم صبري.

 

رقم والدتي.

 

ورقم جارتنا أم أحمد.

 

قال:

 

«إنتِ عملتي شبكة مساعدة؟»

 

قلت:

 

«أيوه.»

 

«من إمتى؟»

 

«من أول يوم.»

 

«مين قالك تعملي كده؟»

 

قلت:

 

«إنت.»

 

رفع عينه.

 

«أنا؟»

 

«أيوه.»

 

«إمتى؟»

 

«لما قلتلي دَبّري نفسك.»

 

سكت.

 

«أنا فهمت كلامك حرفيًا.»

 

حسام قعد.

 

حط إيده على جبهته.

 

«أنا كنت أقصد…»

 

قاطعته:

 

«عارفة كنت تقصد إيه.»

 

«طب؟»

 

«كنت تقصد إن مسؤولية البنات مسؤوليتي.»

 

«لا.»

 

«كنت تقصد إن السفر أهم من إنك تقعد معانا.»

 

«لا.»

 

«كنت تقصد إن الأربع أيام مش مشكلة.»

 

«أنا غلطت.»

 

كانت أول مرة يقولها.

 

ببساطة.

 

من غير تبرير.

 

ومن غير ما يضيف بعدها كلمة “بس”.

 

أنا سكت.

 

هو كمل:

 

«أنا غلطت.»

 

قعدت قدامه.

 

«وأنا مش هطلب منك تعتذر عشان أسامحك.»

 

بصلي.

 

«أنا عايزة أعرف إنت فهمت إيه.»

 

قال:

 

«إنك كنتِ تعبانة.»

 

«بس؟»

 

«وإن البنات محتاجيننا.»

 

«بس؟»

 

هز راسه.

 

«وإن أنا اتعاملت مع الموضوع كأنه مشكلتك لوحدك.»

 

سكت.

 

قلت:

 

«كمل.»

 

قال:

 

«وإن البيت ده مش فندق أرجعله وقت ما أحب.»

 

سكت.

 

«وإن وجودي مش مجرد فلوس ومصاريف.»

 

سكت.

 

وبعدين قال:

 

«وإنك مش خدامة عندي.»

 

كانت الكلمة الأخيرة صعبة عليه.

 

لكن قالها.

 

أنا بصيت في الأرض.

 

لأني كنت مستنية الجملة دي من شهور.

 

مش عشان أسمعها.

 

عشان أصدق إنها وصلت له.

 

وفجأة ليلى بدأت تعيط.

 

حسام قام بسرعة.

 

أنا مدتش إيدي.

 

قلت:

 

«روح لها.»

 

راح.

 

وقف جنب سريرها.

 

حاول يشيلها.

 

ليلى زادت في العياط.

 

قال:

 

«هي ليه بتعيط؟»

 

قلت:

 

«ممكن تكون جعانة.»

 

«الرضعة؟»

 

«أيوه.»

 

راح المطبخ.

 

فتح التلاجة.

 

طلع الرضعة.

 

بصلي.

 

«أحطها في طبق؟»

 

هزيت راسي.

 

حط مية دافية.

 

فضل مستني.

 

وبعدين اختبر حرارتها.

 

رجع لها.

 

قعد على الكنبة.

 

وحاول يرضعها.

 

ليلى كانت بتعيط.

 

إيده اتوترت.

 

قلت:

 

«ارفع راسها شوية.»

 

عمل كده.

 

«بهدوء.»

 

عمل كده.

 

وبعد دقايق سكتت.

 

حسام بص للبنت.

 

ولأول مرة من شهور، شفت عينه بتلمع.

 

قال:

 

«هي بتكبر.»

 

قلت:

 

«أيوه.»

 

«أنا فاتني كتير.»

 

«أيوه.»

 

«مريم.»

 

«نعم؟»

 

«أنا آسف.»

 

سكت.

 

قال:

 

«مش على السفر بس.»

 

بصيتله.

 

«على كل مرة سيبتك لوحدك وإنتِ محتاجاني.»

 

ما رديتش.

 

«وعلى كل مرة قلتلك دي مسؤوليتك.»

 

سكت.

 

«وعلى إني خليتك تحسي إنك لازم تثبتي إنك أم علشان تستحقي مساعدة.»

 

نزلت دمعة من عيني.

 

مسحتها بسرعة.

 

قال:

 

«أنا عايز أصلح ده.»

 

قلت:

 

«الإصلاح مش كلمة.»

 

«عارف.»

 

«ومش هيتصلح في ليلة.»

 

«عارف.»

 

«ومش هقبل إنك تبقى كويس أسبوع وبعدين نرجع لنفس الكلام.»

 

هز راسه.

 

«مش هرجع.»

 

بصيت للبنتين.

 

وبعدين قلت:

 

«بكرة الصبح عندنا دكتور.»

 

«ليلى؟»

 

«الاتنين.»

 

«أنا هاجي.»

 

«عندك شغل.»

 

«هأجل.»

 

بصيتله.

 

«متأكد؟»

 

قال:

 

«أيوه.»

 

ولأول مرة ما حسيتش إنه بيعمل حاجة علشاني.

 

حسيت إنه بيعمل حاجة علشان هو أبوهم.

 

الليلة دي كانت مختلفة.

 

حسام نام في الصالة.

 

مش لأنه طردته.

 

هو اللي اختار.

 

قال:

 

«أنا عايز أصحى لو واحدة فيهم عيطت.»

 

قلت:

 

«مش هتسمعهم.»

 

قال:

 

«هتعلم.»

 

وفعلًا.

 

الساعة ١:٤٠ بالليل، ليلى بدأت تعيط.

 

حسام قام قبل ما أنا أفتح عيني.

 

سمعته بيتخبط في الترابيزة.

 

وقال:

 

«آه… آه… حاضر.»

 

ضحكت وأنا مغمضة.

 

راح للبنت.

 

وبعد دقايق سمعت صوته:

 

«مريم…»

 

قلت:

 

«نعم؟»

 

«هي عملت حفاضتها.»

 

«غيرها.»

 

«أنا مش عارف.»

 

فتحت عيني.

 

وقلت:

 

«تعالى.»

 

قال:

 

«لأ.»

 

«ليه؟»

 

«أنا اللي هعمل.»

 

قمت.

 

وقفت عند باب الصالة.

 

وهو بدأ يحاول.

 

اتلخبط.

 

فتح الحفاضة بالعكس.

 

قفلها غلط.

 

البنت بدأت تضحك بطريقة الأطفال الصغيرة.

 

حسام ضحك.

 

وقال:

 

«إنتِ بتضحكي عليا يا ليلى؟»

 

بصيتله.

 

وقلت:

 

«دي أول مرة أشوفك بتغير حفاضة.»

 

قال:

 

«آخر مرة مش هتكون.»

 

وفعلًا ما كانتش آخر مرة.

 

الأيام اللي بعدها بدأت تتغير حاجات صغيرة.

 

حسام بقى بيرجع من الشغل بدري يومين في الأسبوع.

 

وبقى يعرف مين ليلى ومين فاطمة من غير ما يسأل.

 

بقى يعرف إن ليلى بتحب تنام على جنب معين.

 

وإن فاطمة لما تتعب بتحرك إيدها اليمين.

 

وبقى يحفظ مواعيدهم.

 

لكن أهم حاجة حصلت بعد أسبوع.

 

حسام رجع من الشغل.

 

وقال:

 

«مريم.»

 

«نعم؟»

 

«أنا عندي اقتراح.»

 

«قول.»

 

«أنا هجيب حد يساعدك.»

 

سكت.

 

قال:

 

«مش خدامة.»

 

«عارفة.»

 

«مساعدة منزلية كام ساعة في اليوم.»

 

«مش محتاجة.»

 

«إنتِ محتاجة.»

 

بصيتله.

 

«أنا مش هرفض المساعدة.»

 

ابتسم.

 

«يبقى اتفقنا.»

 

قلت:

 

«بس بشرط.»

 

«إيه؟»

 

«إنك تفضل أب.»

 

سكت.

 

قلت:

 

«المساعدة مش هتربي بناتك بدالك.»

 

قال:

 

«ولا إنتِ هتربيهم بدالي.»

 

ابتسمت.

 

«اتفقنا.»

 

ومرت الشهور.

 

كنت فاكرة إن اللي حصل في الأربع أيام دي انتهى.

 

لكن بعد حوالي شهرين، حسام دخل البيت ومعاه ظرف بني.

 

قال:

 

«مريم، محتاج أكلمك.»

 

قلبي اتقبض.

 

«في إيه؟»

 

قعد.

 

«الشغل عندي حصل فيه مشكلة.»

 

«مشكلة إيه؟»

 

«الشركة داخلة في إعادة هيكلة.»

 

«يعني؟»

 

«ممكن أخسر منصبي.»

 

سكت.

 

«وممكن المرتب يقل.»

 

قربت منه.

 

«إنت خايف؟»

 

قال:

 

«أيوه.»

 

كانت أول مرة يقولها.

 

قلت:

 

«طب تعال.»

 

قعد جنبي.

 

قلت:

 

«فاكر لما قلتلي دَبري نفسك؟»

 

ابتسم ابتسامة حزينة.

 

«فاكر.»

 

«دلوقتي دوري أقولك نفس الجملة.»

 

بصلي.

 

«دبّر نفسك.»

 

ضحك.

 

«إنتِ بتنتقمي؟»

 

ضحكت.

 

«لأ.»

 

وبعدين حطيت إيدي على إيده.

 

«بس المرة دي مش هتدبر نفسك لوحدك.»

 

بصلي.

 

«هنعملها سوا.»

 

سكت.

 

وبعدين قال:

 

«إنتِ عارفة إن أنا ما استاهلش واحدة زيك؟»

 

هزيت راسي.

 

«ما تقولش كده.»

 

«ليه؟»

 

«علشان أنا مش جايزة.»

 

ضحك.

 

«أومال إنتِ إيه؟»

 

قلت:

 

«شريكتك.»

 

فضل باصصلي.

 

وقال:

 

«أنا ضيعت سنتين وأنا فاكر إن الرجولة إني أجيب فلوس وأرجع البيت.»

 

قلت:

 

«وإيه اللي اكتشفته؟»

 

قال:

 

«إن الرجولة إني أشيل مع اللي شايلني.»

 

مرت سنة كاملة.

 

ليلى وفاطمة بقوا يمشوا.

 

البيت بقى مليان لعب.

 

الحياة بقت أسرع.

 

وأصعب.

 

لكن ما بقيتش لوحدي.

 

وفي يوم عيد ميلاد البنات الأول، حسام عمل حاجة ما توقعتهاش.

 

جمع أهله.

 

وعمه صبري كان موجود.

 

وأول ما شافه، راح حضنه.

 

وقال:

 

«سامحني.»

 

صبري ربت على ضهره.

 

وقال:

 

«أنا كنت مستنيك تقولها.»

 

حسام ضحك.

 

وبعدين بصلي.

 

«مريم.»

 

«نعم؟»

 

«عايز أقول حاجة قدام الكل.»

 

بصيتله.

 

قال:

 

«من سنة أنا قلت لمراتي: إنتِ اللي اخترتي تبقي أم، دَبري نفسك.»

 

الكل سكت.

 

حسام كمل:

 

«والحقيقة إن اللي كان محتاج يتعلم معنى الأبوة وقتها هو أنا.»

 

عمه صبري ابتسم.

 

حسام قرب مني.

 

وقال:

 

«هي دبرت نفسها فعلًا.»

 

وبص للبنتين.

 

«بس بدل ما تسيبني وراها، علمتني ألحق بيها.»

 

دموعي نزلت.

 

ليلى كانت ماسكة بالونة.

 

وفاطمة بتضحك.

 

والبيت كله كان مليان صوت.

 

بعد الحفلة، لما الناس مشيت، قعدنا أنا وحسام في البلكونة.

 

الليل كان هادي.

 

قال:

 

«فاكرة أول ليلة رجعت فيها؟»

 

ضحكت.

 

«أنساها إزاي؟»

 

«أنا دخلت لقيت عمي قاعد على كرسيي.»

 

«كان كرسيك فعلًا.»

 

«لسه مش قادر أنسى منظري.»

 

ضحكت.

 

«كنت شبه واحد دخل بيته بالغلط.»

 

قال:

 

«أنا فعلًا كنت داخل بيتي لأول مرة.»

 

بصيتله.

 

«يعني إيه؟»

 

قال:

 

«قبلها كنت فاكر البيت مكان برجعله.»

 

وسكت.

 

«بعدها فهمت إنه مكان أنا مسؤول عنه.»

 

بصيت للبنات اللي نايمين جوه.

 

قلت:

 

«وإنت عرفت ليه عمي صبري كان موجود؟»

 

قال:

 

«أيوه.»

 

«إيه؟»

 

ابتسم.

 

«لأنك ما كنتيش بتعاقبيني.»

 

«لأ.»

 

«إنتِ كنتِ بتورييني إن الإنسان لما يرفض المساعدة، مش بيبقى أقوى.»

 

سكت.

 

«وأنا كنت فاكر إن طلب المساعدة ضعف.»

 

قلت:

 

«وطلع إيه؟»

 

قال:

 

«الضعف إني أسيب اللي بحبهم محتاجين وأنا واقف أتفرج.»

 

فضلنا ساكتين.

 

وبعدين حسام قام.

 

دخل الصالة.

 

رجع بعد ثواني شايل فاطمة.

 

قال:

 

«هي صحيت.»

 

قلت:

 

«هاتها.»

 

قال:

 

«لأ.»

 

«ليه؟»

 

ابتسم.

 

«دوري.»

 

بصيتله.

 

«هتعمل إيه؟»

 

قال:

 

«أتصرف كأب.»

 

ضحكت.

 

وهو رجع يقعد وهو شايلها.

 

في اللحظة دي افتكرت أول جملة قالها لي.

 

افتكرت الساعة ٧ الصبح.

 

افتكرت شنطته.

 

افتكرت العربية وهي بتبعد.

 

افتكرت دموعي وأنا واقفة بين سريرين.

 

وافتكرت الأربع أيام.

 

الأربع أيام اللي كنت فاكرة في بدايتها إني لازم أعيشهم بأي شكل.

 

لكنهم في النهاية كانوا الأربع أيام اللي غيروا شكل بيتنا كله.

 

لأن حسام لما رجع، ما لقيش زوجته منهارة ومستنية منه ينقذها.

 

لقى زوجته واقفة.

 

وأم بناته واقفة.

 

وبيت كامل واقف.

 

وعمه قاعد على كرسيه المفضل.

 

ومن يومها، الكرسي ده ما بقاش بتاع حسام لوحده.

 

بقى مكان بيقعد عليه كل حد ساعد البيت ده يفضل واقف.

 

وعمي صبري كان أول واحد.

 

وفي ليلة هادية بعد سنتين، كنا قاعدين كلنا في الصالة.

 

ليلى كانت بتذاكر.

 

وفاطمة كانت بتلون.

 

وحسام في المطبخ بيحاول يعمل العشا.

 

وفجأة نادى:

 

«مريم!»

 

قلت:

 

«نعم؟»

 

قال:

 

«أنا محتاج مساعدة.»

 

ضحكت.

 

ورديت عليه:

 

«دبّر نفسك يا حسام.»

 

سكت ثانيتين.

 

وبعدين سمعت ضحكته العالية.

 

وقال:

 

«لأ يا ستي، اتعلمت الدرس.»

 

دخل الصالة.

 

وشاور على المطبخ.

 

وقال:

 

«أنا بطلب المساعدة أهو.»

 

قمت وأنا بضحك.

 

ولما دخلت المطبخ، لقيته حاطط طبق كبير على السفرة.

 

بصلي وقال:

 

«إيه رأيك؟»

 

قلت:

 

«كويس.»

 

«كويس بس؟»

 

«ممتاز.»

 

ابتسم.

 

وقال:

 

«كده أحسن.»

 

وبص للبنات.

 

وبعدين بصلي.

 

«عارفة؟»

 

«إيه؟»

 

«أنا كل ما أفتكر اليوم ده بحمد ربنا إنك ما سمعتينيش بس.»

 

قلت:

 

«سمعتك.»

 

«أمال؟»

 

قلت:

 

«نفذت كلامك بالطريقة اللي فهمتك بيها إن البيت مش بيتبني بشخص واحد.»

 

سكت.

 

وبعدين قال:

 

«وأنا اتعلمت.»

 

قرب مني.

 

وقال:

 

«بس في حاجة واحدة لسه مضايقاني.»

 

«إيه؟»

 

«إن عمي صبري لحد دلوقتي بيقول إن كرسيي بقى كرسيه.»

 

ضحكت.

 

ومن الصالة سمعنا صوت عمي صبري:

 

«علشان هو فعلًا بقى كرسيي!»

 

حسام صرخ:

 

«عمي!»

 

ضحكنا كلنا.

 

وفي اللحظة دي عرفت إن بعض الأزمات مش بتيجي علشان تهد البيت.

 

أحيانًا بتيجي علشان تكشف لك مين شايل البيت معاك.

 

ومين كان واقف جنبك من غير ما تتوقعي.

 

ومين لازم يتعلم.

 

ومين لازم يعتذر.

 

ومين لازم يفهم إن الأم مش آلة.

 

وإن الأب مش ماكينة فلوس.

 

وإن البيت مش مكان كل واحد فيه يعمل اللي عليه وخلاص.

 

البيت شراكة.

 

والأطفال مسؤولية.

 

والحب مش كلمة بتتقال قبل ما تقفل الباب وتمشي.

 

الحب الحقيقي هو إنك تفضل موجود لما اللي قدامك يكون تعبان.

 

هو إنك تشيل بنتك لما أمها ما تبقاش قادرة.

 

هو إنك تقول لمراتك «نامي وأنا هتصرف».

 

وهو إنك لما تكتشف إنك غلطت، ما تدورش على ألف مبرر.

 

تقول ببساطة:

 

«أنا غلطت.»

 

وبعدين تثبت إنك فهمت.

 

أما أنا، فكل ما حد يسألني إيه اللي حصل في الأربع أيام اللي حسام سافرهم، بقول نفس الجملة:

 

«أنا ما عملتش حاجة خارقة.»

 

«أنا بس دبرت نفسي.»

 

بس الحقيقة إن الأربع أيام دول علموني إن الست ممكن تكون مرهقة جدًا ومع ذلك تقدر تقف.

 

لكن ده مش معناه إنها لازم تقف لوحدها.

 

وعلموا حسام إن وجود الأب مش رفاهية.

 

وإن المسؤولية مش بتتقسم حسب مين عنده شغل ومين قاعد في البيت.

 

وعلمونا إحنا الاتنين إن الجواز مش إن واحد يأمر والتاني ينفذ.

 

الجواز إن اتنين يتعبوا.

 

واتنين يساعدوا بعض.

 

واتنين يعتذروا.

 

واتنين يكملوا.

 

وفي آخر الليل، لما البنات ناموا، حسام وقف عند باب أوضتهم وبص عليهم.

 

وبعدين رجعلي.

 

قال:

 

«مريم.»

 

«نعم؟»

 

«لو رجع بي الزمن لليوم ده، كنت هسافر؟»

 

بصيتله شوية.

 

وبعدين قلت:

 

«إنت عارف الإجابة.»

 

هز راسه.

 

«أيوه.»

 

قرب مني.

 

وقال:

 

«بس لو رجع الزمن، كنت هعمل حاجة تانية.»

 

«إيه؟»

 

«كنت هقعد جنبك الساعة ٧ الصبح.»

 

«وبعدين؟»

 

«أشيل واحدة من البنات.»

 

«وبعدين؟»

 

«وأقولك نامي.»

 

ابتسمت.

 

«وبعدين؟»

 

ابتسم.

 

«وأعمل قهوة جديدة بدل اللي سخنتيها مرتين.»

 

ضحكت.

 

ولأول مرة من سنين، حسيت إن الجملة اللي بدأت بيها الحكاية ماتت.

 

لأن الراجل اللي قال لي:

 

«إنتِ اللي اخترتي تبقي أم، دَبري نفسك.»

 

بقى هو نفسه الراجل اللي بيصحيني الساعة ٦ الصبح ويقول:

 

«نامي إنتِ، أنا واخد البنات النهارده.»

 

وساعتها بس فهمت إن الأربع أيام ما غيرتش حياتي أنا لوحدي.

 

هي غيرت حسام كمان.

 

وأحيانًا الإنسان مش محتاج يخسر بيته علشان يعرف قيمته.

 

محتاج بس يبص حواليه قبل ما البيت يوصله لمرحلة ما يعرفش يرجع منها.

 

وحسام لحق.

 

وأنا كمان لحقت.

 

والبنتين كبروا وسط أب وأم اتعلموا إن أقوى بيت مش البيت اللي مفيهوش مشاكل.

 

أقوى بيت هو اللي لما تحصل فيه مشكلة، أهله يقرروا يصلحوها بدل ما يسيبوا بعض.

 

ومن يومها، كل ما حسام يسافر في شغل، قبل ما يقفل باب البيت، كان يقف عند الباب ويسألني:

 

«إنتِ محتاجة حاجة؟»

 

وأنا أقول:

 

«أيوه.»

 

فيقول:

 

«إيه؟»

 

أرد:

 

«ترجع بالسلامة.»

 

فيبتسم ويقول:

 

«هارجع.»

 

وفعلًا كان بيرجع.

 

مش بس للبيت.

 

كان بيرجع لينا.

 

 

بعد ما قفلت باب البلكونة ودخلت الصالة، لقيت حسام لسه واقف مكانه وباصص ناحية أوضة البنات.

 

كان واقف ساكت.

 

والغريب إن سكوت حسام المرة دي ماكانش سكوت غضب ولا عناد ولا هروب.

 

كان سكوت واحد بيفكر.

 

قربت منه وقلت:

 

«مالك؟»

 

لف وبصلي.

 

«ولا حاجة.»

 

«أمال واقف كده ليه؟»

 

ابتسم ابتسامة صغيرة.

 

وقال:

 

«بحاول أفتكر أنا كنت بفكر إزاي زمان.»

 

ضحكت.

 

«قبل ما تتعلم؟»

 

هز راسه.

 

«قبل ما أفهم.»

 

قعد على طرف الكنبة.

 

وقال:

 

«مريم، أنا ساعات بحس إن اليوم اللي سافرت فيه ده كان أغبى يوم في حياتي.»

 

قعدت جنبه.

 

«يمكن.»

 

«بس في نفس الوقت كان أكتر يوم علمني.»

 

«إزاي؟»

 

سكت شوية.

 

«لأني لما رجعت وشفت عمي صبري قاعد هنا، افتكرت إنك عملتي حاجة علشان تغيظيني.»

 

بصيتله.

 

«وطلعت؟»

 

«طلعتِ كنتِ بتحاولي تنقذي نفسك.»

 

سكت.

 

«ودي كانت أول مرة أفهم إن الإنسان لما يوصل لآخر طاقته، مش بيكون محتاج حد يقوله استحمل.»

 

بصلي.

 

«بيكون محتاج حد يشيل معاه.»

 

ما رديتش.

 

لأني كنت عارفة إن الجملة دي لوحدها كانت كفاية.

 

حسام مد إيده ومسك إيدي.

 

«أنا آسف.»

 

قلت:

 

«عارفة.»

 

«بس أنا لسه بحس إني لازم أقولها.»

 

«قولها لو محتاج.»

 

قال:

 

«آسف يا مريم.»

 

سكت.

 

«آسف على كل مرة رجعت فيها البيت وأنا شايف التعب في عينيكي واعتبرته حاجة عادية.»

 

سكت.

 

«آسف على كل مرة كنت بتكلم عن شغلي كأنه أهم من شغلك في البيت.»

 

دموعي بدأت تنزل.

 

«وآسف إني كنت فاكر إنك طول ما إنتِ في البيت يبقى إنتِ مرتاحة.»

 

مسحت دموعي.

 

وقلت:

 

«وأنا كمان غلطت.»

 

بصلي باستغراب.

 

«إنتِ؟»

 

هزيت راسي.

 

«أيوه.»

 

«في إيه؟»

 

«إني كنت بسكت كتير.»

 

«ليه؟»

 

«علشان كنت بخاف إن كلامي يتحول لخناقة.»

 

«وطلع السكوت عمل إيه؟»

 

قلت:

 

«خلاني أوصل لمرحلة ما بقيتش عارفة أطلب فيها المساعدة غير بعد ما انهرت.»

 

سكت.

 

قال:

 

«يبقى نتفق.»

 

«على إيه؟»

 

«مفيش سكوت لحد الانفجار.»

 

ضحكت.

 

«يعني لو أنا تعبانة أقول.»

 

«ولو أنا تعبان أقول.»

 

«ولو حد فينا زعلان؟»

 

«يتكلم.»

 

«ولو اختلفنا؟»

 

«نختلف.»

 

«وبعدين؟»

 

«نرجع نتكلم.»

 

ابتسمت.

 

«ولو اتخانقنا؟»

 

قال:

 

«نخلي البنات بعيد.»

 

هزيت راسي.

 

«اتفقنا.»

 

وفجأة سمعنا صوت حاجة وقعت في أوضة البنات.

 

قمنا إحنا الاتنين في نفس اللحظة.

 

دخلنا.

 

لقينا ليلى واقفة جنب السرير، وفاطمة قاعدة على الأرض، واللعبة وقعت جنبها.

 

حسام شال فاطمة.

 

وأنا شلت ليلى.

 

قالت ليلى:

 

«بابا.»

 

حسام وقف مكانه.

 

بصلي.

 

«سمعتي؟»

 

ضحكت.

 

«أيوه.»

 

«قالت بابا.»

 

«عارفة.»

 

حضنها.

 

وقعد على الأرض.

 

كانت أول كلمة واضحة تقولها له.

 

فضل يضحك وهي بتبصله مستغربة.

 

قال:

 

«قوليها تاني.»

 

سكتت.

 

«بابا.»

 

ضحكت.

 

«بابا.»

 

قربها من وشه.

 

«أنا هنا.»

 

الجملة دي هزتني من جوايا.

 

أنا هنا.

 

يمكن دي كانت الجملة اللي كنت محتاجاها من زمان.

 

مش «أنا بحبك».

 

ولا «أنا تعبان».

 

ولا «عندي شغل».

 

ولا «بعد أربع أيام».

 

كنت محتاجة أسمع:

 

أنا هنا.

 

فضلنا قاعدين على الأرض وسط الألعاب.

 

حسام كان ماسك فاطمة.

 

وأنا ماسكة ليلى.

 

وفجأة قال:

 

«تفتكري هما لما يكبروا هيبقوا فاكرين اليوم ده؟»

 

قلت:

 

«لا.»

 

«طب إحنا هنحكي لهم؟»

 

ابتسمت.

 

«يمكن.»

 

«أنا هحكيلهم.»

 

بصيتله.

 

«هتحكيلهم إيه؟»

 

قال:

 

«هقول لهم إن أبوهم كان غبي.»

 

ضحكت بصوت عالي.

 

«حسام!»

 

قال:

 

«دي الحقيقة.»

 

«ما تقولش لبناتك إن أبوهم غبي.»

 

«هقول لهم كان غبي واتعلم.»

 

بصيتله.

 

قال:

 

«وهقول لهم إن أمهم كانت أقوى واحدة شفتها في حياتي.»

 

قلت:

 

«بلاش.»

 

«ليه؟»

 

«علشان أنا مش عايزة بناتي يتعلموا إن الست لازم تبقى قوية طول الوقت.»

 

سكت.

 

كملت:

 

«عايزة يتعلموا إن من حقها تتعب.»

 

حسام هز راسه.

 

«صح.»

 

«وعايزة يتعلموا إن من حقها تقول لأ.»

 

«صح.»

 

«وإن من حقها تطلب مساعدة.»

 

«صح.»

 

«وإن الجواز مش معناه إن طرف يشيل والتاني يتفرج.»

 

«صح.»

 

ابتسم.

 

«إنتِ بتدي محاضرة؟»

 

ضحكت.

 

«آه.»

 

قال:

 

«وأنا أول طالب.»

 

مرت الأيام.

 

وعدت الشهور.

 

والبيت اتغير.

 

مش لأنه بقى مثالي.

 

لأ.

 

كان فيه خناقات.

 

وفيه ضغط.

 

وفيه أيام حسام بيرجع فيها متأخر.

 

وأيام أنا ببقى مرهقة ومش طايقة حد.

 

وفيه ليالي البنات بيصحوا فيها الاتنين مع بعض.

 

وفيه أيام بنفقد أعصابنا.

 

لكن الفرق إننا بقينا نعرف نرجع.

 

لو حسام غلط، يقول.

 

لو أنا غلطت، أقول.

 

لو هو محتاج راحة، يطلب.

 

ولو أنا محتاجة راحة، أطلب.

 

والأهم إن محدش بقى يستخدم المسؤولية كسلاح ضد التاني.

 

مرة، بعد سنة تقريبًا، كنت تعبانة جدًا.

 

البنات كانوا بيجروا في البيت.

 

وأنا كنت عاملة الغدا وحاسّة إني مش قادرة أقف.

 

دخل حسام.

 

بصلي.

 

وقال:

 

«إنتِ تعبانة.»

 

قلت:

 

«شوية.»

 

قال:

 

«روحي نامي.»

 

قلت:

 

«الغدا.»

 

«أنا هعمله.»

 

«إنت بتعرف؟»

 

بصلي بثقة.

 

«هتعلم.»

 

ضحكت.

 

«آخر مرة عملت مكرونة حطيت عليها سكر.»

 

قال:

 

«كنت بجرب.»

 

«جربت كتير.»

 

ضحك.

 

وبعدين قرب مني.

 

«روحي نامي.»

 

المرة دي ما اعترضتش.

 

دخلت الأوضة.

 

وقبل ما أنام سمعت البنات بيضحكوا معاه.

 

وغمضت عيني.

 

وأنا مطمنة.

 

بعد ساعتين صحيت.

 

خرجت.

 

لقيت المطبخ مقلوب.

 

الدقيق على الأرض.

 

المكرونة زيادة عن اللزوم.

 

والبنات قاعدين على الكرسي بياكلوا.

 

حسام واقف بيحاول ينضف.

 

بصلي.

 

وقال:

 

«ما تتكلميش.»

 

ضحكت.

 

«مش هتكلم.»

 

«الغدا طلع حلو.»

 

دوقت.

 

وسكت.

 

قال:

 

«حلو؟»

 

قلت:

 

«مقبول.»

 

«مريم!»

 

ضحكت.

 

«حلو.»

 

قال:

 

«الحمد لله.»

 

وبعدين بصلي.

 

«نمتي؟»

 

«أيوه.»

 

«كويس.»

 

وقتها فهمت إن الحب مش دايمًا بييجي في شكل كلام كبير.

 

أحيانًا بييجي في طبق مكرونة ملخبط.

 

أو رضعة متحضرة.

 

أو حفاضة متغيرة.

 

أو حد يقولك:

 

«روحي نامي، أنا هتصرف.»

 

وفي مرة تانية، عمي صبري جه يزورنا.

 

دخل وقعد على كرسيه المفضل.

 

حسام بصله وقال:

 

«لسه؟»

 

عمي صبري قال:

 

«ده كرسيي.»

 

حسام ضحك.

 

«إنت استولىت عليه رسمي.»

 

«أنا اللي كنت موجود لما إنت كنت في شرم.»

 

حسام بصلي.

 

وقال:

 

«كل ما حد يجيب سيرة السفر ده، يحسسني إني ارتكبت جريمة.»

 

صبري ضحك.

 

«إنت اللي عملت لنفسك كده.»

 

قعدنا كلنا.

 

عمي صبري كان بيبص للبنات وهما بيلعبوا.

 

وقال:

 

«أنا مبسوط.»

 

حسام سأله:

 

«ليه؟»

 

«علشان البيت ده بقى فيه صوت.»

 

«هو كان ساكت؟»

 

«كان فيه صوت، بس مكنش فيه روح.»

 

سكتنا.

 

صبري بص لحسام.

 

وقال:

 

«أنا كنت زعلان منك سنين.»

 

حسام قال:

 

«عارف.»

 

«بس لما شوفتك بتشيل بنتك أول مرة، حسيت إن الولد اللي كنت أعرفه رجع.»

 

حسام ابتسم.

 

«أنا كنت تايه.»

 

«كلنا بنتوه.»

 

وبصلي.

 

«المهم نعرف نرجع.»

 

الجملة دي فضلت في دماغي.

 

المهم نعرف نرجع.

 

يمكن دي كانت خلاصة كل اللي حصل.

 

مش إننا ما نغلطش.

 

ولا إننا ما نتعبش.

 

ولا إن حياتنا تبقى من غير مشاكل.

 

المهم لما نتوه نعرف نرجع.

 

وبعد كام سنة، البنات بقوا في الحضانة.

 

وأنا رجعت أشتغل من البيت.

 

وحسام بدأ يشتغل على مشروع صغير جنب شغله.

 

الحياة بقت مليانة مسؤوليات.

 

لكن بقت مليانة شراكة برضه.

 

وفي يوم كنت قاعدة قدام اللابتوب، والبنات نايمين، وحسام دخل.

 

حط كوبايه قهوة جنبي.

 

بصيتله.

 

«دي ليا؟»

 

قال:

 

«أيوه.»

 

«إنت عملتها؟»

 

«أيوه.»

 

دوقتها.

 

كانت حلوة.

 

قلت:

 

«اتعلمت.»

 

قال:

 

«من أربع سنين.»

 

ضحكت.

 

«أربع سنين؟»

 

«آه.»

 

وبعدين قعد جنبي.

 

قال:

 

«فاكرة أول قهوة؟»

 

ضحكت.

 

«اللي سخنتها مرتين؟»

 

«أيوه.»

 

«فاكرها؟»

 

«عمري ما هنساها.»

 

سكت.

 

وبعدين قال:

 

«أنا مش عايز أنسى اليوم ده.»

 

«ليه؟»

 

«علشان كل ما أفتكر قد إيه كنت غلطان، أعرف قد إيه اتعلمت.»

 

حطيت إيدي على إيده.

 

«المهم إنك اتعلمت.»

 

قال:

 

«وإنتِ كمان.»

 

«أنا؟»

 

«آه.»

 

«اتعلمت إيه؟»

 

قال:

 

«إنك مش لازم تستحملي كل حاجة علشان تثبتي إنك قوية.»

 

سكت.

 

دي كانت أكتر جملة لمستني.

 

لأني فعلًا قضيت سنين فاكرة إن السكوت قوة.

 

وإن التحمل قوة.

 

وإن إني ما أطلبش حاجة قوة.

 

لكن الحقيقة إن القوة أحيانًا تكون في إنك تقول:

 

أنا تعبانة.

 

أنا محتاجة مساعدة.

 

أنا مش قادرة.

 

وأنا مش هكمل بالشكل ده.

 

مش كل اعتراض خناقة.

 

ومش كل طلب أنانية.

 

ومش كل مساعدة ضعف.

 

ومش كل تنازل حب.

 

الحب الحقيقي لازم يكون فيه احترام.

 

وفيه رحمة.

 

وفيه مشاركة.

 

وفيه خوف على بعض.

 

وفيه اعتراف بالغلط.

 

في آخر اليوم، دخلت أوضة البنات.

 

لقيت حسام قاعد بينهم بيحكيلهم حكاية.

 

قال:

 

«كان يا ما كان، في مرة بابا كان مسافر…»

 

قاطعت:

 

«حسام!»

 

ضحك.

 

البنات ضحكوا.

 

قال:

 

«إيه؟»

 

«إنت هتحكي لهم الحكاية دي؟»

 

قال:

 

«طبعًا.»

 

«بلاش.»

 

«ليه؟»

 

«كبروا شوية.»

 

«أنا عايزهم يعرفوا.»

 

قعدت جنبهم.

 

«يعرفوا إيه؟»

 

قال:

 

«إن باباهم كان فاكر نفسه فاهم الدنيا.»

 

ضحكت.

 

«وبعدين؟»

 

«وبعدين اكتشف إن ماما كانت فاهمة أكتر منه.»

 

قلت:

 

«أنا ما كنتش فاهمة أكتر منك.»

 

قال:

 

«إنتِ كنتِ عارفة حاجة أنا ما كنتش عارفها.»

 

«إيه؟»

 

بص للبنات.

 

«إن البيت مش بيتبني بالفلوس بس.»

 

البنات ما فهموش.

 

لكن أنا فهمت.

 

بعد ما ناموا، خرجنا من الأوضة.

 

وقفنا عند باب الشقة.

 

نفس الباب اللي خرج منه حسام في اليوم القديم.

 

بص له.

 

وقال:

 

«أنا فاكر اللحظة دي.»

 

«أنا كمان.»

 

«كنت فاكر إني خارج أرجع بعد أربع أيام وأكمل حياتي.»

 

«وأنا كنت فاكرة إني هفضل أربع أيام أعد الساعات.»

 

«وطلعنا الاتنين غلط.»

 

قلت:

 

«أيوه.»

 

«أنا رجعت بعد أربع أيام.»

 

«بس ما رجعتش نفس الشخص.»

 

«ولا إنتِ.»

 

ابتسمت.

 

«يمكن دي كانت الحكمة.»

 

«إيه؟»

 

«إن بعض الناس لازم يبعدوا خطوة علشان يشوفوا الصورة كاملة.»

 

سكت.

 

وبعدين قال:

 

«بس أنا مش عايز أبعد تاني.»

 

ضحكت.

 

«مش لازم.»

 

«إلا لو شغل.»

 

«آه، الشغل حاجة تانية.»

 

«بس حتى لو سافرت.»

 

«نعم؟»

 

«هسأل.»

 

«هتسأل إيه؟»

 

قال:

 

«إنتِ محتاجة إيه؟»

 

ابتسمت.

 

«هقولك.»

 

«وهسمع.»

 

«اتفقنا.»

 

وبعدين مد إيده.

 

مسكتها.

 

دخلنا.

 

وقفلنا الباب.

 

لكن المرة دي ما كانش باب بيت اتقفل على زوجة لوحدها وأب مسافر.

 

كان باب بيت اتقفل على أسرة كاملة.

 

على أم وأب عرفوا إنهم مش خصوم.

 

وعلى بنتين صغيرين كبروا وهم شايفين إن أبوهم بيشارك أمهم، مش بيأمرها.

 

وعلى رجل كبير اسمه صبري، كان سبب في إن حسام يفتكر إن العيلة مش دم وبس، العيلة كمان مواقف.

 

وفي النهاية، أنا ما احتجتش أنتقم من حسام.

 

وما احتجتش أسيبه علشان أثبت له قيمتي.

 

وما احتجتش أعمل حاجة تندمه.

 

أنا عملت حاجة أبسط.

 

سمعت كلامه.

 

وقال لي:

 

«دبري نفسك.»

 

فدبرت نفسي.

 

لكن وأنا بدبر نفسي، اكتشفت إني مش مضطرة أعيش لوحدي.

 

واكتشفت إن فيه ناس ممكن تسندني.

 

واكتشفت إن اللي بيحبني فعلًا مش هيزعل من إني أطلب المساعدة.

 

وحسام اكتشف هو كمان حاجة أهم.

 

إن الست اللي جنبك مش خدامة.

 

مش موظفة.

 

مش آلة.

 

ومش مسؤولة لوحدها عن الأطفال والبيت والأكل والنوم وكل حاجة.

 

هي إنسانة.

 

بتتعب.

 

وبتفرح.

 

وبتخاف.

 

وبتحتاج حضن.

 

وكلمة.

 

ويد تساعدها.

 

ومن يومها، لما كنت أتعب، ما بقيتش أستخبى في البانتري وأعيط.

 

كنت أقول:

 

«حسام، أنا تعبانة.»

 

وكان يرد:

 

«روحي ارتاحي.»

 

ولما هو يتعب، كان يقول:

 

«مريم، أنا مضغوط.»

 

فكنت أقول:

 

«تعالى نقعد.»

 

مش لأننا بقينا كاملين.

 

لكن لأننا بقينا فاهمين.

 

وفي ليلة من الليالي، بعد ما البنات ناموا، حسام قال لي:

 

«أنا عايز أقولك حاجة أخيرة عن اليوم ده.»

 

قلت:

 

«قول.»

 

قال:

 

«لو كنت أعرف إن أربع أيام هتغيرني بالشكل ده، كنت هخاف من السفر أكتر.»

 

ضحكت.

 

«كنت هتلغيه؟»

 

قال:

 

«كنت هلغيه من غير ما أفكر.»

 

قلت:

 

«ليه؟»

 

بصلي وقال:

 

«علشان مفيش رحلة في الدنيا تستاهل إني أرجع ألاقيك محتاجة وأنا مش موجود.»

 

قربت منه.

 

«بس أنت ما رجعتش متأخر.»

 

«إزاي؟»

 

«رجعت بعد أربع أيام.»

 

«بس؟»

 

«أيوه.»

 

«إنتِ متأكدة؟»

 

ابتسمت.

 

«أيوه.»

 

«طب وأنا رجعت إمتى بقى؟»

 

بصيت في عينه.

 

وقلت:

 

«يوم ما دخلت من الباب وشفت عمي صبري قاعد مكانك.»

 

ضحك.

 

«يعني عمي هو اللي رجعني؟»

 

«يمكن.»

 

«أنا كنت فاكره إنه هيطردني.»

 

ضحكت.

 

«هو ما طردكش.»

 

«بس خلاني أفهم.»

 

«وأنا كمان.»

 

سكتنا.

 

وبعدين حضني.

 

وقال:

 

«ربنا يخليكي ليا.»

 

قلت:

 

«ويخليك للبنات.»

 

قال:

 

«وليكِ.»

 

وساعتها بس عرفت إن بعض الحكايات ما بتنتهيش لما المشكلة تخلص.

 

الحكاية الحقيقية بتبدأ بعد المشكلة.

 

لما كل واحد يقرر هو هيعمل إيه بالدرس اللي اتعلمه.

 

حسام اختار إنه يتغير.

 

وأنا اخترت إني ما أسكتش.

 

والاتنين اخترنا إن بيتنا يستحق فرصة.

 

وعلشان كده، لما افتكرت بعد سنين الجملة اللي بدأت بيها كل الحكاية:

 

«إنتِ اللي اخترتي تبقي أم، يبقى ابتدي اتصرفي كأم ودبري نفسك.»

 

ما بقتش بسمعها بنفس الطريقة.

 

لأني عرفت إن في أوقات الإنسان بيقول كلمة وهو مش فاهم حجمها.

 

ويمكن حسام نفسه ما كانش يعرف إن جملته دي هتغير حياته.

 

لكنها غيرته.

 

وغيرتني.

 

وغيرت بيتنا.

 

ومن بعدها، كل ما حد يسألني:

 

«إيه أكتر يوم غير حياتك؟»

 

ما بقولش يوم جوازنا.

 

ولا يوم ولادة البنات.

 

ولا يوم رجع حسام من السفر.

 

بقول:

 

«اليوم اللي حسيت فيه إني لوحدي.»

 

لأن في اليوم ده بالذات، اكتشفت إني مش لازم أفضل لوحدي.

 

اكتشفت إن المساعدة مش عيب.

 

وإن الكلام مش ضعف.

 

وإن الحدود مش قسوة.

 

وإن الإنسان ممكن يبدأ من جديد وهو لسه جوه نفس البيت.

 

وممكن جوازة كاملة تتغير من جملة غلط، لو الطرفين قرروا يتعلموا بدل ما يكابروا.

 

أما حسام، فكل ما يشوف كرسيه المفضل فاضي، يضحك ويقول:

 

«ده كرسي عمي صبري.»

 

وأنا أقول له:

 

«ما أنت اللي خليته كرسيه.»

 

فيرد:

 

«لا، إنتِ اللي خليتيه شاهد على اليوم اللي اتعلمت فيه معنى البيت.»

 

وأنا أضحك.

 

لأن الكرسي فعلًا فضل موجود.

 

نفس الكرسي.

 

نفس البيت.

 

لكن الناس اللي حواليه اتغيروا.

 

واللي كان زمان مكان بيقعد عليه حسام لوحده، بقى ذكرى بتفكرنا إن البيت مش ملك شخص واحد.

 

البيت مكان يتسع للكل.

 

للتعب.

 

للخلاف.

 

للاعتذار.

 

للمساعدة.

 

للضحك.

 

للأطفال.

 

وللحاجات الصغيرة اللي بتخلي الإنسان يحس إنه في أمان.

 

وفي آخر كل يوم، لما البنات يناموا، كنت أبص لحسام وأقول:

 

«تصبح على خير.»

 

وكان يرد:

 

«وإنتِ من أهله.»

 

وبعدين يسألني نفس السؤال اللي بقى جزء من حياتنا:

 

«محتاجة حاجة؟»

 

فكنت أقول:

 

«لا.»

 

وبعدين أبتسم وأضيف:

 

«بس خليك هنا.»

 

فيقول:

 

«أنا هنا.»

 

ودي كانت كفاية.

 

لأن في النهاية، أنا ما كنتش محتاجة حد ينقذني.

 

كنت محتاجة شريك.

 

وهو ما كانش محتاج زوجة تستحمل كل حاجة.

 

كان محتاج يتعلم إنه شريك.

 

واتعلمنا إحنا الاتنين.

 

ويمكن ده كان أعظم شيء خرجنا بيه من الأربع أيام دول.

 

إن الجواز مش إنك تلاقي شخص ما يتعبش.

 

الجواز إنك تلاقي شخص لما تتعب، ما يسيبكش.

 

ولما يقع، ما تسيبوش.

 

ولما تختلفوا، ما تهدوش كل اللي بنيتوه.

 

ولما تغلطوا، تعترفوا.

 

ولما تتعبوا، تتكلموا.

 

ولما الحياة تضغط عليكم، تفتكروا إنكم في صف واحد.

 

مش كل واحد ضد التاني.

 

وفي النهاية، حسام ما احتاجش يرجع يفتح باب البيت علشان يعرف اللي حصل.

 

لأنه من اليوم ده، بقى كل ما يفتح باب البيت يعرف بالضبط هو داخل على إيه.

 

داخل على بيته.

 

على بناته.

 

على مراته.

 

على مسؤوليته.

 

وعلى المكان اللي ما بقاش مجرد شقة.

 

بقى عيلة.

 

وبقيت أنا مريم.

 

مش الست اللي استنت جوزها يرجع.

 

ولا الست اللي حاولت تنتقم منه.

 

ولا الست اللي انهارت لما سافر.

 

أنا الست اللي اتعلمت تقول:

 

«أنا تعبانة.»

 

والست اللي عرفت تقول:

 

«أنا محتاجة مساعدة.»

 

والست اللي لما جوزها قال لها:

 

«دبري نفسك.»

 

دبرت نفسها فعلًا.

 

لكنها في الطريق علمته هو كمان إزاي يدبر نفسه.

 

وإزاي يبقى أب.

 

وإزاي يبقى زوج.

 

وإزاي يبقى موجود.

 

ومن يومها، لما حسام يسألني:

 

«إنتِ اخترتي تبقي أم؟»

 

أبصله وأقول:

 

«أيوه.»

 

فيقول:

 

«وأنا اخترت أبقى أبوهم.»

 

وأقول:

 

«يبقى نربيهم سوا.»

 

فيبتسم.

 

ويقول:

 

«سوا.»

 

وكانت الكلمة دي هي النهاية الحقيقية لكل اللي حصل.

 

مش انتصار مريم على حسام.

 

ولا انتصار حسام على مريم.

 

لكن انتصار بيت كامل على فكرة إن واحد لازم يشيل لوحده.

 

ومن ساعتها، ما بقاش عندنا «مسؤوليتي» و«مسؤوليتك».

 

بقى عندنا:

 

«مسؤوليتنا.»

 

ويمكن دي كانت أول مرة فعلًا أحس إن الجواز بدأ يومها من جديد.

 

مش يوم كتبنا الكتاب.

 

لكن يوم فهمنا معنى إننا اتنين.

 

اتنين في التعب.

 

اتنين في الفرح.

 

اتنين في الخوف.

 

اتنين في التربية.

 

اتنين في البيت.

 

واتنين في الحياة.

 

ولما أفتكر دلوقتي صوت المفتاح وهو بيدخل في باب الشقة بعد الأربع أيام، وأفتكر حسام واقف قدام عمي صبري ومش فاهم، ببتسم.

 

لأن أكتر حاجة كانت مخوفاه وقتها، الراجل اللي كان قاعد على كرسيه المفضل، طلع مش هو المشكلة.

 

المشكلة الحقيقية كانت إن حسام لأول مرة شاف بعينه إن البيت قدر يكمل من غيره.

 

وده اللي خلاه يفهم بعدها إن البيت مش محتاج وجوده علشان يفضل واقف.

 

البيت محتاجه علشان يبقى أب.

 

والفرق بينهم كبير.

 

ومن يومها، حسام ما بقاش يسأل:

 

«البيت محتاج إيه؟»

 

بقى يسأل:

 

«إنتوا محتاجين إيه؟»

 

وأنا ما بقيتش أخاف أجاوب.

 

لأني عرفت إن الإجابة مش هتكون عبء عليه.

 

هتكون مشاركة.

 

وفي آخر ليلة من كل سنة، لما نقعد نفتكر اللي حصل، حسام دايمًا يقول:

 

«أنا مدين لأربع أيام.»

 

وأنا أقول:

 

«وأنا مدينة لنفسي.»

 

فيضحك ويسألني:

 

«لنفسك ليه؟»

 

أقول:

 

«علشان في اليوم اللي كنت فاكرة إني هقع فيه، اكتشفت إني أقدر أقف.»

 

وبعدين أبص للبنات وأقول:

 

«بس دلوقتي مش محتاجة أقف لوحدي.»

 

فيبصلي حسام.

 

ويمد إيده.

 

وأمسكها.

 

ونقفل النور.

 

ونسيب البيت هادي.

 

لأننا أخيرًا فهمنا إن الهدوء مش معناه إن مفيش مشاكل.

 

الهدوء معناه إنك عارف إن حتى لو حصلت مشكلة، فيه حد هيكون جنبك.

 

وفيه بيت ترجع له.

 

وفيه إيد تمسك إيدك.

 

وفيه صوت يقول:

 

«أنا هنا.»

 

وكان صوت حسام في كل مرة بيقولها، بيخليني أفتكر أول مرة خرج فيها من الباب.

 

وأفتكر قد إيه كنت خايفة.

 

وقد إيه كنت منهارة.

 

وقد إيه كنت فاكرة إن الأربع أيام هتكون أطول أيام حياتي.

 

لكنها عدت.

 

وعدى بعدها سنين.

 

وكبروا البنات.

 

وكبرنا إحنا معاهم.

 

واتعلمنا.

 

وغلطنا.

 

واتصالحنا.

 

وعشنا.

 

وفي الآخر، كل اللي فضل من اليوم ده جملة واحدة:

 

«أنا هنا.»

 

ويمكن دي كانت كل اللي محتاجاه من البداية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى