
ليلة فرحها سمعوا العروسة بتصوت بطريقة غريبة من جوا أوضة النوم، وكانت أول كلمة قالتها العروسة بعد ما فتحوا الباب: “ماما… أنا مش قادرة أكمل الجوازة دي.” صرخت سارة بالكلمة دي من جوه، وصوتها كان مليان رعب لدرجة إن أمها حسّت إن قلبها وقع من مكانه.
فستان فرحها الأبيض كان متبهدل ومتكرمش، وشعرها اللي كانت عاملاه عند الكوافير من ساعات بقى منكوش، وأنفاسها كانت متقطعة، ووشها شاحب بشكل يخوّف.
الخوف اللي كان في عينيها ماكانش خوف عروسة متوترة ليلة فرحها… ده كان خوف حقيقي، خوف واحدة شافت حاجة كسرت جواها كل إحساس بالأمان.
قبلها بساعة واحدة بس، كان بيت العيلة في المعادي مليان دوشة وضحك وزغاريد. الستات قاعدين في الصالة، والرجالة في الجنينة، والمزيكا شغالة، والناس بتتصور مع العرسان، وريحة الورد والبرفان ماليين المكان. سارة كانت بتبص حواليها وهي مش مصدقة إن اليوم اللي استنته سنين أخيرًا جه.
من سنتين، لما دخلت حياة عيلة حسن لأول مرة، أم العريس، الحاجة فاطمة، استقبلتها بحب غريب عليها. من أول يوم وهي بتعاملها كأنها بنتها. كانت كل ما سارة تيجي البيت تعمل لها الأكل اللي بتحبه، وتحضر لها الفطير والعسل على الفطار، وكل يوم جمعة كانت تسألها هتاكل إيه وتعمله بإيديها. ومع الوقت، بطلت تناديها “يا سارة”. بقت تقول لها ببساطة: “يا بنتي.”
وسارة صدقت إن أخيرًا بقى ليها أم تانية. وعشان كده كانت فرحانة وهي داخلة بيتهم عروسة.
لكن كل حاجة اتقلبت في لحظة. صرخة واحدة خرجت من أوضة النوم وقطعت صوت الضحك والمزيكا. الناس كلها سكتت. الحاجة فاطمة كانت أول واحدة جريت ناحية السلم، ووراها أخو العريس، محمود.
“في إيه؟!”
محدش رد.
سارة كانت واقفة جوه الأوضة، ضهرها لازق في الحيطة، وإيديها مضمومة على صدرها وهي بتترعش. محمود قرب منها بسرعة.
“سارة! إيه اللي حصل؟”
لكنها ما ردتش. فجأة رفعت إيديها وخبطت على باب الأوضة بعنف.
“حسن!”
“حسن افتح الباب!”
“حسن!”
مفيش رد. ولا صوت. ولا حتى حركة. محمود بص لفاطمة، وبعدين حط إيده على مقبض الباب وفتحه.
وأول ما الباب اتفتح، الكل اتجمد مكانه. الأوضة كانت مقلوبة. السرير الملايات بتاعته متبهدلة، والكرسي واقع على الأرض، والمراية مفتوحة عليها شق صغير، وكأن حاجة خبطت فيها. لكن أكتر حاجة خوّفتهم كانت سارة. كانت واقفة في ركن الأوضة كله بيرتعش، ودموعها نازلة من غير ما تحس.
أما حسن… فكان قاعد على الأرض جنب السرير. قميصه مفتوح من عند رقبته، ووشه غرقان في العرق، وإيده بتترعش بشكل واضح. الحاجة فاطمة جريت على ابنها.
“يا ابني! مالك؟ حصل إيه؟”
حسن رفع عينه لها، لكنه ما عرفش يتكلم.
“حسن… رد عليا.”
سارة فجأة صرخت: “محدش يقرب مني!”
الحاجة فاطمة وقفت مكانها. “يا بنتي أنا أمك…”
“إنتِ مش أمي!”
الكلمة نزلت على فاطمة كأنها قلم على وشها. سارة كانت بتبص لها برعب. “محدش يقرب مني… أرجوكي.”
فاطمة قربت خطوة واحدة. “ده أنا فاطمة يا سارة… أنا اللي كنت جنبك طول السنتين اللي فاتوا.”
سارة هزت راسها بسرعة. “أنا عارفة.”
“طب مالك؟”
سكتت سارة ثواني، وبعدين بصت ناحية حسن. “هو…”
لكن صوتها اختفى. حسن كان لسه قاعد على الأرض، بيبص في الفراغ. محمود قرب منه. “حسن، إنت عملت لها إيه؟”
حسن بلع ريقه، وبص لأخوه. “أنا… ماعملتش حاجة.”
سارة انفجرت في البكاء. “كذاب!”
محمود اتوتر. “سارة، اهدي وقولي لنا حصل إيه.”
لكن قبل ما تتكلم، حسن قال بصوت واطي: “أنا بس كنت عايزها تخاف.”
الكل سكت. فاطمة بصت لابنها بعدم تصديق. “إنت بتقول إيه؟”
حسن رفع عينه ببطء. “كنت عايزها تحس بالخوف اللي أنا حسيته.”
سارة شهقت، وحطت إيدها على بوقها. “أنا؟!”
حسن بص لها بعينين مليانين غضب ووجع. “أيوه… إنتِ.”
“أنا عملت لك إيه؟!”
حسن ما ردش. فاطمة قربت منه. “حسن، بصلي.”
رفع عينه لها.
#انجي_الخطيب
كانت عينيه حمرا، ومليانة عار وغضب وحاجة تانية فاطمة ماقدرتش تفهمها. قال بصوت مكسور: “كان لازم تدفع تمن اللي عملته.”
سارة بصت له وهي مش فاهمة. “أنا؟ أدفع تمن إيه؟”
حسن سكت. محمود بص لأخوه بحدة. “إنت بتتكلم عن إيه؟”
لكن حسن ما ردش. فضل ساكت ثواني طويلة، وبعدها نزل راسه للأرض. “كان لازم تدفع.”
فاطمة حطت إيدها على كتف ابنها. “يا ابني، إنت فاهم إنت بتقول إيه؟ دي مراتك.”
حسن ضحك ضحكة قصيرة مليانة مرارة. “مراتي؟”
رفع عينه ناحية سارة. “بعد اللي عملته؟”
سارة بدأت تهز راسها بسرعة. “والله ما عملت حاجة.”
حسن بص لها، وكأنه مش مصدق حرف واحد منها. “كل حاجة هتظهر.”
محمود اتدخل بسرعة: “إيه اللي هيظهر؟ قول لنا الحقيقة بدل ما تفضل ترعبنا.”
حسن سكت. سارة كانت لسه واقفة في مكانها، بتحاول تفهم إزاي ليلة فرحها اتحولت في دقائق لكابوس. وفجأة، صوت صغير جه من آخر الأوضة.
“بابا…”
الكل لف ناحية الصوت. كان يوسف، ابن سارة، قاعد جنب الحيطة، ماسك لعبته في إيده، وبيبص لأبوه بنظرة غريبة.
حسن اتجمد. يوسف قرب منه خطوة وقال بصوت عالي وواضح: “كان لازم تدفع تمنها.”
الصمت اللي نزل على الأوضة كان تقيل لدرجة إن محدش عرف يتنفس. سارة بصت لابنها بصدمة. فاطمة حطت إيدها على بوقها. ومحمود قرب من يوسف ببطء. “يوسف… إنت تقصد إيه؟”
الولد بص لأبوه، وبعدها بص لسارة. وبهدوء غريب قال: “ماما عارفة.”
سارة شهقت. “أنا عارفة إيه؟!”
لكن يوسف ما ردش. حسن فضل باصص له، ووشه اتغير فجأة. كأن جملة الطفل الصغيرة فتحت باب لحقيقة أكبر بكتير من اللي كلهم كانوا متخيلينه. وساعتها سارة فهمت إن اللي حصل في ليلة فرحها ماكانش بسبب خناقة بين عروسين… كان فيه سر مستخبي من سنين. والأسوأ… إن ابنها الصغير كان عارف جزء منه.
#انجي_الخطيب
حسن قام وقف ببطء من على الأرض، وشه اتغير تماماً وكأن ملامحه اتصلبت، بص ليوسف الصغير اللي كان واقف ثابت، وبعدين تلفـت لسارة اللي كانت بترجع لورا بخطوات مرعوبة لحد ما ضهرها خبط في الملاية المتبهدلة على السرير.
“سارة… انطقي. قولي لأمي وأخويا الواد ده ابن مين؟”
الكلمة نزلت زي الصاعقة في الأوضة. الحاجة فاطمة مسكت في دراع محمود أخو حسن وهي بتنهد بصوت عالي، عينيها بتتطوح بين سارة وحسن.
“إنت بتقول إيه يا حسن؟! استهدي بالله يا ابني ده ابنك! إنت كاتبه على اسمك من أربع سنين وعايش وسطنا!”
حسن صرخ بصوت هز جدران البيت، وشه احمر وشرايين رقبته برزت: “مش ابني! الواد ده مش ابني يا أمي! الواد ده ابن المرحوم أخويا طارق الله يرحمه!”
سارة حطت إيديها على ودانها وصرخت بانهيار: “حرام عليك! حرام عليك يا حسن تفتري عليا في ليلة زي دي! إنت عارف الحقيقة كويس!”
حسن قرب منها بخطوة قوية، ومحمود اعترض طريقه بسرعة ومسكه من قميصه: “اعقل يا حسن! إنت اتجننت؟! سارة كانت خطيبتك إنت من الأول!”
“لا يا محمود!” حسن زق إيد أخوه بقوة وطلع من جيب بنطلونه ورق أشعة طبية ومظروف أبيض رمى كل ده في وش سارة. الورق اتنطور على الأرض.
“التحاليل دي أنا استلمتها الظهر… التحاليل دي بتقول إن أنا مبخلفش! وبتقول إن جينات يوسف متطابقة مع عينات طارق اللي كانت متشالة في المستشفى بعد الحادثة!”
الحاجة فاطمة شهقت وحطت إيدها على قلبها وقعدت على الكرسي بذهول ودموعها نازلة. محمود وطي على الأرض مسك الورق، عينيه كانت بتقرأ العناوين والختم الطبي، وشه اتقلب وبص لسارة بصدمة: “سارة… الكلام ده صح؟”




