روايات وقصص

رجعت بلدنا حكايات صافي هاني

رجعت بلدنا من غير ما أقول لحد ولما وصلت لقيت أبويا وأمي داخلين البيت وهما شايلين أكياس المشتريات وفي ناس غريبة قاعدين في الصالون بيشربوا وبيضحكوا كأن البيت بقى ملكهم

 

وقفت بعيد أراقب من غير ما حد يحس بيا

 

ومن الشباك سمعت واحد منهم بيقول

 

“إحنا اللي بقينا مسؤولين عن البيت ده وهما خلاص مالهمش دعوة بأي قرار”

 

ما اتصلتش بأبويا ولا أمي

 

اتصلت بمحاميتي وجمدت الحسابات على طول

 

وفي نفس الليلة أبويا طلع من جيبه مفتاح قديم مصدي كان مخبيه عني من وأنا طفل

 

قبلها بثلاث ليالي أمي كانت اتصلت بيا بعد الساعة عشرة بالليل

 

قالتلي بصوت واطي ومرعوش

 

“يا ابني ما ترجعش البيت آخر الأسبوع ده”

 

صوتها كان بالكاد مسموع

 

وقبل ما أسألها في إيه المكالمة اتقطعت

 

أمي عمرها ما كلمتني بالطريقة دي

 

وعشان كده بدل ما أسمع كلامها وأبعد رجعت البيت من غير ما أقول لأي حد

 

بقالنا شهور وأنا ببعت لأبويا وأمي أربعة آلاف دولار كل شهر عشان أساعدهم في مصاريفهم

 

أبويا اسمه محمود وقضى عمره كله بيصنع العفش بإيده

 

وأمي اسمها فاطمة وبقالها أربعين سنة بتخيط هدوم للناس من البيت

 

البيت ده كان بتاعهم

 

تمنية وتلاتين سنة من عمرهم وشغلهم وتعبهم عاشوها بين الحيطان دي

 

كل حيطة كانت شاهدة على عمر كامل من الشقى

 

لكن لما وصلت شفت أبويا وأمي راجعين البيت وهما شايلين أكياس المشتريات

 

دخلوا من الباب الرئيسي

 

وبعدين وقفوا ورجعوا لورا

 

مشيت وراهم من غير ما أتكلم

 

ومن خلال شباك الصالون شفت ناس غريبة قاعدين بيشربوا وبيتكلموا بصوت عالي

 

وأخويا أحمد ومراته منى قاعدين وسطهم وبيتصرفوا كأن البيت بقى ملكهم

 

وفجأة سمعت صوت أبويا

 

“يا منى أنا وأمك ممكن ناكل على ترابيزة المطبخ الليلة؟”

 

سكتت منى شوية وبعدين قالت

 

“لأ يا عمي عندنا ضيوف”

 

أبويا قالها بهدوء

 

“هنقعد بس عشرين دقيقة”

 

ردت عليه ببرود

 

“يا عم محمود ما تصعبهاش علينا”

 

وقفت مكاني تحت الشباك وأنا مش قادر أصدق اللي بسمعه

 

أبويا كان بيطلب الإذن عشان ياكل في بيته

 

بعد كام دقيقة أمي وأبويا اختفوا في الأوضة القديمة اللي ورا مخزن الغسيل

 

افتكرت الأوضة دي كويس من وأنا صغير

 

كنا بنحط فيها العجل

 

وأدوات الجنينة

 

وزينة رمضان والحاجات القديمة

 

لكن دلوقتي كان جواها سريرين صغيرين

 

أبويا وأمي كانوا بيناموا هناك

 

كنت عايز أكسر الباب وأدخل أخرجهم من البيت بنفسي

 

لكن تماسكت واتصلت بمحاميتي

 

وقلت لها

 

“نجلاء راجعي كل حاجة”

 

“عقد البيت والحسابات البنكية والتوكيلات وكل ورقة أبويا وأمي مضوا عليها خلال السنتين اللي فاتوا”

 

سألتني

 

“في إيه يا يوسف؟ إيه اللي حصل؟”

 

بصيت من الشباك الصغير وشفت أبويا بيقسم الساندوتش اللي معاه نصين ويدي أمي النص الأكبر

 

ساعتها صوتي بقى بارد

 

وقلت لها

 

“عايزك تعرفي هما عملوا إيه بالظبط”

 

في نفس الليلة وبعد ما البيت كله هدي وسكت أبويا خرج لوحده

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

 

فضلت أراقبه من بعيد

 

لحد ما وصل لحجر قديم في الجنينة

 

ركع جنبه ورفعه بإيده

 

وتحته ظهر مفتاح حديد قديم كله صدأ

 

في اللحظة اللي خرجت فيها من الضلمة وقف مكانه واتجمد

 

بص ناحيتي وقال

 

“يوسف؟”

 

قربت منه وقلت

 

“بابا؟”

 

فضل يبصلي كام ثانية من غير ما يتكلم

 

وبعدين بص للمفتاح اللي في إيده

 

وقال بصوت واطي

 

“كنت عارف إنك في يوم من الأيام هترجع يا ابني”

 

بصيت للمفتاح وسألته

 

“المفتاح ده بيفتح إيه؟”

 

إيده قفلت على المفتاح واحدة واحدة

 

وتعبير وشه اتغير

 

وبصلي بطريقة عمري ما شفتها منه قبل كده

 

وقال

 

“حاجة أخوك أحمد ومراته منى بقالهم شهور بيدوروا عليها”

 

فضلت ساكت مستني يكمل

 

لكنه بدل ما يجاوبني مسك دراعي وقال

 

“بس قبل ما تعرف المفتاح ده بيفتح إيه لازم تعرف ليه أخوك طردنا من بيتنا”

 

وبعدين بص ناحية البيت وقال بصوت أوطى

 

“وليه أمك خافت منك وطلبت منك ما ترجعش”

 

وقتها حسيت إن الحكاية أكبر بكتير من مجرد بيت أخويا استولى عليه

 

وبصيت للمفتاح في إيده وسألته

 

“بابا إيه اللي مستخبيه هنا؟”

 

رفع عينه وبصلي وقال

 

“السر اللي أبوك وجدك خبوه من أكتر من تلاتين سنة”

بما ان عندي حظر طول الوقت فباقي القصه هاتلاقيها

علي الصفحه دي. W A A D وهناك اعملي متابعه عشان يوصلك

كل جديد ❤❤❤❤❤❤❤

 

يتبع…

 

👇👇 التكملة في أول تعليق.علي ااصفحه

@أبرز المعجبين

 

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

اتسعت عيني وأنا ببص للمفتاح اللي في إيد أبويا

 

“سر إيه يا بابا؟”

 

بص حوالين نفسه بسرعة وكأنه خايف حتى الحيطان تسمعنا

 

وبعدين شدني من دراعي وقال

 

“مش هنا يا يوسف”

 

“أمال فين؟”

 

“تعالى ورايا”

 

مشى قدامي ناحية آخر الجنينة

 

كنت ماشي وراه وأنا مش فاهم أي حاجة

 

كل اللي كان بيدور في دماغي إن أبويا وأمي كانوا عايشين في أوضة ضيقة في بيتهم

 

وأخويا وأصحابه قاعدين جوه الصالون وبيشربوا ويضحكوا

 

وأنا طول الشهور اللي فاتت ببعت فلوس عشان أساعد أبويا وأمي

 

لكن واضح إن الفلوس دي ما كانتش المشكلة الوحيدة

 

وصلنا عند شجرة التوت الكبيرة اللي كنت وأنا صغير متعلق بفروعها

 

أبويا وقف تحتها

 

وبص للبيت من بعيد

 

وقال

 

“شايف الشباك اللي في الدور التاني؟”

 

بصيت

 

“أيوه”

 

“ده كان أوضة جدك”

 

“جدي مات من سنين”

 

“عارف”

 

سكت شوية

 

وبعدين قال

 

“بس اللي محدش يعرفه إن جدك قبل ما يموت بيومين سلمني حاجة”

 

مد إيده للمفتاح

 

“المفتاح ده”

 

بصيت له باستغراب

 

“مفتاح أوضة جدي؟”

 

هز راسه

 

“لأ”

 

“أمال مفتاح إيه؟”

 

قرب مني وقال

 

“مفتاح مكان تحت البيت”

 

حسيت بقشعريرة في جسمي

 

“تحت البيت؟”

 

“أيوه”

 

سكت شوية وبعدين كمل

 

“مكان اتقفل من أكتر من تلاتين سنة”

 

“وليه اتقفل؟”

 

أبويا أخد نفس طويل

 

“عشان جدك كان شايف إن اللي جواه ممكن يفرق بين ولاده طول العمر”

 

بصيت له

 

“يعني بينك وبين عمي؟”

 

هز راسه

 

“بين أبويا وأخويا”

 

وبعدين بصلي

 

“وبعد وفاة عمك حصلت حاجات خلتني أخبي الموضوع أكتر”

 

كنت على وشك أسأله

 

لكن فجأة سمعنا صوت باب البيت بيتفتح

 

أبويا اتوتر

 

شدني بسرعة ووداني ورا سور صغير في الجنينة

 

ومن بعيد ظهر أحمد

 

أخويا

 

كان واقف عند باب البيت وبيدور بعينه في الجنينة

 

نادَى

 

“بابا؟”

 

أبويا ما ردش

 

أحمد نادى تاني

 

“يا بابا أنت فين؟”

 

فضل ساكت

 

وأنا كنت واقف جنبه وحاسس بنبضات قلبي في وداني

 

أحمد خرج خطوتين للجنينة

 

وبعدين وقف

 

بص ناحية الشجرة

 

وقلت في نفسي إن خلاص هيشوفنا

 

لكن فجأة من جوه البيت منى نادته

 

“أحمد!”

 

لف ناحيتها

 

“إيه؟”

 

“تعالى بسرعة”

 

رد

 

“جاي”

 

رجع البيت

 

ولما الباب اتقفل أبويا مسك إيدي وقال

 

“لازم نمشي دلوقتي”

 

“نمشي فين؟”

 

“مكان محدش يعرفه”

 

“بس ماما؟”

 

“أمك معايا”

 

“فين؟”

 

بص ناحية الأوضة القديمة

 

“مستخبية”

 

اتصدمت

 

“مستخبية من مين؟”

 

قالها بصوت مكسور

 

“من ابنها”

 

فضلت ساكت

 

لحد ما وصلنا للأوضة

 

أمي كانت قاعدة على السرير الصغير

 

وأول ما شافتني حطت إيدها على بوقها

 

“يوسف!”

 

جريت عليها

 

حضنتني بقوة

 

وأول كلمة قالتها كانت

 

“سامحني يا ابني”

 

بعدتها عني وبصيت في عينيها

 

“تسامحيني على إيه؟”

 

دموعها نزلت

 

“عشان خبيت عليك”

 

“إيه اللي خبيتيه؟”

 

بصت لأبويا

 

أبويا هز راسه

 

فقالت

 

“أخوك مش هو اللي بدأ الحكاية”

 

اتجمدت مكاني

 

“يعني إيه؟”

 

أبويا قفل الباب

 

وقعد على الكرسي القديم

 

وقال

 

“أحمد ما استولى على البيت لوحده”

 

“أمال مين؟”

 

بص لأمي

 

وبعدين قال

 

“في حد تاني هو اللي بيدير كل حاجة”

 

سألته

 

“مين؟”

 

ما ردش

 

أمي قالت

 

“راجل اسمه سامي”

 

“مين سامي؟”

 

أبويا بصلي وقال

 

“المحامي اللي كان بييجي لأخوك هنا”

 

افتكرت على طول

 

كنت شفت الراجل ده قبل كده

 

راجل في أواخر الخمسينات

 

دايمًا لابس بدلة غامقة

 

وكان كل مرة بييجي البيت يطلع على أوضة أحمد

 

لكن وقتها كنت فاكره مجرد محامي

 

قلت

 

“هو اللي عمل التوكيلات؟”

 

أبويا سكت

 

وده كان كفاية عشان أفهم إن فيه حاجة غلط

 

أمي بدأت تتكلم بسرعة

 

“يا يوسف قبل ما ترجع بثلاث شهور أحمد بدأ يقول لنا إن البيت بقى خطر وإن فيه مشاكل في الورق وإن لازم نعمل توكيل عشان هو يتصرف”

 

“عملتوا توكيل؟”

 

أبويا هز راسه

 

“أيوه”

 

“ليه؟”

 

قال

 

“قال إن ده إجراء مؤقت”

 

صرخت

 

“ومين صدقه؟”

 

أبويا بص في الأرض

 

“أنا”

 

سكت

 

لأن دي أول مرة أشوف أبويا مكسور بالشكل ده

 

راجل قضى عمره كله بيواجه الدنيا بإيده

 

دلوقتي كان عاجز حتى يبص في عيني

 

قعدت جنبه

 

“وبعدين؟”

 

قال

 

“بعدها بأسبوع جه سامي ومعاه ورق”

 

“ورق إيه؟”

 

“قال إن البيت لازم يتسجل باسم أحمد مؤقتًا عشان يقدر يحل المشكلة”

 

“وإنت وافقت؟”

 

“كنت فاكر إني بحمي البيت”

 

أمي مسحت دموعها

 

“وبعدها اكتشفنا إن التوكيل كان أوسع بكتير من اللي قاله”

 

بصيت لها

 

“يعني؟”

 

قالت

 

“كان يقدر يتصرف في البيت والحسابات وكل حاجة تقريبًا”

 

سكت لحظة

 

وبعدين افتكرت حاجة

 

“طيب الفلوس اللي ببعتها كل شهر؟”

 

أبويا وأمي بصوا لبعض

 

قلبي وقع

 

“إيه اللي حصل فيها؟”

 

أبويا قال

 

“معظمها كان بيوصل”

 

“معظمها؟”

 

سكت

 

“يوسف…”

 

“قول يا بابا”

 

“جزء منها كان أحمد بياخده”

 

اتخضيت

 

“ليه؟”

 

أمي قالت

 

“كان بيقول إن مصاريف البيت زادت”

 

ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة

 

“أي بيت؟”

 

ما حدش رد

 

في اللحظة دي سمعنا صوت خطوات بره الأوضة

 

كلنا سكتنا

 

الخطوات وقفت قدام الباب

 

وبعدين سمعنا صوت أحمد

 

“بابا؟”

 

أبويا بصلي

 

أمي مسكت إيدي

 

أحمد قال

 

“أنا عارف إنك جوه”

 

فضلنا ساكتين

 

بعد ثواني قال

 

“وعارف إن يوسف رجع”

 

قلبي وقف لحظة

 

أبويا بصلي

 

وأنا همست

 

“إزاي عرف؟”

 

أحمد ضحك من ورا الباب

 

“كنت فاكر إنك هتقدر تدخل البلد من غير ما أعرف؟”

 

قربت من الباب

 

“افتح يا أحمد”

 

سكت

 

وبعدين قال

 

“مش دلوقتي”

 

قلت

 

“إنت طردت أبويا وأمي من بيتهم”

 

رد بهدوء غريب

 

“البيت مش زي ما أنت فاهم”

 

“أمال إيه؟”

 

“لو عايز تعرف الحقيقة اسأل أبوك”

 

بصيت لأبويا

 

أحمد كمل

 

“واسأله عن اللي حصل ليلة وفاة جدنا”

 

أبويا قام فجأة

 

وشه اتغير

 

“أحمد امشي”

 

أحمد ضحك

 

“هو لسه مخبيها عليك؟”

 

قربت من الباب

 

“مخبي إيه؟”

 

الصمت اللي حصل بعدها كان مخيف

 

وبعدين سمعت أحمد بيقول

 

“اسأل أبوك مين كان صاحب المفتاح القديم”

 

بصيت لإيد أبويا

 

المفتاح كان لسه معاه

 

أحمد كمل

 

“واسأله كمان ليه جدي كتب ورقة باسمي واسمك قبل ما يموت”

 

اتجمدت

 

“ورقة باسمي أنا؟”

 

أبويا بصلي

 

وأنا حسيت إن رجلي مش شايلاني

 

أحمد قال

 

“وأهم حاجة يا يوسف…”

 

سكت

 

“ما تثقش في المحامية بتاعتك”

 

بصيت لأبويا بسرعة

 

“إنت قلت إنك اتصلت بمحامية”

 

هز راسه

 

“أيوه”

 

أحمد قال من ورا الباب

 

“لأن نجلاء عارفة السر من قبل ما أنت تعرفه”

 

وفجأة سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت

 

أحمد سكت

 

أمي قربت من الشباك وبصت

 

وشها اصفر

 

“سامي…”

 

أبويا قام مرة واحدة

 

وفتح إيده

 

المفتاح وقع على الأرض

 

بصيت له

 

ولما انحنيت آخده

 

سمعت صوت سامي من بره بيقول

 

“يا محمود…”

 

“لو يوسف رجع فعلًا…”

 

“يبقى لازم نفتّح المكان قبل ما هو يوصله.”

 

أبويا بصلي

 

وفي اللحظة دي فهمت إن المفتاح اللي كان مخبيه عني سنين…

 

مش بس بيفتح باب.

 

المفتاح كان بيفتح الدليل الوحيد اللي ممكن يهد كل حاجة عملها أحمد وسامي.

 

أبويا أول ما سمع جملة سامي حسيت إن الدم انسحب من وشه

 

بصلي وقال بصوت واطي جدًا

 

“يوسف… مهما حصل متطلعش من الأوضة دي”

 

بصيت له باستغراب

 

“إنت عايزني أستخبى؟ ده بيتي ودي أمي وأبوك”

 

أمي مسكت إيدي

 

“اسمع كلام أبوك يا ابني”

 

“ليه؟”

 

أبويا قرب مني وقال

 

“لأن سامي مش جاي يتكلم”

 

سكت لحظة

 

“هو جاي ياخد حاجة”

 

بصيت للمفتاح اللي في إيدي

 

وقلت

 

“الحاجة دي؟”

 

هز راسه

 

“أيوه”

 

سمعت خطوات سامي في الطرقة

 

وبعدها صوت أحمد وهو بيقول

 

“هو جوه”

 

سامي رد

 

“متأكد؟”

 

“أيوه”

 

“والمفتاح؟”

 

أحمد سكت ثانيتين

 

وبعدين قال

 

“معاه”

 

حسيت بقشعريرة في جسمي

 

بصيت لأبويا

 

“هما عرفوا إن المفتاح معايا”

 

قال

 

“عشان كده لازم نخرج من هنا”

 

“منين؟”

 

أبويا أشار للحيطة الخلفية

 

“ورا الدولاب فيه باب صغير”

 

افتكرت المكان ده

 

وأنا طفل كنت فاكره مجرد حائط

 

لكن أبويا زق الدولاب القديم بكل قوته

 

وظهر باب خشب صغير

 

كنت أول مرة أشوفه

 

أمي قالت وهي بتبكي

 

“جدك هو اللي بناه”

 

“ليه؟”

 

أبويا رد

 

“كان بيستخدمه زمان عشان يدخل المخزن من غير ما حد يشوفه”

 

فتح الباب بالمفتاح العادي اللي كان معاه

 

وظهر ممر ضيق مظلم

 

أبويا دخل الأول

 

وأمي وراه

 

وأنا آخر واحد

 

قبل ما أقفل الباب سمعت أحمد بيخبط على باب الأوضة

 

“بابا افتح”

 

ما ردش

 

خبط تاني

 

“محمود افتح الباب”

 

وبعدين صوته اتغير

 

“يوسف لو سمعتني… أنا مش عايز أأذيك”

 

وقفت مكاني

 

بصيت لأبويا

 

قال

 

“ماتردش”

 

قفلت الباب

 

ومشينا في الممر

 

كان ضيق جدًا لدرجة إن كتافي كانت بتخبط في الحيطان

 

وفي آخره نزلنا كام درجة لتحت

 

وبعدها وصلنا لمكان ريحته تراب ورطوبة

 

أبويا ولع كشاف صغير

 

لقيت قدامي باب حديد قديم

 

وقف أبويا عنده

 

وحط إيده على القفل

 

وقال

 

“ده المكان”

 

بصيت للمفتاح في إيدي

 

“هو ده اللي بيفتحه؟”

 

هز راسه

 

حطيت المفتاح في القفل

 

لكنه ما دخلش

 

بصيت لأبويا

 

“المفتاح مش راكب”

 

وشه اتغير

 

“مش معقول”

 

حاول ياخده مني

 

بص للمفتاح

 

وبعدين للقفل

 

وقال

 

“ده مش المفتاح”

 

اتصدمت

 

“إنت قلت إنه هو”

 

“أنا كنت فاكر”

 

“فاكر؟”

 

أبويا مسك راسه

 

“السنة دي كسرت كل حاجة يا يوسف”

 

أمي قربت منه

 

“محمود”

 

قال لها

 

“لازم نقول له”

 

بصيت لهم

 

“تقولولي إيه؟”

 

أبويا قعد على الأرض

 

“المفتاح اللي في إيدك مفتاح الصندوق”

 

“صندوق إيه؟”

 

“صندوق جدك”

 

“وفين الصندوق؟”

 

أبويا بص للباب الحديد

 

“ورا الباب ده”

 

فضلت ساكت

 

“طيب المفتاح التاني فين؟”

 

أبويا ما ردش

 

قلت بصوت أعلى

 

“بابا المفتاح التاني فين؟”

 

قال

 

“مع أحمد”

 

اتجمدت

 

“إيه؟”

 

أمي قالت

 

“أخوك سرقه من أبوك من فترة”

 

بصيت لأبويا

 

“إزاي؟”

 

“لأني كنت غبي”

 

“إزاي يعني؟”

 

“لما اكتشفت إن أحمد بيدور على الصندوق… حاولت أخبيه”

 

“وعملت إيه؟”

 

“حطيت المفتاح عندي”

 

“وأحمد أخده؟”

 

هز راسه

 

“أيوه”

 

وفجأة سمعنا صوت من فوق

 

صوت أحمد

 

“بابا!”

 

الصوت كان قريب

 

أبويا بص للسقف

 

“وصلوا للممر”

 

أمي بدأت ترتعش

 

“هنعمل إيه؟”

 

أنا بصيت للباب الحديد

 

وبعدين لأبويا

 

“يعني كل اللي عملناه ده ومش هنقدر نفتحه؟”

 

أبويا قال

 

“لازم نرجع”

 

“نرجع؟”

 

“أيوه”

 

“وأحمد مستنينا؟”

 

قال

 

“عندنا طريق تاني”

 

لف ناحية الحيطة

 

ومشى لحد ركن صغير

 

ضغط على طوبة

 

الحيطة اتحركت

 

ظهر ممر تاني

 

بصيت له وأنا مش مصدق

 

“البيت ده فيه ممرات أكتر من اللي أعرفها”

 

أبويا ابتسم بحزن

 

“جدك كان راجل بيحب يخبي أسراره”

 

دخلنا الممر التاني

 

لكن قبل ما أتحرك سمعت صوت خبطة قوية على الباب الحديد

 

أحمد كان وصل

 

“بابا!”

 

وبعده صوت سامي

 

“محمود… أنا عارف إنك تحت”

 

أبويا وقف

 

سامي كمل

 

“لو خرجتوا بهدوء محدش هيتأذى”

 

أمي همست

 

“كذاب”

 

أبويا مسك إيدي

 

“يلا”

 

جرينا في الممر

 

لحد ما وصلنا لباب صغير فتحناه وطلعنا ورا مخزن قديم في آخر الحوش

 

كنت باخد نفسي بالعافية

 

وفجأة أبويا قال

 

“لازم نروح لحد أمين”

 

سألته

 

“مين؟”

 

قال

 

“عمك شوقي”

 

اتصدمت

 

“عم شوقي؟”

 

“أيوه”

 

“بس ده عايش في القاهرة”

 

“لا”

 

بصلي

 

“هو في البلد”

 

“من إمتى؟”

 

أبويا سكت

 

وبعدين قال

 

“من يوم ما رجع من السفر”

 

خرجنا من البيت من باب خلفي

 

ركبنا عربية قديمة كانت مركونة عند المخزن

 

وأبويا هو اللي ساق

 

أمي كانت قاعدة جنبي

 

طول الطريق ما حدش اتكلم

 

كنت بفكر في كل حاجة

 

أحمد

 

سامي

 

التوكيلات

 

البيت

 

الصندوق

 

والمفتاح

 

وأكتر حاجة كانت شاغلاني كلام أحمد عن ليلة وفاة جدي

 

بعد حوالي عشرين دقيقة وقف أبويا قدام بيت قديم في آخر البلد

 

نزل وخبط ثلاث خبطات

 

وبعدها خبطتين

 

الباب اتفتح

 

وظهر راجل كبير في السن

 

أول ما شاف أبويا اتجمد

 

وبعدين قال

 

“محمود؟”

 

أبويا قال

 

“شوقي… يوسف رجع”

 

الراجل بصلي طويلًا

 

وبعدين قال

 

“كنت مستنيه”

 

دخلنا

 

وقفل الباب وراه

 

قلت

 

“إنت كنت مستنيني ليه؟”

 

عم شوقي ما ردش

 

راح ناحية دولاب قديم

 

طلع منه ظرف بني

 

وحطه قدامي

 

“ده أبوك كان سايبه عندي من تلاتين سنة”

 

بصيت لأبويا

 

“إيه ده؟”

 

أبويا قال

 

“افتحه”

 

فتحت الظرف

 

كان جواه صورة قديمة

 

صورة لجدي واقف قدام البيت

 

وجنبه أبويا وهو شاب

 

وجنبهم راجل تالت

 

أول ما شفت الراجل التالت حسيت إني شفته قبل كده

 

قربت الصورة من عيني

 

“ده مين؟”

 

عم شوقي قال

 

“سامي”

 

اتجمدت

 

“سامي كان يعرف جدي؟”

 

“مش بس كان يعرفه”

 

عم شوقي قعد قدامي

 

وقال

 

“كان شريكه”

 

بصيت لأبويا

 

“في إيه؟”

 

عم شوقي قال

 

“في الأرض اللي البيت اتبنى عليها”

 

سكت

 

وبعدين فتح درج تاني

 

وطلع ورقة قديمة متآكلة الأطراف

 

وقال

 

“دي أهم ورقة عندنا”

 

أخدتها

 

وقريت أول سطر

 

وكان مكتوب:

 

إقرار ملكية ونصيب في أرض مشتركة

 

رفعت عيني

 

“يعني البيت مش ملك جدي لوحده؟”

 

عم شوقي قال

 

“كان فيه شريك”

 

“سامي؟”

 

هز راسه

 

“أيوه”

 

وبعدين قال جملة خلتني مش قادر أتكلم

 

“لكن سامي باع نصيبه لجَدك من تلاتين سنة”

 

قلت

 

“يبقى هو ملوش حاجة”

 

عم شوقي بص لأبويا

 

“هنا المشكلة”

 

“إيه المشكلة؟”

 

قال

 

“البيع حصل فعلًا”

 

“أمال؟”

 

حط الورقة قدامي

 

“لكن سامي ما استلمش فلوسه كلها”

 

سكت

 

“وكان فيه شرط”

 

بصيت للورقة

 

“شرط إيه؟”

 

قال

 

“لو الفلوس ما اتدفعتش في موعد معين… يرجع له حقه في الأرض”

 

بصيت لأبويا

 

“وأبويا ما دفعش؟”

 

أبويا رد بسرعة

 

“دفعت”

 

عم شوقي قال

 

“دفعت جزء”

 

أبويا بصله

 

“شوقي!”

 

“لازم يعرف”

 

بصيت لأبويا

 

“إنت مخبي عني إيه؟”

 

أبويا حط إيده على وشه

 

وقال

 

“كنت فاكر إني بحميك”

 

“من إيه؟”

 

رفع عينه

 

“من الحقيقة”

 

وقبل ما يكمل

 

سمعنا خبط شديد على الباب

 

مرة

 

واتنين

 

وتلاتة

 

عم شوقي قام

 

وبص من الشباك

 

وشه اتغير

 

“وصلوا”

 

قلت

 

“مين؟”

 

رد

 

“أحمد وسامي”

 

وبعدين بصلي

 

وقال

 

“لكن المرة دي مش جايين عشان ياخدوا المفتاح”

 

“أمال جايين ليه؟”

 

عم شوقي قرب مني

 

وقال بصوت منخفض

 

“جايين عشان الورقة اللي في إيدك”

 

بصيت للورقة

 

وفجأة لقيت إن آخر سطر فيها كان متغطّي بطية قديمة

 

فتحتها بإيدي

 

وقريت الجملة كاملة

 

وساعتها فهمت ليه أحمد كان مرعوب من رجوعي…

 

لأن اسمي أنا كان مكتوب في عقد الملكية من تلاتين سنة… قبل حتى ما أكون بالغ.

. اتجمدت وأنا ماسك الورقة بين إيديا

 

بصيت للاسم المكتوب في آخر السطر مرة واتنين وتلاتة كأني مستني الحروف تتغير

 

لكنها ما اتغيرتش

 

كان مكتوب بوضوح

 

“يؤول نصف الحق في الأرض إلى الابن الأصغر محمود يوسف…”

 

وتحتها مباشرة اسم أبويا

 

وبعدين توقيع جدي

 

رفعت عيني لأبويا

 

“محمود يوسف ده أنت؟”

 

أبويا هز راسه

 

“أيوه”

 

“طب اسمي إيه هنا؟”

 

ما ردش

 

قربت الورقة من وشه

 

“ليه اسمي مكتوب؟”

 

عم شوقي قال بهدوء

 

“لأن جدك كان عارف إن اللي هيحصل بعد موته ممكن يضيع حق أبوك”

 

بصيت له

 

“بس أنا كنت طفل”

 

“وده بالضبط السبب”

 

أبويا قام من مكانه وقال

 

“أبوك ما كانش عايزك تدخل في الموضوع”

 

صرخت فيه

 

“أمال كنت عايزني أعمل إيه؟ أسيب أخويا يطردك من بيتك وأنا مش فاهم حاجة؟”

 

أمي بدأت تبكي

 

“يوسف اسمع أبوك”

 

بصيت لها

 

“ماما إنتي كنتي عارفة؟”

 

هزت راسها وهي بتعيط

 

“عرفت بعدين”

 

“بعد إيه؟”

 

سكتت

 

“قولي”

 

قالت بصوت مكسور

 

“بعد وفاة جدك”

 

عم شوقي تدخل

 

“محمود وأمك فضلوا سنين خايفين إن الورقة دي تظهر”

 

“ليه؟”

 

قال

 

“لأن ظهورها كان معناه إن فيه ناس هتخسر كتير”

 

“مين؟”

 

عم شوقي بص ناحية الباب

 

“سامي”

 

خبط الباب تاني

 

المرة دي أقوى

 

أبويا قال

 

“لازم نمشي”

 

لكن عم شوقي هز راسه

 

“مفيش وقت”

 

وبعدين بصلي

 

“يوسف لازم يعرف كل حاجة دلوقتي”

 

قربت منه

 

“قول”

 

قال

 

“سامي كان شريك جدك في الأرض”

 

“عرفت”

 

“لكن الأرض دي كانت أكبر بكتير من البيت اللي واقفين فيه”

 

سكت لحظة

 

“كان فيه قطعة أرض ورا البيت وقطعة تانية ناحية الطريق الرئيسي”

 

“وبعدين؟”

 

“بعد وفاة جدك الأرض اتقسمت”

 

“نص لمين؟”

 

“نص لأبوك”

 

“والنص التاني؟”

 

عم شوقي بص لأبويا

 

أبويا قال

 

“لأحمد”

 

اتصدمت

 

“أحمد؟”

 

هز راسه

 

“جدي كتب لأحمد؟”

 

“أيوه”

 

“طب اسمي أنا ليه؟”

 

أبويا قال

 

“لأن جدك كتب شرط”

 

“شرط إيه؟”

 

“إن نصيب أحمد ما يتصرفش فيه بالبيع أو الرهن إلا بموافقتك”

 

سكت

 

وبعدين قلت

 

“يعني أحمد محتاج موافقتي؟”

 

“أيوه”

 

“عشان كده سامي كان بيدور على المفتاح؟”

 

عم شوقي قال

 

“وعشان كده أحمد كان محتاج التوكيل”

 

بدأت أفهم الصورة

 

أحمد ما كانش بيحاول ياخد البيت بس

 

كان بيحاول يبيع الأرض

 

لكن وجود اسمي في العقد كان هيوقفه

 

قلت

 

“بس لو العقد موجود عندكم ليه سامي وأحمد كانوا محتاجين المفتاح؟”

 

عم شوقي رد

 

“لأن العقد الأصلي مش هنا”

 

“فين؟”

 

بص لأبويا

 

أبويا قال

 

“في الصندوق”

 

“صندوق تحت البيت؟”

 

هز راسه

 

“أيوه”

 

“والمفتاح مع أحمد”

 

“أيوه”

 

سكت

 

وفجأة فهمت ليه كانوا عايزين المفتاح بأي تمن

 

لأن اللي في الصندوق مش مجرد ورقة

 

ده أصل الملكية

 

والأهم إنه فيه توقيع جدي

 

والتوقيع ده يقدر يثبت إن أحمد ما كانش من حقه يبيع أو يتصرف في الأرض من غير موافقتي.

 

قلت

 

“طب إيه علاقة المحامية نجلاء؟”

 

أبويا بصلي

 

“أنا ما أعرفش”

 

قلت

 

“أحمد قال إنها عارفة السر”

 

عم شوقي قال

 

“ممكن تكون عارفة”

 

“إزاي؟”

 

“لأن سامي استعان بيها قبل كده في قضية تخص الأرض”

 

وقفت

 

“يعني نجلاء كانت تعرف سامي؟”

 

“أيوه”

 

طلعت موبايلي على طول

 

لقيت مكالمة فائتة من نجلاء

 

وبعدها رسالة

 

“يوسف لازم نتكلم فورًا. متثقش في أي حد من أهلك.”

 

ضحكت بمرارة

 

“هي بتقول لي ما أثقش في أهلي”

 

أبويا قال

 

“يمكن عندها حق”

 

بصيت له

 

“يمكن”

 

وفجأة سمعنا صوت العربية برا

 

عم شوقي قرب من الشباك

 

“العربية لسه واقفة”

 

“هما مستنيننا؟”

 

“أيوه”

 

قلت

 

“هنعمل إيه؟”

 

عم شوقي فتح باب صغير خلف الدولاب

 

“في مخرج على الشارع التاني”

 

أبويا قال

 

“بس الورقة؟”

 

عم شوقي بصلي

 

“خليها معاه”

 

أبويا قال

 

“لا”

 

أنا بصيت له

 

“إيه؟”

 

قال

 

“لو الورقة وقعت في إيده هنضيع”

 

حطيت الورقة في جيبي

 

وقلت

 

“مش هسيبها”

 

خرجنا من الممر الخلفي

 

ومشينا في شارع جانبي ضيق

 

كنت ماشي جنب أبويا

 

وأول مرة أحس إني شايل سر أكبر مني

 

بعد حوالي عشر دقايق وصلنا لعربية أجرة

 

ركبنا كلنا

 

وقلت للسواق

 

“على أقرب مكتب محاماة”

 

أبويا بصلي

 

“هتروح لنجلاء؟”

 

قلت

 

“لأ”

 

“أمال مين؟”

 

“محامي تاني”

 

وصلنا مكتب صغير في وسط البلد

 

دخلنا عند محامي اسمه حسام

 

عم شوقي كان يعرفه

 

أول ما شاف الورقة قعد يعدل نضارته

 

وقال

 

“دي مش صورة”

 

قلت

 

“لأ”

 

قال

 

“دي أصلية؟”

 

عم شوقي رد

 

“لو الورقة دي أصلية يبقى أحمد ما يملكش حق البيع اللي عمله”

 

قلت

 

“وأقدر أوقف التصرفات؟”

 

قال

 

“لو قدرت تثبت إن العقد صحيح وإن التوقيعات سليمة… أيوه”

 

أبويا تنفس براحة

 

لكن المحامي قال

 

“في مشكلة”

 

“إيه؟”

 

“لازم نشوف العقد الأصلي اللي موجود في الصندوق”

 

قلت

 

“الصندوق تحت البيت”

 

سكت

 

“والمفتاح مع أحمد”

 

المحامي فكر شوية

 

وبعدين قال

 

“مفيش مشكلة”

 

“إزاي؟”

 

قال

 

“لو الصندوق جزء من عقار والدك، نقدر نطلب إثبات رسمي بوجوده”

 

سكت لحظة

 

“لكن لازم نتحرك بسرعة”

 

“ليه؟”

 

قال

 

“لأن لو أحمد باع الأرض لطرف تالت وبدأت إجراءات نقل الملكية، الموضوع هيبقى أصعب”

 

في اللحظة دي موبايلي رن

 

كان أحمد

 

بصيت للشاشة

 

أبويا قال

 

“ما تردش”

 

لكن أنا رديت

 

“ألو”

 

جاء صوته هادي جدًا

 

“إنت عند المحامي؟”

 

سكت

 

“أبوك قالك كل حاجة؟”

 

قلت

 

“تقصد إيه؟”

 

ضحك

 

“لسه”

 

“لسه إيه؟”

 

قال

 

“لسه ما قالكش إن جدي ما كانش ناوي يديك الأرض؟”

 

اتوترت

 

“يعني إيه؟”

 

“الورقة اللي معاك ناقصة”

 

بصيت للمحامي

 

أحمد كمل

 

“في صفحة تانية”

 

قلبي دق بسرعة

 

“صفحة إيه؟”

 

“الصفحة اللي فيها الشرط الحقيقي”

 

سكت

 

“لو عايز تعرف الحقيقة تعال لوحدك”

 

قلت

 

“فين؟”

 

“البيت”

 

“مش هروح”

 

ضحك

 

“كنت عارف إنك هتقول كده”

 

وبعدين صوته اتغير

 

“عشان كده هخلي ماما تيجي لك”

 

وقبل ما أتكلم قفل.

 

بصيت لأمي

 

وشها كان أبيض

 

“ماما؟”

 

ما ردتش

 

قلت

 

“إيه اللي يعرفه أحمد عنك؟”

 

بدأت تبكي

 

أبويا قال

 

“يوسف…”

 

لكن أمي هزت راسها

 

“خلاص”

 

وبصتلي

 

“لازم تعرف”

 

“تعرف إيه؟”

 

مسحت دموعها

 

وقالت

 

“أنا اللي طلبت من أبوك يخبي عنك الحقيقة”

 

“ليه؟”

 

“لأني كنت خايفة عليك”

 

“من مين؟”

 

بصت ناحية الباب

 

وقالت

 

“من أخوك”

 

سكت

 

وبعدين قالت

 

“لأن أحمد مش هو اللي بدأ كل ده”

 

“أمال مين؟”

 

أمي قربت مني وقالت بصوت واطي

 

“أنا شفت سامي ليلة وفاة جدك”

 

اتجمدت

 

“فين؟”

 

“في بيت جدك”

 

“وكنتِ لوحدك؟”

 

هزت راسها

 

“لأ”

 

“كان معاه مين؟”

 

بصت لأبويا

 

وأبويا نزل عينه في الأرض

 

قالت

 

“كان معاه شخص من العيلة”

 

سألتها

 

“مين؟”

 

فضلت ساكتة

 

“ماما مين؟”

 

رفعت عيني وقالت

 

“عمك شوقي”

 

اتصدمت

 

بصيت ناحية الباب

 

لكن عم شوقي ما كانش موجود

 

“فين عم شوقي؟”

 

المحامي قال

 

“خرج من شوية”

 

قمت بسرعة

 

“خرج لوحده؟”

 

هز راسه

 

“أيوه”

 

مسكت موبايلي واتصلت به

 

الموبايل كان مقفول.

 

في نفس اللحظة وصلتني رسالة من رقم غريب

 

فتحتها

 

وكان فيها صورة لعم شوقي

 

واقف قدام البيت القديم

 

وفي إيده المفتاح الثاني.

 

وتحت الصورة جملة واحدة:

 

“لو عايز تعرف مين خان أبوك… تعالى لوحدك قبل الفجر.”

 

رفعت عيني لأبويا

 

وكان واضح من وشه إنه عرف مين بعت الرسالة

 

قلت له

 

“مين اللي بعتها؟”

 

أبويا ما ردش

 

كررت

 

“مين؟”

 

وأخيرًا قال بصوت مبحوح

 

“أخوك أحمد.”

 

وبعدها مباشرة وصلتني رسالة تانية

 

لكن المرة دي من نجلاء

 

وكانت أقصر وأخطر:

 

“يوسف… متروحش لأحمد. لأن الشخص اللي معاه مش أحمد.”. فتحت الرسالة تاني كأني مش مصدق اللي قريته

 

“الشخص اللي معاه مش أحمد”

 

بصيت لأبويا

 

“يعني إيه مش أحمد؟”

 

أبويا فضل ساكت

 

“بابا أنا بسألك”

 

أمي قربت مني وقالت

 

“نجلاء تعرف حاجة إحنا منعرفهاش”

 

قلت لها

 

“أمال ليه أنا حاسس إن كل واحد فيكم عارف جزء من الحكاية وسايبني أنا أجمع الباقي؟”

 

أبويا قام من مكانه

 

“عشان الحقيقة لو اتقالت مرة واحدة ممكن تدمرنا كلنا”

 

ضحكت بمرارة

 

“إحنا أصلًا اتدمرنا”

 

سكت

 

“إنت وأمي بتناموا في مخزن في بيتكم”

 

“وأحمد قاعد في الصالون مع ناس غريبة”

 

“وسامي بيطاردنا”

 

“وعم شوقي اختفى”

 

“ومحاميتي بتبعتلي رسائل تخوفني”

 

بصيت في عيون أبويا

 

“لسه في إيه؟”

 

أبويا أخد نفس طويل

 

“في حاجة واحدة”

 

“إيه؟”

 

“أحمد مش ابن أختك…”

 

اتجمدت

 

“إيه؟”

 

أمي شهقت

 

“محمود!”

 

أبويا بصلي

 

“أنا آسف”

 

قلت وأنا مش فاهم

 

“تقصد إيه؟”

 

“أحمد أخوك من أبوك وأمك”

 

“أمال قلت إيه؟”

 

“قصدي إن أحمد مش هو اللي كان سامي بيتعامل معاه”

 

“يعني مين؟”

 

قبل ما يجاوب دخل المحامي حسام بسرعة

 

وفي إيده ملف

 

“يوسف”

 

بصيت له

 

“في إيه؟”

 

قال

 

“أنا لقيت حاجة مهمة جدًا”

 

حط الملف على الترابيزة

 

“إيه ده؟”

 

“صورة من توكيل قديم”

 

فتح أول ورقة

 

وقلت

 

“ده توقيع أبويا”

 

قال

 

“أيوه”

 

وبعدين قلب الصفحة

 

“وده توقيع أحمد”

 

قلب صفحة تانية

 

“وده توقيع شخص تالت”

 

بصيت للاسم

 

واتصدمت

 

الاسم كان

 

يوسف محمود

 

اسمي.

 

قلت

 

“إيه ده؟”

 

المحامي قال

 

“التوكيل ده معمول من عشرين سنة”

 

“أنا كنت طفل”

 

“عارف”

 

“يبقى التوقيع مزور”

 

هز راسه

 

“غالبًا”

 

بصيت لأبويا

 

“إزاي اسمي موجود؟”

 

أبويا ما ردش

 

“بابا؟”

 

أمي قالت

 

“إحنا ما كناش نعرف”

 

قلت

 

“مين عمله؟”

 

المحامي أشار لأسفل الورقة

 

“المشكلة هنا”

 

كان فيه اسم المحامي اللي وثق التوكيل

 

نجلاء.

 

وقفت مكاني

 

“نجلاء؟”

 

المحامي هز راسه

 

“أيوه”

 

قلت

 

“بس نجلاء كانت صغيرة وقتها”

 

قال

 

“كانت متدربة في المكتب”

 

“يعني كانت تعرف الورق؟”

 

“غالبًا”

 

قلت

 

“ومين المحامي الأصلي؟”

 

المحامي قلب الصفحة

 

وقرأ الاسم

 

وبعدين بصلي

 

“سامي عبد الحميد”

 

سكتنا كلنا.

 

نفس سامي.

 

الراجل اللي كان واقف دلوقتي برا بيتنا.

 

الراجل اللي بيدور على المفتاح.

 

الراجل اللي كان شريك جدي.

 

قلت

 

“يعني سامي هو اللي كتب التوكيل؟”

 

“التوكيل اتوثق في مكتبه”

 

“ومين وقعه؟”

 

المحامي قال

 

“أبوك”

 

بصيت لأبويا

 

“ليه؟”

 

أبويا قال

 

“ما كنتش أعرف إن الورقة دي موجودة”

 

“إنت مضيت على توكيل من عشرين سنة ومش فاكر؟”

 

هز راسه

 

“كان وقتها فيه مشكلة في أرض جدك”

 

أمي قاطعته

 

“محمود كان فاكر إنه بيمضي على تفويض محدود”

 

المحامي قال

 

“لكن التوكيل ده كان مفتوح”

 

قلت

 

“يعني سامي كان يقدر يتصرف؟”

 

“تقريبًا”

 

سكت

 

وبعدين افتكرت كلام أحمد

 

“أحمد قال إن فيه صفحة تانية”

 

المحامي قال

 

“ممكن يكون عنده حق”

 

“فين الصفحة؟”

 

“مش عارف”

 

قلت

 

“يبقى لازم نجيبها”

 

وفجأة تليفوني رن.

 

رقم غريب.

 

رديت

 

“ألو؟”

 

صوت راجل كبير قال

 

“يوسف؟”

 

“مين؟”

 

“أنا عم شوقي”

 

اتنفسنا كلنا براحة

 

قلت

 

“إنت فين؟”

 

قال

 

“متسألنيش”

 

“إزاي يعني؟”

 

“اسمعني كويس”

 

صوته كان بيرتعش

 

“المفتاح التاني معايا”

 

“فين؟”

 

“مش مهم”

 

“أحمد بعتلي صورة ليك”

 

“عارف”

 

“بس أحمد مش لوحده”

 

قلت

 

“مين معاه؟”

 

سكت

 

“قول”

 

قال

 

“سامي”

 

“ده عارف”

 

“لأ”

 

صوته انخفض

 

“في حد تالت”

 

قلبي دق بسرعة

 

“مين؟”

 

قال

 

“أمك تعرفه”

 

بصيت لأمي

 

كانت واقفة بعيد

 

وشها اتغير أول ما سمعت الجملة

 

قلت

 

“مين؟”

 

عم شوقي قال

 

“جوز أخت أبوك”

 

اتصدمت

 

“خالي؟”

 

“أيوه”

 

قلت

 

“بس خالي مات من عشر سنين”

 

عم شوقي سكت.

 

قلت

 

“عم شوقي؟”

 

ما ردش.

 

“عم شوقي!”

 

الخط اتقفل.

 

بصيت لأمي

 

“ماما”

 

ما ردتش

 

“خالي مات من عشر سنين”

 

دموعها نزلت

 

“عارفة”

 

“يبقى مين اللي مع أحمد؟”

 

قالت بصوت ضعيف

 

“مش عارفه”

 

“إنتي تعرفي حاجة”

 

“أيوه”

 

“قولي”

 

أمي قعدت على الكرسي

 

وقالت

 

“قبل ما خالك يموت بأسبوع جه لي”

 

سكتت

 

“وقال لي إنه اكتشف إن جديك خبى ورقة مهمة”

 

“أي ورقة؟”

 

“ورقة تثبت إن البيت والأرض مش ملك أحمد لوحده”

 

“وبعدين؟”

 

“قال لي إنه لو حصل له حاجة لازم أخلي يوسف يعرف”

 

بصيت لأبويا

 

“وأنت كنت عارف؟”

 

أبويا هز راسه

 

“كنت عارف إنه قابل أمك”

 

“طب ليه ما قلتليش؟”

 

“لأن بعد موته جالي تهديد”

 

“من مين؟”

 

أبويا قال

 

“من سامي”

 

سكت

 

“قال لي لو فتحت بوقي هتندم”

 

قلت

 

“وعشان كده سكت؟”

 

قال

 

“كنت خايف عليكم”

 

“والسكوت ضيعنا”

 

أمي قالت

 

“إحنا غلطنا”

 

فجأة المحامي حسام بص ناحية الشباك

 

“حد واقف برا”

 

كلنا سكتنا.

 

قرب من الستارة وبص بحذر

 

“عربية سودا”

 

أبويا قال

 

“سامي”

 

المحامي قال

 

“لأ”

 

بص تاني

 

“العربية دي أنا شفتها قبل كده”

 

سألته

 

“فين؟”

 

قال

 

“قدام مكتب نجلاء”

 

حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.

 

نجلاء.

 

سامي.

 

أحمد.

 

المفتاح.

 

التوكيل.

 

كل حاجة كانت بتوصل لبعض.

 

قلت

 

“أنا هروح لنجلاء”

 

أبويا وقف

 

“لا”

 

“لازم أعرف الحقيقة”

 

“هي جزء من المشكلة”

 

“وممكن تكون عندها الجزء اللي ناقص”

 

المحامي قال

 

“أنا هاجي معاك”

 

هزيت راسي

 

“لأ”

 

“ليه؟”

 

“لو نجلاء بتراقبني يبقى لازم تعرف إني لوحدي”

 

أبويا قال

 

“يوسف ما تعملش حاجة متهورة”

 

بصيت له

 

“أنا مش رايح أتهور”

 

مسكت الورقة

 

“أنا رايح أعرف ليه اسمي اتحط في عقد وأنا طفل”

 

خرجت من المكتب

 

وركبت عربيتي

 

وقبل ما أدور المحرك وصلتني رسالة من رقم مجهول

 

“لو رحت لنجلاء هتلاقيها ميتة.”

 

اتجمدت.

 

وبعد ثواني وصلت رسالة تانية.

 

“ولو عايز تنقذها… روح للمخزن القديم قبل الساعة اتنين.”

 

بصيت للساعة.

 

كانت واحدة وأربعين دقيقة.

 

وكان عندي أقل من عشرين دقيقة.

 

لكن قبل ما أتحرك افتكرت جملة أمي:

 

“خالي قال لي لو حصل له حاجة لازم أخلي يوسف يعرف.”

 

فتحت درج العربية القديم.

 

لقيت ظرف صغير كنت حاطه من سنين من غير ما أعرف هو إيه.

 

كان مكتوب عليه بخط أمي:

 

“لما يوسف يرجع… سلمهاله.”

 

فتحت الظرف بإيد مرتعشة.

 

جواه صورة قديمة.

 

وفي الصورة كان جدي واقف قدام البيت.

 

لكن الصدمة ما كانتش في الصورة.

 

الصدمة كانت في الشخص الواقف جنبه.

 

كان خالي.

 

وكان في إيده نفس المفتاح اللي مع أبويا.

 

وتحت الصورة مكتوب بخط جدي:

 

“المفتاح الحقيقي لم يكن مع محمود… وكان لازم يفضل مع الشخص الوحيد اللي لم أثق فيه.”

 

رفعت عيني عن الصورة.

 

وفجأة فهمت إن كل اللي حصل من البداية كان مبني على كذبة واحدة.

 

لكن السؤال الأخطر كان:

 

مين الشخص اللي جدي ما كانش بيثق فيه؟

 

وفي اللحظة اللي شغلت فيها العربية وصلني اتصال من نجلاء.

 

رديت بسرعة.

 

لكن بدل ما أسمع صوتها…

 

سمعت صوت سامي.

 

وقال لي بهدوء:

 

“لو عايز نجلاء تفضل عايشة… تعالى لوحدك يا يوسف.”

 

وبعدين سكت ثانية وقال:

 

“وخلي المفتاح معاك.”

 

ثم قفل الخط.

 

روحت للمخزن القديم وأنا مش عارف أنا رايح أنقذ نجلاء ولا داخل على فخ متجهز لي من سنين.

 

ركنت العربية بعيد ومشيت على رجلي.

 

المكان كان مهجور ومظلم والباب الحديد مفتوح.

 

دخلت وأنا ماسك المفتاح في إيدي.

 

“سامي!”

 

ماحدش رد.

 

خطوتين كمان.

 

سمعت صوت حركة من آخر المخزن.

 

وفجأة النور اتفتح.

 

سامي كان واقف قدامي.

 

وجنبه أحمد.

 

لكن المفاجأة الحقيقية كانت الشخص اللي واقف وراهم.

 

عم شوقي.

 

إيدي نزلت من على المفتاح.

 

“إنت؟”

 

عم شوقي بصلي بحزن وقال

 

“سامحني يا يوسف.”

 

بصيت لأحمد

 

“إنتوا خاطفين نجلاء؟”

 

أحمد هز راسه

 

“لأ.”

 

سامي قال

 

“نجلاء هي اللي كانت بتلعب بينا كلنا.”

 

اتصدمت.

 

“إيه؟”

 

سامي حط ملف على الترابيزة.

 

“اقرأ.”

 

فتحت الملف.

 

لقيت صور من التوكيلات القديمة وعقود البيع وكل الورق اللي كنت بدور عليه.

 

وفي آخر الملف كانت فيه ورقة مكتوبة بخط جدي.

 

قريتها بصوت مسموع.

 

كان كاتب إن الأرض والبيت حق مشترك بين أبويا وأحمد لكن بشرط واضح إن أي تصرف في الأرض لازم يكون بموافقة الابن الأصغر يوسف.

 

بصيت لأحمد.

 

“عشان كده كنت عايزني أبيع؟”

 

قال

 

“أنا ما كنتش عايز أبيع.”

 

سكت.

 

“مين كان عايز؟”

 

بص لسامي.

 

سامي قال

 

“أنا.”

 

“ليه؟”

 

قال

 

“لأن الأرض دي عليها مشروع كبير واتعرض عليها مبلغ يخلي أي حد يبيع”

 

قلت

 

“بس أنت مالكش حق”

 

ابتسم

 

“كان ممكن يبقى ليا.”

 

طلع عم شوقي مفتاح من جيبه.

 

“وده سبب كل اللي حصل.”

 

بصيت للمفتاح.

 

“إيه ده؟”

 

قال

 

“المفتاح الحقيقي.”

 

أخده سامي وفتحه في قفل صغير في صندوق خشبي كان موجود في آخر المخزن.

 

فتح الصندوق.

 

جواه أوراق قديمة وصور وإيصالات.

 

لكن فيه ورقة واحدة كانت مختلفة.

 

أبويا دخل فجأة من باب المخزن.

 

“يوسف!”

 

لفيت له.

 

كان معاه أمي والمحامي حسام.

 

أبويا قرب مني وقال

 

“خلصت يا ابني.”

 

بصيت له

 

“إيه اللي خلص؟”

 

قال

 

“الخوف.”

 

حسام أخد الورقة من الصندوق وقرأها.

 

وبعدين قال

 

“دي الورقة اللي كانت ناقصة.”

 

بصيت له

 

“بتقول إيه؟”

 

قال

 

“بتثبت إن جدك دفع لسامي كل فلوسه من تلاتين سنة.”

 

سامي اتغير وشه.

 

“مستحيل.”

 

حسام رفع الإيصال.

 

“الدفع كان موجود هنا.”

 

وبعدين أشار لتوقيع سامي.

 

“وده توقيعك.”

 

سامي قرب منه.

 

“التوقيع ده مزور.”

 

حسام رد بهدوء

 

“عشان كده جبنا خبير خطوط.”

 

اتسعت عيني.

 

“إنتوا كنتوا مخططين لكل ده؟”

 

أبويا قال

 

“أول ما عرفت إنك رجعت اتصلت بحسام”

 

“ومحمد؟”

 

“عم شوقي كان بيساعدنا من البداية.”

 

بصيت لعم شوقي.

 

“طب ليه خوفتني؟”

 

قال

 

“عشان سامي كان بيراقب كل خطوة.”

 

سامي حاول يتحرك ناحية الباب.

 

لكن رجالة الشرطة دخلوا في نفس اللحظة.

 

وقف مكانه.

 

أحمد نزل عينيه.

 

وأنا لأول مرة حسيت إن البيت رجع لأهله.

 

بعد أيام قليلة ظهرت الحقيقة كاملة.

 

التوكيلات اللي اتعملت زمان اتثبت إنها اتستخدمت بشكل مخالف.

 

والأوراق اللي حاول أحمد وسامي يعتمدوا عليها ما كانش لها قيمة قدام المستندات الأصلية.

 

أحمد اعترف بكل حاجة.

 

اعترف إنه كان مضغوط من سامي وإنه صدق كلامه عن إن البيت والأرض هيتباعوا بمبلغ كبير.

 

واعترف كمان إنه كان بيخبي على أبويا وأمي جزء من الفلوس اللي ببعتها لهم.

 

لما واجهته قلت له

 

“إنت كنت ممكن تطلب مني أي حاجة.”

 

بكى وقال

 

“كنت فاكر إنك هترفض.”

 

قلت

 

“كنت هرفض أبيع بيت أبويا وأمي.”

 

سكت.

 

“لكن عمري ما كنت هرفض أساعدك.”

 

بص في الأرض.

 

“أنا عارف.”

 

بعدها رجعت أبويا وأمي لبيتهم.

 

أول ليلة دخلوا أوضتهم القديمة وأنا واقف في الصالة.

 

أمي لمست الحيطان وقالت

 

“حاسه إني برجع لأيام زمان.”

 

أبويا قعد على كرسيه القديم وضحك.

 

“المرة دي مش هطلب إذن من حد عشان آكل على ترابيزة مطبخي.”

 

ضحكت وأنا بحضنه.

 

لكن قبل ما أنام دخلت أوضة جدي.

 

وقفت قدام الصندوق القديم.

 

فتحت الورقة الأخيرة.

 

كان جدي كاتب في نهايتها:

 

“البيت مش حيطان يا ولادي.”

 

“البيت أمانة.”

 

“والفلوس ممكن تتقسم.”

 

“لكن لو اتقسمت القلوب بسببها يبقى مفيش حد كسب.”

 

فضلت واقف قدام الكلام ده وقت طويل.

 

وبعدين حطيت الورقة مكانها.

 

تاني يوم الصبح أبويا ناداني.

 

“يوسف.”

 

“نعم يا بابا؟”

 

قال

 

“تعالى شوف.”

 

خرجت له.

 

كان واقف قدام البيت وبيعلق لافتة صغيرة.

 

بصيت عليها.

 

كان مكتوب:

 

“ورشة محمود لصناعة الأثاث.”

 

ضحكت.

 

“هترجع تشتغل؟”

 

ابتسم

 

“إنت فاكرني هقعد أتفرج عليك وإنت بتصرف عليا طول عمري؟”

 

أمي خرجت وهي بتضحك

 

“سيبه يا يوسف، أبوك لو قعد من غير شغل يومين هيجنننا.”

 

بصيت لهم.

 

لأول مرة من شهور حسيت إن البيت رجع بيت فعلًا.

 

مش بسبب الورق.

 

ولا الأرض.

 

ولا الفلوس.

 

لكن لأن أبويا وأمي رجعوا يضحكوا في المكان اللي قضوا فيه عمرهم.

 

أما أحمد فكان له حسابه مع القانون ومع نفسه.

 

وأنا قررت إني مش هسيبه رغم كل اللي حصل.

 

لأن أخويا غلط.

 

لكن العيلة لما بتقع مش دايمًا الحل إننا نسيبها تقع أكتر.

 

أحيانًا الحل إننا نوقفها عند حدودها ونخلي كل واحد يتحمل نتيجة غلطه.

 

وبعد شهور، بعتلي أحمد رسالة قصيرة.

 

“يوسف… البيت كان ممكن يضيع بسبب طمعي.”

 

رديت عليه

 

“البيت ما ضاعش.”

 

“إحنا اللي كنا هنضيع.”

 

عدت سنين من يومها.

 

وكل ما أرجع البلد وأدخل البيت ألاقي المفتاح القديم معلق في مكانه فوق مكتب جدي.

 

مفتاح صدّي كان سبب في كشف أسرار اتخبّت أكتر من تلاتين سنة.

 

لكن أهم حاجة اتعلمتها إن مش كل حد يدخل بيتك يبقى من أهلك.

 

ومش كل حد من أهلك يبقى عدوك.

 

وأحيانًا أكبر خطر على الإنسان مش الغريب اللي بيحاول ياخد حقه…

 

لكن القريب اللي يقنع نفسه إن من حقه ياخد حقك لأنه شايف إنك مش هتحتاجه.

 

أما أبويا وأمي…

 

فمن يومها ما طلبوش إذن من حد عشان يقعدوا في بيتهم.

 

وأنا كل شهر كنت ببعت لهم الفلوس برضه.

 

بس المرة دي ما كنتش ببعتها عشان أحميهم.

 

كنت ببعتها عشان أقول لهم من غير كلام:

 

“اللي تعبتوا فيه طول عمركم… مش هسمح لحد ياخده منكم.”

 

وفي آخر مرة زرتهم فيها، أبويا حط المفتاح القديم في إيدي وقال

 

“خليه معاك.”

 

قلت

 

“ليه؟”

 

ابتسم وقال

 

“عشان لو الدنيا لفت بينا تاني… تعرف دايمًا فين بيتك.”

 

بصيت للمفتاح.

 

وفهمت وقتها إن أغلى حاجة ورثتها عن جدي وأبويا ما كانتش الأرض ولا البيت.

 

كانت الثقة إن الحق مهما اتأخر…

 

لازم في يوم يبان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى