وقلت:
“عمر؟”
الصوت وقف.
وبعدين…
جالي صوت شاب:
“بابا؟”
اتجمدت.
قربت من الباب.
“عمر؟”
الصوت رجع:
“بابا، متفتحش الباب.”
دموعي نزلت.
“عمر أنا جيتلك.”
قال:
“أرجوك ارجع.”
قلت:
“مش هسيبك.”
قال:
“إنت مش فاهم.”
قلت:
“أنا أبوك.”
رد:
“عشان كده بالذات لازم تمشي.”
حطيت إيدي على المقبض.
“افتح يا ابني.”
قال:
“لو فتحت الباب… هتعرف ليه كل ليلة كنت بصرخلك خرجني من هنا.”
قلت:
“ليه؟”
سكت.
وبعدين قال:
“لأن اللي كنت شايفه في الحلم… مش كان حلم.”
فتحت الباب.
وفي اللحظة اللي الباب اتفتح فيها…
شوفت عمر.
واقف قدامي.
حي.
وشه هزيل.
دقنه طويلة.
هدومه متبهدلة.
لكن عينيه هما نفس عيني ابني.
صرخت:
“عمر!”
جريت عليه وحضنته.
فضل واقف مكانه ثواني كأنه مش مصدق.
وبعدين حضني بقوة.
وانهار في العياط.
“سامحني يا بابا.”
كنت بعيط زيه.
“إنت عايش… إنت عايش يا ابني.”
قال:
“أنا عايش.”
بعدها أبعدني عنه فجأة.
وبص ورايا.
وشه اتغير.
قال:
“مين اللي جاي معاك؟”
بصيت لأخويا.
عمر أول ما شافه…
رجع لورا.
وقال بصوت مليان خوف:
“إنت؟!”
أخويا قال:
“عمر…”
عمر صرخ:
“متقربش مني!”
أنا وقفت بينهم.
“في إيه؟”
عمر بصلي.
“بابا… إنت مش فاهم.”
قلت:
“قول.”
قال:
“الراجل ده مش عمك.”
بصيت لأخويا.
عمر كمل:
“ده الشخص اللي سرق مني الفلاشة.”
أخويا قال:
“عمر، اسمعني…”
لكن عمر صرخ:
“قول له الحقيقة!”
وبعدين بصلي وقال:
“بابا… أخوك هو اللي بلغهم بمكانك.”
أنا رجعت خطوة.
بصيت لأخويا.
كان ساكت.
سألته:
“ده حقيقي؟”
قبل ما يرد…
سمعنا صوت باب البيت فوق بيتقفل بعنف.
وبعدها أصوات خطوات كتير بتنزل السلم.
عمر مسك إيدي وقال:
“بابا، لازم نخرج من هنا حالًا.”
قلت:
“مين دول؟”
بصلي في عيني.
وقال:
“الناس اللي قتلتني مرة…”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“والنهارده جايين يقتلوا الحقيقة كلها.”
وفجأة ظهر ظل شخص في آخر الممر.
رفع صوته وقال:
“عمر… انتهى وقت اللعب.”
عمر شد إيدي.
وهمس:
“بابا… لو عايز تعرف مين اللي دفنته مكانّي…”
ثم أشار للباب الحديدي الموجود خلفنا.
وقال:
“بص جوه التلاجة.”
فتحت الباب وأنا مش فاهم.
وفي اللحظة اللي النور وقع على اللي جواها…
صرخت من هول الصدمة.
لأن اللي كان جوه…
كان جثة شخص أعرفه كويس جدًا… شخص قابلته بعد وفاة عمر بيومين، وفضل يعزيني قدام البيت.فضلت واقف قدام التلاجة ومش قادر أصدق اللي شايفه.
الجثة اللي جواها كانت لشخص أعرفه كويس جدًا.
الحاج محمود.
راجل من كبار البلد.
نفس الراجل اللي جه بيتي بعد وفاة عمر بيومين وقعد جنبي بالساعات وهو بيواسيني ويقول لي:
“شد حيلك يا عبد السميع… دي إرادة ربنا.”
أنا وقتها كنت منهار، ومسكت إيده وبكيت على كتفه.
وهو كان بيطبطب عليا ويقول:
“ابنك ربنا يرحمه… ده كان زي ابني.”
دلوقتي…
كان جواه التلاجة قدامي.
ميت.
وعينيه مفتوحة.
رجعت لورا وأنا حاسس إني هقع.
قلت:
“ده… ده الحاج محمود.”
عمر قرب مني.
وقال:
“أيوه.”
بصيتله.
“إنت عارفه؟”
قال:
“هو مش اللي كان بيكلمك.”
سألته:
“يعني إيه؟”
قال:
“الراجل اللي جه يعزيك في بيتك… كان شبهه.”
حسيت بقشعريرة.
“شبهه؟”
هز راسه.
“كان شخص تاني.”
قلت:
“مين؟”
قال:
“معرفش اسمه الحقيقي.”
بصيت للجثة تاني.
“مين اللي قتله؟”
عمر قال:
“نفس الناس اللي حاولت تقتلني.”
وفي اللحظة دي…
سمعنا صوت خطوات فوق السلم.
عمر مسك إيدي.
“لازم نمشي.”
قلت:
“بس الحاج محمود…”
قال:
“لو فضلنا هنا هنكون زيه.”
خرجنا من الأوضة بسرعة.
لكن أخويا كان واقف مكانه.
عمر وقف قدامه.
“إنت ليه جيت؟”
أخويا قال:
“عشان أنقذك.”
عمر ضحك بمرارة.
“بعد ما سلمت مكاني ليهم؟”
قال:
“أنا مكنتش أعرف إنهم هيقتلوا محمود.”
عمر قرب منه.
“إنت عارف مين اللي قتل أمي؟”
أخويا سكت.
أنا بصيتله.
“أمي؟”
عمر رد:
“أيوه يا بابا.”
وبص لأخويا.
“قول له.”
أخويا بدأ يعيط.
“أنا مكنتش عايز ده يحصل.”
قلت:
“يحصل إيه؟”
قال:
“أم عمر اكتشفت موضوع الأطفال.”
سألته:
“وبعدين؟”
“حاولت تبلغ.”
“لمَن؟”
“للشرطة.”
“وبعدين؟”
“في الطريق حصلت لها حادثة.”
اتجمدت.
“حادثة؟”
قال:
“زي حادثة عمر.”
سكت.
“يعني مراتي اتقتلت؟”
هز راسه.
“أيوه.”
أنا كنت فاكر إن مراتي ماتت بسبب تعبها.
قعدت معاها آخر ليلة.
كانت بتتنفس بصعوبة.
وقالت لي:
“خلي بالك من عمر.”
وأنا افتكرت إنها خايفة عليه عشان إحنا هنسافر للدكتور.
لكن دلوقتي…
فهمت.
هي كانت عارفة.
كانت عارفة إنها ممكن تموت.
بصيت لعمر.
“ليه مقلتليش؟”
قال:
“عشان مكنتش عايز أخليك تعيش العشرين سنة اللي فاتوا وإنت خايف.”
قلت:
“وأنا عشتهم من غير ما أعرف… وطلعت طول الوقت عايش في كذبة.”
عمر قرب مني.
“أنا آسف.”
حطيت إيدي على وشه.
“إنت ابني.”
قال:
“حتى لو الحقيقة غير اللي إحنا فاكرينه؟”
قلت:
“إنت ابني.”
وضميته.
في اللحظة دي سمعنا صوت إطلاق نار من فوق.
رصاصة خبطت في الحيطة جنبنا.
عمر شدني بسرعة.
“اجري!”
جرينا في الممر.
أخويا كان وراينا.
دخلنا أوضة جانبية وقفلنا الباب.
الأصوات قربت.
رجالة كتير.
حد قال:
“دوروا عليهم!”
حد تاني قال:
“عمر لازم يموت المرة دي.”
أنا بصيت لعمر.
“المرة دي؟”
قال:
“أنا كنت فاكر إنهم هربوا.”
قلت:
“إنت عملت إيه بعد الحادث؟”
قال:
“لما العربية خبطتني، أنا فقدت الوعي.”
“وبعدين؟”
“صحيت في مكان غريب.”
“مين كان معاك؟”
قال:
“الدكتور.”
“أي دكتور؟”
بصلي.
“الدكتور اللي أعلن وفاتي.”
حسيت إن قلبي وقع.
“إنت عرفت اسمه؟”
قال:
“الدكتور سامح.”
الاسم خلاني أفتكر حاجة.
قبل دفن عمر، الدكتور بنفسه خرج وقال:
“البقاء لله… الإصابة كانت قاتلة.”
أنا وقتها صدقته.
محدش فكر يسأله إزاي تأكد.
قلت:
“إنت متأكد إنه هو؟”
قال:
“أيوه.”
“فينه؟”
قال:
“هو اللي كان بيحبسني.”
سألته:
“كنت فين كل الأيام دي؟”
قال:
“في مكان تحت الأرض.”
سكت.
“كانوا بيجبروني أقول لهم إني غلطت.”
“غلطت في إيه؟”
قال:
“اكتشفت إن ملف الأطفال اللي اتبدل من عشرين سنة مش مجرد خطأ.”
سألته:
“أمال إيه؟”
قال:
“كان مقصود.”
“ليه؟”
قال:
“عشان يغيروا نسب طفل.”
قلت:
“طفل مين؟”
عمر بصلي.
“أنا.”
سكت.
“إنت؟”
قال:
“أيوه.”
“يعني إنت ابن مين؟”
قبل ما يرد…
سمعنا صوت المقبض بيتحرك.
الناس بره وصلوا للباب.
عمر فتح درج صغير في الحيطة.
طلع منه مفتاح تاني.
قال:
“تعالى.”
فتح بابًا صغيرًا خلف خزانة قديمة.
دخلنا ممر ضيق.
أخويا دخل ورانا.
وأول ما قفلنا الباب…
سمعنا الباب الرئيسي بيتكسر.
جرينا في الممر.
بعد دقايق وصلنا لنهاية المكان.
طلعنا من فتحة صغيرة في الأرض.
كنا خلف البيت.
ركبنا العربية وجريت بأقصى سرعة.
لكن عمر كان ساكت.
قلت:
“قول.”
قال:
“قول إيه؟”
“الحقيقة.”
قال:
“الحقيقة أكبر من اللي تتخيله.”
“أنا مستعد.”
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال:
“الشخص اللي كانوا بيحموني منه… مش شخص غريب.”
“مين؟”
قال:
“حد إنت قابلته أكتر من مرة.”
“مين؟”
بصلي.
“الراجل اللي استلم جثة عمر من المستشفى.”
قلت:
“الدكتور سامح؟”
قال:
“لأ.”
“مين؟”
عمر قال:
“الراجل اللي سلّمك الكفن.”
حسيت إن إيدي تجمدت على الدركسيون.
“عامل المقابر؟”
عمر هز راسه.
“هو مش عامل مقابر.”
“أمال مين؟”
قال:
“هو الشخص اللي كان مسؤول عن كل حاجة.”
بصيت في المراية.
الراجل اللي كان واقف عند القبر يوم فتحناه…
مكانش مجرد راجل بيرعى المقابر.
كان واحد من الناس اللي شاركوا في إخفاء الحقيقة.
وفجأة أخويا صرخ:
“وقف العربية!”
دست فرامل.
قال:
“بص ورا.”
بصيت.
العربية السودا كانت ورانا.
نفس العربية.
بتطاردنا.
عمر قال:
“هما لحقونا.”
جريت بالعربية ناحية الطريق الزراعي.
العربية وراينا قربت.
وفجأة حاولت تخبطنا من الجنب.
لفيت الدركسيون.
العربية اتزحلقت.
عمر صرخ:
“بابا!”
مسكت الدركسيون بكل قوتي.
رجعنا للطريق.
لكن العربية السودا سبقتنا ووقفت بالعرض.
نزل منها تلات رجالة.
واحد منهم رفع سلاحه.
عمر قال:
“انزلوا.”
نزلنا.
الراجل قرب.
وقال:
“عبد السميع… كان ممكن تعيش باقي عمرك مرتاح.”
قلت:
“فين ابني؟”
عمر وقف جنبي.
الراجل اتصدم.
رجع خطوة.
وقال:
“مستحيل.”
ابتسم عمر.
“كنت فاكرني مت؟”
الراجل رفع سلاحه.
لكن قبل ما يضرب…
سمعنا صوت سيارات شرطة من بعيد.
الراجلين جريوا ناحية العربية.
هربوا.
فضلنا واقفين.
وبعد دقائق وصلت الشرطة.
لكن قبل ما أتكلم…
أخويا قرب من ظابط وقال:
“أنا لازم أعترف.”
الظابط بصله.
قال:
“اعترف بإيه؟”
أخويا بصلي.
وبعدين قال:




