أنا اتجمدت.
“جثة مين؟”
قال:
“الجثة اللي اتدفنت باسم عمر.”
قلت:
“مين كانت؟”
أخويا بدأ يعيط.
وقال:
“كانت جثة شاب تاني.”
سألته:
“مين؟”
رفع عينه.
“يوسف.”
سكت.
“يوسف اللي مات من عشرين سنة؟”
قال:
“لأ.”
قرب مني.
“يوسف كان عايش.”
اتسعت عيني.
“إنت بتقول إيه؟”
قال:
“يوسف هو الشخص اللي اتبدل مع عمر.”
عمر وقف ساكت.
بص لأخويا.
“إنت عرفت إمتى؟”
قال:
“يوم الحادث.”
عمر قال:
“يعني كنت عارف إني عايش.”
هز راسه.
“أيوه.”
“وسبتهم ياخدوني؟”
أخويا انهار.
“كنت خايف.”
عمر قال:
“وخفت من مين؟”
أخويا رفع عينه ناحيتي.
وقال:
“من أبوك.”
أنا اتصدمت.
“أنا؟!”
قال:
“لأن الشخص اللي كان ورا كل اللي حصل…”
سكت.
وبعدين قال:
“كان عايزك إنت كمان تموت.”
قلت:
“مين؟”
أخويا فتح بقه…
لكن قبل ما ينطق…
الموبايل رن.
رقم مجهول.
رديت.
مفيش صوت.
وبعدين جالي صوت امرأة.
صوت ضعيف.
مرتجف.
لكن أنا عرفته.
عرفته رغم مرور سنين.
صوت كنت أسمعه كل يوم في بيتي.
صوت زوجتي.
قالت:
“عبد السميع…”
وقعت الموبايل من إيدي.
عمر بصلي.
“مين؟”
رفعت الموبايل بإيد بتترعش.
والصوت كمل:
“لو عايز تعرف مين ابنك الحقيقي…”
سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
“تعالى للمكان اللي دفنتني فيه… لأن أنا لسه عايشة.”
وقفت ماسك الموبايل وإيدي بتترعش.
صوت مراتي…
صوت أم عمر.
الصوت اللي دفنته مع ذكرياتي من سنين.
قلت:
“إنتِ مين؟”
جالي صوتها تاني:
“أنا مراتك يا عبد السميع.”
قلت:
“مستحيل!”
قالت:
“تعالى عند قبري… وهتعرف كل حاجة.”
المكالمة اتقفلت.
بصيت لعمر.
كان واقف ساكت، لكن عينيه مليانة دموع.
قال:
“بابا… دي أمي.”
قلت:
“إنت مصدق إنها عايشة؟”
قال:
“أنا طول عمري كنت حاسس إنها ماتت… لكن قبل الحادث بأيام عرفت إنها ممكن تكون عايشة.”
أخويا كان واقف بعيد.
بصيتله.
“إنت كنت عارف؟”
هز راسه.
“كنت شاكك.”
رحنا للمقابر مع الشرطة.
وقفنا قدام قبر مراتي.
الضابط طلب يفتحوا المكان بشكل رسمي.
ولما اتفتح القبر…
كان فاضي.
زي قبر عمر بالضبط.
وقتها فهمت إن كل السنين اللي فاتت كانت مبنية على كذبة.
مراتي ما ماتتش.
وعمر ما ماتش.
والجثتين اللي اتدفنوا مكانهم كانوا جزء من خطة كبيرة لإخفاء الحقيقة.
بعد ساعات من البحث، قدرنا نوصل لمكان كانت مراتي مستخبية فيه.
ولما الباب اتفتح…
شوفتها.
واقفة قدامي.
أكبر بسنين.
وشعرها مليان شيب.
لكنها هي.
مراتي.
الست اللي عشت معاها أجمل سنين عمري.
فضلت واقف مش قادر أتكلم.
هي قربت مني.
وقالت:
“سامحني.”
انهرت.
“إنتِ سيبتيني عشرين سنة!”
قالت وهي بتعيط:
“مكنتش بإرادتي.”
حضنتها.
ولأول مرة من سنين حسيت إن قطعة من روحي رجعت لي.
لكن كان لازم أعرف الحقيقة.
قعدنا كلنا.
مراتي حكت كل حاجة.
من عشرين سنة، كانت اكتشفت إن فيه تلاعب حصل في المستشفى وقت ولادة عمر.
طفل اتبدل بطفل.
والسبب إن عيلة كبيرة كانت بتحاول تخفي حقيقة نسب طفل معين.
لما مراتي عرفت، حاولت تبلغ.
لكنهم اكتشفوا إنها عرفت.
عملوا حادث للعربية اللي كانت راكباها.
الناس افتكرت إنها ماتت.
لكنها نجت.
ومن يومها عاشت مستخبية لأنها كانت خايفة يرجعوا لها.
كانت بتراقب عمر من بعيد.
ولما عمر كبر، بدأ هو كمان يدور ورا نفس الحقيقة.
عرف إن أمه عايشة.
وعرف إن الحادث اللي اتعرض له مش حادث.
ولما حاول يكشفهم، قبضوا عليه.
لكنهم كانوا محتاجين العالم كله يصدق إنه مات.
فتم تدبير جثة مجهولة ودفنها باسمه.
أما الكوابيس اللي كنت بشوفها…
فكان عمر هو اللي بيحاول يوصل لي.
كان عارف إني لو عرفت الحقيقة بالطريقة العادية ممكن أروح أدور عليه وأتعرض للخطر.
فكان بيستخدم التسجيلات اللي وصلتنا بطرق مختلفة.
أما “خرجني من هنا يا بابا”…
فمكانش قصده القبر.
كان قصده المكان اللي كانوا حابسينه فيه.
وبعد أيام من التحقيقات، الشرطة قبضت على عدد من المتورطين.
أما أخويا…
فاعترف بكل حاجة.
قال إنه كان ضعيف وخاف منهم.
لكنه في النهاية ساعد الشرطة توصل لباقي الأدلة.
أما الحاج محمود، فاتضح إنه كان شاهدًا على جزء كبير من الحقيقة، واتقتل لأنه رفض يسكت.
وبعد أسابيع…
وقفت قدام عمر.
ابني.
اللي دفنته بإيدي.
واللي بكيت عليه ليالي طويلة.
ضمّيته وقلت:
“أنا دفنتك يا ابني.”
ضحك وهو بيعيط.
“وأنا كل ليلة كنت مستنيك تيجي تخرجني.”
قلت:
“كنت بسمع صوتك.”
قال:
“كنت متأكد إنك هتسمعني.”
سألته:
“ليه اخترتني أنا؟”
ابتسم.
“عشان إنت أبويا.”
سكتنا.
وبعدين قال:
“حتى لو كل الدنيا قالت غير كده… إنت أبويا.”
بعدها بدأت حياتنا تتصلح واحدة واحدة.
رجعت مراتي لبيتها.
رجع عمر لجامعته.
وأنا رجعت أصلي في نفس المكان اللي كنت بقعد فيه كل ليلة أدعيله.
لكن المرة دي…
مكنتش بدعي إنه ربنا يرحمه.
كنت بحمد ربنا إنه رجعهولي.
واتعلمت إن الإنسان ممكن يعيش عمر كامل وهو فاكر إنه عارف الحقيقة…
لكن الحقيقة ساعات بتكون مدفونة تحت التراب.
وأصعب حاجة مش إنك تفتح قبر وتلاقيه فاضي…
الأصعب إنك تكتشف إنك دفنت سنين من عمرك وأنت مصدق كذبة.
أما عمر…
فكل ما حد يسأله عن اللي حصل يقول:
“أبويا أنقذني.”
وأنا لما حد يسألني عن أصعب يوم في حياتي…
أقول:
“اليوم اللي دفنت فيه ابني.”
وبعدها أسكت شوية وأبتسم وأقول:
“وأجمل يوم كان اليوم اللي اكتشفت فيه إني مدفنتوش أصلًا.”
الحمد لله الذي يرد المظالم لأهلها ولو بعد حين.
والحمد لله على نعمة الأهل.
والحمد لله على كل ابتلاء علّمنا الصبر.
وعرفت وقتها إن بعض الأبواب لما ربنا يقفلها علينا بنفتكر إن حياتنا انتهت…
لكن يمكن يكون ورا الباب ده نجاة إحنا لسه مش شايفينها.
والدرس الأهم: متصدقش كل حاجة تشوفها بعينك، لكن كمان متخليش خوفك يقودك. الحق له طريق، وربنا في النهاية بيظهره مهما طال الزمن.
تمت.




