روايات وقصص

الزي العسكري

أهلي كلهم طلبوا مني ما ألبسش الزي العسكري بتاعي في حفل تكريم جدي العسكري عشان كانوا خايفين أحرجهم قدام أعضاء مجلس الشعب وكبار رجال الأعمال والجنرالات. أخويا سخر من الأوسمة اللي على صدري وأبويا قلل من سنين خدمتي كلها وأنا بهدوء قعدت في آخر القاعة لكن محدش فيهم كان يعرف إن وفد من وزارة الدفاع الأمريكية وصل مخصوص عشان يكرم شخص تاني في اليوم ده… وأنا الشخص ده.

اسمي الرقيب أول مايا باركر وجدي كان بيتم التسعين سنة.

عيلتنا كانت منظمة حفل عسكري ضخم بره واشنطن عشان نكرم جدي على خدمته في الجيش أثناء حرب كوريا. طول عمري وأنا فخورة بيه وبحبه وبعتبره قدوتي لكن لما الموضوع كان متعلق بخدمتي أنا في الجيش عيلتي كانت شايفة الموضوع بشكل مختلف تمامًا.

أخويا الكبير دانيال كان مدير تنفيذي ناجح في شركة كبيرة وأبويا كان طول الوقت بيتفاخر بترقياته ونجاحه أما أختي الصغيرة فاتجوزت من عيلة غنية جدًا.

وأنا؟

أنا اخترت الجيش.

بالنسبة لأبويا ده معناه إني رضيت بحاجة أقل من مستوايا.

أول ما نزلت من العربية وأنا لابسة الزي العسكري الرسمي وشكل الأوسمة على صدري واضح دانيال وشه اتغير.

وقال بسخرية: إنتي فعلًا لبستي ده؟

بصيت للزي وبعدين بصيت له وقلت: أيوه.

مراته آشلي فضلت تبص على الشرائط والأوسمة اللي على صدري كأنها شوية زينة رخيصة وقالت: مش شايفة إن كل ده مبالغ فيه شوية على مناسبة عائلية؟

حاولت أبتسم وقلت: ده حفل تكريم عسكري.

دانيال ضحك وقال: وده مش معناه إنك لازم تحولي الحفل لحفلك إنتي.

شدّيت على أسناني لكن بلعت غضبي.

النهارده كان يوم جدي وأنا مش هسمح لدانيال إنه يبوظه عليا.

بعدها أبويا وقفني جوه القاعة وقال: مايا إحنا لازم نتكلم.

قلت له: في إيه؟

قرب مني وقال بصوت واطي: النهارده موجود أعضاء مجلس الشيوخ وكبار رجال الأعمال وجنرالات وشخصيات مهمة جدًا من رجال الأعمال والمتبرعين. إحنا مش محتاجينك تلفتي الأنظار.

بصيت له باستغراب وقلت: عشان لابسة الزي العسكري؟

تنهد كأني كنت بعمل له فضيحة لمجرد إني واقفة قدامه.

وقال: بالمقارنة باللي دانيال حققه في حياته يعني… شغلانة جندية طول العمر مش حاجة مبهرة للدرجة دي.

أمي كانت واقفة وسمعت كل كلمة.

لكنها ما قالتش حاجة.

كنت أقدر أتحمل غرور أبويا.

وكنت أقدر أتحمل سخرية دانيال.

لكن سكوت أمي هو اللي وجعني من جوايا أكتر من أي كلمة اتقالت.

خرجت بره القاعة قبل ما غضبي يخليني أقول كلام أندم عليه.

وفجأة موبايلي رن.

سمعت صوت بيقول: الرقيب أول باركر؟

قلت: أيوه.

قال: وفد وزارة الدفاع وصل.

عيني راحت ناحية القاعة.

عيلتي كلها ما كانش عندها أي فكرة.

قبلها بشهور كنت اتبلغت إني هحصل على تكريم عسكري كبير تقديرًا لقيادتي أثناء عملية إنقاذ حصلت بره البلاد.

لكن أنا طلبت إن الموضوع يفضل سري وإن التكريم يتضاف لحفل جدي.

أنا عمري ما كنت عايزة أسرق منه لحظته.

رجعت للقاعة من غير ما أقول لحد أي حاجة.

دانيال كان واقف بيضحك مع رجال الأعمال.

وأبويا كان بيسلم على الضيوف.

ولا واحد فيهم حتى سألني كنت فين.

فروحت بهدوء وقعدت في آخر القاعة.

وبعد حوالي ساعة أنوار القاعة بدأت تهدى.

وطلع جنرال برتبة أربع نجوم على المسرح وبدأ يتكلم عن شجاعة جدي وتضحياته وخدمته الطويلة في الجيش.

وفجأة سكت.

القاعة كلها غرقت في صمت تام.

الجنرال بص للحاضرين وقال: سيداتي وسادتي… النهارده إحنا مش بنكرم بطل واحد بس… إحنا بنكرم بطلين.

أبويا لف ببطء وبص ناحيتي.

والابتسامة المتكبرة اختفت من على وش دانيال.

وبعدين الجنرال بص بشكل مباشر ناحية المكان اللي كنت قاعدة فيه.

الجنرال بص بشكل مباشر ناحية المكان اللي كنت قاعدة فيه وقال بصوت واضح وصل لكل ركن في القاعة: الرقيب أول مايا باركر لو سمحتي اطلعي هنا.

لثواني محدش اتحرك.

حتى أنا فضلت قاعدة مكاني وكأني مش مستوعبة إن الكلام موجه ليا.

بعدين واحدة من السيدات اللي كانت قاعدة جنبي همست: هو يقصدك إنتي؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة ووقفت.

أول ما وقفت كل العيون اتوجهت ناحيتي.

مشيت بين صفوف الكراسي بهدوء وأنا حاسة إن صوت خطوات حذائي العسكري أعلى من أي صوت في القاعة.

وأنا طالعة على المسرح بصيت ناحية عيلتي.

أبويا كان واقف مكانه ومش بيتحرك.

أمي كانت حاطة إيدها على صدرها.

دانيال كان فاتح بقه من الصدمة.

وآشلي كانت بتبص للأوسمة اللي على صدري كأنها بتحاول تفهم إيه اللي بيحصل.

وصلت قدام الجنرال ووقفت في وضع الاستعداد.

أدى التحية العسكرية.

وردّيت التحية.

وبعدين ابتسم وقال: الرقيب أول مايا باركر قضت سنوات من عمرها في خدمة بلدها بعيد عن الأضواء ورفضت في أكتر من مناسبة إن اسمها يظهر في حفلات أو لقاءات إعلامية لأنها كانت شايفة إن اللي عملته واجب مش بطولة شخصية.

القاعة بدأت تهمس.

الجنرال كمل: لكن النهارده إحنا مش هنسمح لها إنها تختفي في الصفوف الخلفية.

ثم التفت ناحية جدي.

وقال: لأننا بنكرم النهارده رجلًا خدم بلده منذ عقود وكان دائمًا بيقول إن أعظم إنجاز حققه مش الأوسمة اللي حصل عليها وإنما العائلة اللي ترك لها معنى الخدمة والشرف.

جدي كان قاعد على كرسيه المتحرك.

ولما سمع الكلام عينيه لمعت بالدموع.

الجنرال قال: والرقيب أول مايا باركر أثبتت إنها حملت نفس المعنى.

ثم بدأ يتكلم عن العملية اللي شاركت فيها.

أنا كنت واقفة ساكتة.

كل كلمة كان بيقولها كانت بتفكرني بأيام حاولت أنساها.

كان فيه فريق صغير في مهمة خارج الولايات المتحدة.

المهمة تحولت في ساعات قليلة من عملية روتينية إلى موقف خطير.

اتقطع الاتصال.

اتغيرت الظروف.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى