روايات وقصص

ابني كان بياخد مني 900 دولار

ابني كان بياخد مني ٩٠٠ دولار كل شهر عشان أعيش في أصغر أوضة ضيوف عنده في البيت، بينما حماته كانت عايشة تحت ببلاش في جناح خاص مساحته ضعف مساحتي مرتين تقريبًا. وبعدها كمان قرر يزود الإيجار لـ١٢٠٠ دولار. ولما في الآخر سألته ليه باربرا مش بتدفع ولا مليم، ردت مراته بعصبية: “أمي من أهل البيت.” بصيت لابني وقلت له: “وأنا إيه بالظبط؟” بصلي بمنتهى البرود وقال: “لو مش عاجبك نظامي شوفي لك مكان تاني تعيشي فيه.” وفعلًا عملت اللي قاله. بس هو ماكانش عنده أي فكرة أنا كنت هتعامل مع كلامه بجدية قد إيه.

اسمي كان إيلينور، لكن في مصر كانوا بينادوني نادية. وبعد وفاة جوزي محمود بقيت لوحدي في الشقة اللي عشنا فيها مع بعض لمدة تمنطاشر سنة. كنت أقدر أكمّل عيشة فيها عادي جدًا. الفلوس كانت موجودة. والشقة ملكي. ومحدش يقدر يخرجني منها. بس المشكلة إني ماقدرتش أستحمل الهدوء. كل ركن في البيت كان بيفكرني بمحمود. الكرسي اللي كان بيقعد عليه. الكوباية اللي كان بيشرب فيها الشاي. السرير اللي بقينا بننام عليه سنين طويلة. حتى صوت مفتاح الباب لما كنت بسمعه كنت تلقائيًا أفتكر إنه راجع من الشغل. وبعد وفاته بقى البيت كبير أوي عليا. وفاضي أوي. وموحش أوي.

وفي الوقت ده ابني طارق كلمني وقال لي: “إنتِ ماينفعش تفضلي لوحدك دلوقتي يا أمي. تعالي اقعدي معانا لحد ما تهدي وتعرفي هتعملي إيه.” أنا صدقته. وقلت لنفسي إن ابني خايف عليا. وإنه مش عايزني أعيش الوحدة بعد وفاة أبوه. وفوق كده كنت شايفة إن وجودي وسط ابني ومراته وأحفادي ممكن يخليني أخرج شوية من الحالة اللي كنت فيها.

وفي نفس الفترة تقريبًا كانت الدنيا عند طارق مش أحسن حاجة. شركة تنسيق الحدائق اللي كان بيشتغل فيها خسرت شغلانتين كبار. ومصاريف البيت كانت بتزيد. أما مراته جيسيكا فكانت عاملة تجديدات كبيرة في المطبخ. والميزانية خرجت عن السيطرة. المصاريف بقت أكبر بكتير من اللي كانوا متوقعينه.

ولما بعت شقتي، أديت طارق عشرين ألف دولار. يعني مبلغ كبير جدًا بالنسبة لي. كنت شايفة إني بسنده. خصوصًا إنه ابني الوحيد.

أول ما استلم الفلوس حضني جامد. وعينيه دمعت. وقال لي: “والله يا أمي عمري ما هنسي اللي إنتِ عملتيه عشاني.” ابتسمت له وقتها وقلت: “أنا مش مستنية منك حاجة يا حبيبي. إنت ابني.”

ماكانش عندي أي فكرة إن الامتنان ساعات بيكون عمره أقصر من عمر الحزن نفسه.

نقلت حاجتي عندهم. واخترت لي أوضة صغيرة جدًا فوق. كانت أصغر أوضة ضيوف في البيت. سرير صغير. دولاب ضيق. وشباك واحد. لكن قلت لنفسي مش مهم. أنا مش جاية أعيش في فندق. أنا جاية أكون وسط ابني.

وبدأت أعمل كل اللي أقدر عليه عشان أريحهم. كنت أنا اللي بجيب أغلب طلبات البيت. أنزل أشتري الخضار والفاكهة واللحمة. وأرجع شايلة الشنط. كنت بطبخ العشا. وأوقات الفطار كمان. ولو حد فيهم طلب حاجة كنت أعملها من غير ما أفكر. وكان عندهم كلب جولدن ريتريفر كبير في السن. كنت أنا اللي باخده يتمشى. وأراعيه. وأتابع مواعيد أكله. ولو في صنايعي جاي البيت كنت أفضل موجودة عشانه. لو في شركة توصيل جاية كنت أنا اللي أستلم. لو عامل صيانة داخل البيت كنت أنا اللي أفتح له.

بمعنى أصح، بقيت جزء من كل حاجة بتحصل في البيت.

لكن رغم كل ده، ماحسيتش في يوم إني ضيفة عزيزة. كنت حاسة إني بحاول أثبت لنفسي ولهم إن وجودي مش عبء.

وبعدين حصلت حاجة غريبة. أم جيسيكا. باربرا. قررت تيجي تعيش معاهم. وهنا بدأت أفهم إن البيت ده فيه قوانين. بس القوانين دي مش بتتطبق على كل الناس بنفس الطريقة.

باربرا نزلت تعيش في الجناح اللي تحت. الجناح كان أكبر مني بكتير. فيه حمام خاص. ودولاب ملابس كبير تدخل جواه. وأبواب زجاجية بتفتح على حمام السباحة. يعني كانت عايشة في جناح شبه شقة كاملة لوحدها. وأنا فوق في أصغر أوضة في البيت.

باربرا كمان أخدت مكان العربية في الجراج. لأنها قالت إنها مش بتحب تركب العربية وهي سخنة. أما أنا، فكنت بركن عربيتي في الشارع. وكان ده عادي جدًا بالنسبة لهم.

لو المرتبة بتاعتها ناشفة، طارق يغيرها. لو قالت إن المياه في حمام السباحة باردة، يشغل السخان. لو قالت إنها نفسها في سمك سلمون طازة، بطريقة غريبة جدًا، السلمون كان بيظهر في قائمة مشترياتي أنا. كنت أروح السوبر ماركت. وأشتري احتياجات البيت. وألاقي جيسيكا كاتبة: “سلمون طازج لباربرا.”

في أول مرة قلت عادي. أمها ضيفة. وفي الآخر هي ست كبيرة. لكن الموضوع ماوقفش عند كده. كل يوم كان فيه طلب جديد. وكل طلب كان بيتنفذ بسرعة. وفي نفس الوقت، أنا اللي بدفع. وأنا اللي بطبخ. وأنا اللي بخدم. وأنا اللي بحاول ماعملش مشاكل.

لحد ما في يوم، طارق دخل المطبخ وأنا واقفة بجهز العشا. وحط قدامي ورقة مكتوبة بإيده. وقال: “كل واحد لازم يشارك في مصاريف البيت.”

مسكت الورقة وبصيت فيها. مافهمتش في الأول. لحد ما شفت الرقم. ٩٠٠ دولار في الشهر.

رفعت عيني له. وقلت: “إيه ده؟”

قال بمنتهى الهدوء: “إيجار.”

افتكرت إنه بيهزر. ضحكت ضحكة صغيرة وقلت: “إيجار؟”

قال: “آه يا أمي. إنتِ عايشة هنا. وطبيعي تدفعي جزء من المصاريف.”

بصيت له وأنا مش مستوعبة. وقلت: “أنا أصلًا بشتري أغلب أكل البيت.”

قال: “وإحنا مقدرين ده.”

قلت: “أنا بطبخ.”

قال: “عارف.”

قلت: “وباخد الكلب أتمشى بيه. وبفضل موجودة عشان الصنايعية والتوصيلات.”

رد بكل بساطة: “دي حاجة مختلفة.”

السابق1 من 8
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى