روايات وقصص

اتنكرت في زي ميكانيكي

اتنكرت في شكل راجل بعد ما هربت من البيت عشان أرفض الارتباط بشخص مفرضه عليّ عائلتي، وبعد سبع شهور من ساعة ما قصيت شعري زي الرجالة، واختفيت قبل إتمام مراسم الزواج الإجباري بساعات، الراجل اللي كل القاهرة كانت بتعرف اسمه بحكم أعماله الكبيرة بصّلي في عيني لأول مرة.

 

لحد اللحظة دي، كان عز الدين المغربي يعرفني بس باسم آدم راضي… الميكانيكي الشاب الهادي اللي بيشتغل في الورشة، مبيعملش مشاكل، مبيفضلش بعد مواعيد الشغل، ومبيسمحش لحد يقرب منه أو يسأله عن حياته.

لكن اللي عز الدين ماكانش يعرفه، إن آدم راضي مكانش موجود أصلًا.
اللي كان قدامه كانت ملك عبدالسلام.
بنت عندها خمسة وعشرين سنة، اختفت من بيت أبوها لترفض زواجاً تقليدياً فرض عليها بالقوة، وقررت تدفن شخصيتها القديمة وتعيش بهوية راجل علشان تقدر تنجو بحياتها وتستقل بذاتها.

الليلة اللي هربت فيها، كان فيه حوالي خمسين ضيف نايمين في الفيلا الكبيرة بتاعة أبويا في التجمع.
فرح كان مرسوم بكل تفاصيله من غير رأيي.

تاني يوم الضهر، كان المفروض أقعد جنب ماجد الشناوي، أبتسم للكاميرات، وأسمع أبويا وأبوه وهما بيعلنوا رسميًا عن الشراكة العائلية والتجارية اللي أنا رفضتها تلات مرات.
ماجد كان عنده ستة وأربعين سنة.
وأنا كنت خمسة وعشرين.
الناس كانت بتوصفه بشخصية ذات نفوذ واسع، لأنه صاحب شركات نقل، ومخازن، ومطاعم كبرى، وعنده شبكة علاقات تجارية ضخمة.

انجي_الخطيب

لكن بالنسبالي، ماكانش غير الشخص اللي بيحاول دايماً يفرض سيطرته ويقرر نيابة عني، ودائماً ما كان يكرر إن رفضي لا يعدو كونه تردد مؤقت.
أبويا كان حاضر ومشاهد لكل ده…
وسكت.
ومن هنا عرفت إن اعتمادي لازم يكون على نفسي وحدي.

الساعة كانت 12:43 بعد نص الليل لما قفلت باب أوضتي بالمفتاح، ووقفت قدام المراية وأنا ماسكة مقص في إيدي.
الشعر الأسود الطويل كان نازل حوالين وشي.
الشعر اللي كان بيخلي الناس تشوف ملك عبدالسلام… البنت المطيعة، بنت العيلة المحترمة، والورقة اللي أبوها قرر يقدّمها في صفقة اجتماعية علشان يحافظ على مصالحه التجارية.

أول خصلة وقعت على الأرض.
وبعد الرابعة، إيدي بطلت تترعش.

الهروب التقليدي كان مستحيلاً.
أبويا كان يقدر يوصل لي بسهولة عبر شبكة معارفه ومطارات ومحطات السفر، وماجد كان يمتلك فريق عمل يبحث في كل مكان.
علشان كده…
ملك عبدالسلام كان لازم تختفي تمامًا.

لبست بنطلون واسع وقميص فلانيل قديم كانوا بتوع أخويا كريم الله يرحمه، وحلقت جزء من شعري وخبيت الباقي تحت كاب، وغمّقت حواجبي، وفضلت أتدرب على صوت أوطى من صوتي.
وقفت قدام المراية وقلت:

أنا اسمي آدم راضي.
صوتي كان ناعم.
جربت تاني:

آدم راضي.
المرة دي كان شكلي مقنع.

الساعة 3:17 الفجر، فتحت شباك أوضة الغسيل ونزلت منه، ومعايا شنطة صغيرة فيها مبلغ بسيط وعدد الصيانة القديمة، ومقفلتش ورايا الباب، لأني كنت عارفة إن ملك عبدالسلام انتهت تماماً.

مع أول ضوء للنهار…
بدأ آدم راضي يعيش.

بعد سبع شهور، كنت شغال في ورشة المغربي لتجديد العربيات في منطقة شعبية ناحية الجيزة.
الورشة من بره شكلها عادي جدًا، بوابة حديد كبيرة، عربيات مركونة، وريحة زيت وبنزين. لكنها كانت تختص بصيانة سيارات نادرة ومميزة.
وصاحب الورشة كان…
عز الدين المغربي.

شخصية محترمة ويهابها الجميع في المنطقة لحكمته وقوته في إدارة الأعمال.
كل واحد في الورشة كان عارف قاعدة واحدة:

ممنوع الكذب على عز الدين المغربي.
وأنا؟ كل نفس باخده كان مبني على كذبة التخفي.

سبع شهور عدّت وهو بالكاد لاحظ وجودي التام، لحيطي الصدري المنيع من العزلة والالتزام التام بالعمل بصمت.

لحد اليوم اللي عربية عز الدين المغربي القديمة بدأت تعمل مشكلة فنية معقدة عجز عنها كبار الصنايعية.
سمعت صوت الموتور وهو بيتقطع، وقلت بتلقائية:

دورها تاني.
تامر رئيس الصنايعية استغرب، ولما جرب، لفت انتباهي صوت خلل دقيق في خرطوم فاكيوم مخفي. فككته ورفعته قدامه:

هو ده العيب.
دهشتهم كانت واضحة، وابتسمت بغموض لفرحتي بنجاح الملاحظة، لكن الابتسامة خطفت الأجواء وسكتت الورشة فجأة.

خطوات تقيلة قربت، وصوت هادي قال:

إيه اللي حصل هنا؟
كان عز الدين المغربي واقف ورايا، ولأول مرة يوجهلي نظرة تفحص دقيقة، كأنه بيقرأ تفاصيل أعمق بكتير من مجرد ميكانيكي عادي.

اسمك إيه؟
سأل بصوت عميق وناعم في نفس الوقت.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى