روايات وقصص

تزوجت عجوز حكايات صافي هاني

في الليلة التامنة من جوازهم، أبو روزالين تخلى عنها لراجل صعيدي كبير في السن ومالهوش في الكلام دون مقابل. وفي نفس الليلة دي، شافت بعينها حاجة غريبة بتتحرك جوه ودنه. عم حسان كان عنده تمانين سنة، وهو كبير الكفر والنجوع في الناحية دي. راجل طويل وعريض وعوده ناشف، وكمان تقيل في السمع، والناس كبرت الموضوع وطلعت عليه حكايات غريبة، وبقوا يقرصوا في سيرته ويقولوا عليه “الراجل الأصم المجنون”.

 

في وسط الليلة، عم حسان مد إيده لمس خد روزالين بجمود لما قالوا لهم يسلموا على بعض. وطول السكة في العربية رايحين على داره البعيدة، فضل ساكت ولا نطق بكلمة.

لكن روزالين كانت حافظة القسوة وعارفاها حق معرفة. ريحة القسوة كانت شبه ريحة الكحول والعرق في أنفاس أبوها، وكانت بتفكرها بالليالي السودا والدائنين وهما بيخبطوا على الباب. أما عم حسان فكان طالع منه ريحة طين، وخشب، وعباية قديمة.

لما دخلوا الدار، روزالين اتفاجئت. الأرضية مكنوسة ونضيفة، والكانون مولع والنار دافية، ولقيت عيش بلدي طازة متغطي، والسرير مفروش بمراتب نضيفة ومغسولة.

بعدها بشوية، عم حسان طلع كشكول قديم وقلم وكتب لها:
(الأوضة دي بقت بتاعتك، وأنا هنام هنا جنب الكانون).

روزالين قرأت الكلمتين مرتين وهي مش مصدقة. هي كانت مهيأة نفسها للضرب، والطلبه الناشفة، ويمكن كمان العنف. لكن أبداً مكنتش مستنية معاملة طيبة وحنية.

الأيام عدت، وبدا يعملوا لنفسهم جدول هادي وبسيط. عم حسان كان طول اليوم شغال؛ يا إما بيحلب البقر، يا بيصلح في الحظيرة، يا بيقطع حطب. وهي كانت بتغسل هدومها وتروق البيت.

#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً

مع الوقت، محبتوش حب صريح، بس روزالين ابتدت تلاحظ فيه صفات كويسة، والأهم من ده كله إن خوفها منه راح.

لحد ما جه اليوم التامن، ولقيت عم حسان واقع على جنب البيت وتعبان ع الآخر. العرق كان مبلل جلابيته بالكامل مع إن الجو كان ساقعة صقيع، وإيديه كانت بتترعش جامد وهو ماسك ودنه اليمين.

روزالين جريت عليه ملهوفة. عم حسان شد الورقة وكتب ببطء:
(الحكاية دي بتجيلي كتير).

الجملة البسيطة دي هزتها من جوه أكتر من أي كلام كتير. وهو كمان بدأ يلاحظ حاجات تخصها كان مطنشها زمان: بقع النسا في المخدة بتاعتها، توترها وقلقها من حرارة النار العالية، وطريقة إيديها وهي دايماً رايحة على نفس الودن.

في ليلة، جابت له الورقة وكتبت:
(من امتى الحكاية دي معاك؟)

عم حسان تردد شوية، وبعدين كتب:
(من وأنا صغير صلب طفل).

الدكاترة زمان رموا بلاهم على خبطة قديمة هي اللي جابت طرش السمع، وخبوا عليها إن مفيش دوا ينفع.

روزالين مسكت القلم وكتبت:
(ده كده خطر قوي).

وهي بتبص في عينه كتبت تاني:
(هيبقى الخطر أكبر لو سكتنا على كده. ليا عندك أمان… تثق فيا؟)

عم حسان فضل باصص في وشها مسافة طويلة، والستات الكبار بيعرفوا العيون الصادقة، فراح هازز راسه بالموافقة.

روزالين جهزت عدتها بحذر شديد، وسمت الله وابتدت تشتغل بإيديها، لحد ما الحاجة اللي جوه ابتدت تتحرك وتطلع.

#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً

عم حسان كان قاعد على الأرض جنب الحيطة، ضهره مسنود على جذع شجرة الجميز القديمة، ووشه شاحب بشكل خلّى روزالين تحس إن قلبها اتقبض. إيده اليمين كانت ماسكة ودنه، وصوابعه بتترعش، وكل شوية كان يميل راسه ناحية كتفه كأنه بيحاول يهرب من وجع محدش شايفه غيره.

روزالين قربت منه على ركبها، وحطت العدة اللي جهزتها جنبه، وبعدها بصت له وقالت بصوت واطي:
ـ استحمل يا عم حسان، أنا جنبك، ومش هعمل حاجة تأذيك.

هو بص لها بعينين فيهم وجع قديم، ومد إيده بصعوبة ناحية الكشكول اللي كان محطوط على الكرسي الخشب القريب منه. روزالين جابته له، فمسك القلم وكتب كلمتين بإيد بتترعش.
«لو مت، متسيبيش حد يبيع الأرض.»

روزالين اتجمدت مكانها. رفعت عينيها له بسرعة، وكتبت له:
ـ أرض إيه؟ وإيه علاقة الأرض باللي بيحصل لك؟

لكن عم حسان غمض عينيه، وكأن الوجع سحب منه آخر ذرة قوة. روزالين اتلخبطت. هي كانت مركزة في الحاجة اللي شافتها بتتحرك جوه ودنه، وكانت فاكرة إن المشكلة مجرد حاجة دخلت بالغلط واتسببت له في الالتهاب والوجع. لكن كلامه عن الأرض خوّفها أكتر من حالته نفسها.

قامت بسرعة وجابت كوباية مية، وحاولت تخليه يشرب، لكنه رفض وهز راسه بعنف، وبعدها أشار بإيده ناحية الباب. كانت روزالين فاهمة إنه عايزها تنادي حد يساعدهم.

خرجت تجري في البرد، وفضلت تخبط على أبواب البيوت المتفرقة لحد ما وصلت لبيت عم رجب، الراجل اللي كان بيساعد عم حسان في شغل الأرض. لما فتح لها الباب وشاف حالتها، عقد حواجبه وسألها:
ـ مالك يا بنتي؟ إيه اللي جرى؟
ـ عم حسان تعبان قوي، ومش قادر يقف، وودنه بتوجعه من الصبح. تعالى معايا نشوف له دكتور.

عم رجب لبس جلابيته بسرعة، وخد مفتاح عربيته القديمة، ومشي معاها لحد الدار. أول ما دخل، قرب من عم حسان، ولما شاف وشه اتغير.
ـ يا ساتر يا رب! ده شكله تعبان بقاله كتير.

روزالين ردت بسرعة:
ـ هو بيقول إن الحكاية دي بتجيله من وهو صغير، وإنه فقد سمعه بسبب خبطة قديمة.
عم رجب بص لها باستغراب:
ـ هو كتب لك الكلام ده؟
هزت راسها. الراجل سكت لحظة، وبعدها قال:
ـ يبقى لازم نوديه للدكتور حالًا.

ساعدوه يقوم، وسندوه لحد العربية. روزالين ركبت جنبه، وكانت كل شوية تبص له وتلاحظ إنه بيحاول يفتح عينه، لكن التعب كان غالب عليه. وصلوا لأقرب مستشفى في المركز بعد مشوار طويل، والدكتور استقبلهم في غرفة الكشف. لما عرف إن عم حسان عنده مشكلة قديمة في السمع، وإن الوجع زاد فجأة، قرر يفحص ودنه بمنظار طبي قبل ما يعمل أي إجراء.

روزالين وقفت بعيد شوية، وإيديها متشابكة من شدة القلق. الدكتور فضل يبص جوه الودن وقت طويل، وبعدها طلب من الممرضة تجيب جهاز تاني، وبدأ يفحصها من زاوية مختلفة. وفجأة رفع راسه وبص لروزالين.
ـ حضرتك لاحظتي حاجة بتتحرك جوه ودنه؟
روزالين حست إن رجليها مش شايلاها.
ـ أيوه يا دكتور! أنا شفت حاجة غريبة، بس مكنتش متأكدة إذا كنت بتخيل ولا لأ.

الدكتور رجع يبص في المنظار، وبعدها قال بهدوء:
ـ فيه جسم غريب جوه قناة الأذن، وممكن يكون متسبب في الالتهاب والوجع اللي عنده. لكن محتاجين نحدد طبيعته ومكانه كويس قبل ما نحاول نطلعه. ممنوع أي حد يدخل أداة في ودنه في البيت، لأن ده ممكن يسبب إصابة خطيرة.

روزالين بصت له بخوف:
ـ يعني ممكن نلحقه؟
ـ بإذن الله، بس هنحتاج نتعامل مع الموضوع بحذر. وكمان لازم نعرف سبب ضعف السمع القديم، لأن مش شرط يكون مرتبط بالحاجة الموجودة دلوقتي.

اتنقلت روزالين بره غرفة الكشف، وفضلت واقفة قدام الباب وهي بتدعي ربنا يحفظ الراجل اللي عمره ما مد إيده عليها ولا حاول يستغل ضعفها. بعد وقت طويل، خرج الدكتور وقال إن حالة عم حسان مستقرة، وإنهم قدروا يتعاملوا مع الجسم الغريب بأمان تحت الفحص الطبي، لكن لازم يفضل تحت الملاحظة بسبب الالتهاب.

روزالين حست إن حمل تقيل اتشال من على صدرها. دخلت له، فلقته مستلقي على السرير، ووشه لسه مرهق، لكنه كان أهدى من الأول. قربت منه وكتبت في الكشكول:
«الحمد لله على سلامتك.»

قرأ الجملة، وبعدها بص لها وابتسم ابتسامة صغيرة. لكن قبل ما تقوم، مسك إيدها وأشار للقلم. كتبت له:
ـ عايز تقول حاجة؟
أخد القلم وكتب ببطء:
«اللي شوفتيه النهارده مش أخطر حاجة في حياتي.»

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى