روايات وقصص

تزوجت عجوز حكايات صافي هاني

روزالين فضلت باصة للجملة، وبعدها كتبت:
ـ أمال إيه أخطر حاجة؟
عم حسان فضل ساكت، وعينه ثابتة على وشها. وبعد شوية كتب:
«الراجل اللي تخلى عنك.»

حست روزالين إن نفسها اتسحب من صدرها. أبوها. الرجل اللي اتخلى عنها، وبعدها رجع بيته كأنه تخلص من عبء مش بنته اللي شالت همه سنين.

روزالين كتبت بسرعة:
ـ هو عمل لك إيه؟
عم حسان أخد نفس طويل، وبعدها قلب صفحة الكشكول وبدأ يكتب، لكنه وقف في نص الكلام، ومزق الورقة بإيده. روزالين اتفزعت.
ـ ليه مزقتها؟ أنا لازم أعرف!
بص لها، وبعدين كتب جملة قصيرة:
«لما نرجع البيت.»

في اللحظة دي دخل الدكتور وطلب منهم يلتزموا بتعليماته، وقال إن عم حسان محتاج راحة ومتابعة، وإنه يقدر يرجع البيت بعد استكمال الفحوصات اللازمة. روزالين فضلت جنبه لحد ما خلصوا الإجراءات، وبعدها رجعوا للقرية مع عم رجب. طول الطريق، عم حسان كان باصص من الشباك، وهي كانت بتفكر في كلامه. إيه اللي ممكن يكون أبوها عمله للراجل ده؟ وليه عم حسان، اللي الناس كلها كانت بتخاف منه وبتقول عليه مجنون وأصم، قرر يحتفظ بالسر ده طول السنين؟

لما وصلوا الدار، ساعدته يدخل، وجابت له الغطا التقيل، وحطت له كوباية مية على الترابيزة. بعدها قعدت قدامه وفتحت الكشكول.
ـ أنا رجعت معاك، وعايزة أعرف الحقيقة. مش هقدر أنام وأنا مش فاهمة.

عم حسان بص لها طويلًا، وبعدين بدأ يكتب.
«أبوكي اسمه جابر.»
روزالين هزت راسها.
ـ أيوه، جابر أبويا.
كتب:
«من عشرين سنة، أبوكي كان شغال معايا في الأرض.»
روزالين اتفاجئت.
ـ إزاي؟ أبويا عمره ما قال لي إنه يعرفك من زمان.

عم حسان كمل كتابة:
«كان شاب صغير، وأنا كنت بدي له شغل يومية. وقتها كان عندي أخ أصغر مني اسمه محمود، وكان مسؤول عن الحسابات ومخازن الغلال.»
وقف شوية، وكأنه بيجمع أفكاره، وبعدها كمل:
«في سنة من السنين، اختفت فلوس من حسابات المخزن. مبلغ كبير بالنسبة لوقتها. محمود اتهم جابر إنه أخدها، وجابر أنكر. مكنش فيه دليل كفاية، لكن محمود كان مصمم إنه يطرده من البلد.»

روزالين حست إن القصة بدأت تاخد اتجاه غريب:
ـ وأبويا عمل إيه؟
عم حسان كتب:
«هرب من البلد بعد كام يوم. وبعدها بشهر، محمود مات.»
روزالين حطت إيدها على بقها:
ـ مات إزاي؟
عم حسان رفع عينه لها، وبعدها كتب:
«وقع من فوق سطح المخزن في ليلة شتا. الناس قالت حادثة، لكن قبل موته بيومين، كان بعت لي جواب وقال إنه اكتشف مين اللي سرق الفلوس فعلًا.»
روزالين قربت من الكشكول:
ـ مين؟
عم حسان سكت. وبعدين كتب:
«جابر.»

روزالين رجعت بضهرها لورا، وكأن حد زقها:
ـ لا! مستحيل. أبويا كان فقير ومحتاج، بس أنا مش فاهمة إيه علاقة ده بيا أنا.
عم حسان كتب ببطء:
«لأن جابر رجع البلد بعد عشرين سنة، وكان عارف إني لسه محتفظ بالجواب.»

روزالين افتكرت أبوها في الأيام الأخيرة قبل ما يسيبها. كان متوتر طول الوقت، وبيخرج بالليل، ولما كانت تسأله عن سبب قلقه، كان يزعق فيها ويقول لها إنها ملهاش دعوة.
كتبت:
ـ يعني هو اتخلى عني عشان يسكتك؟
عم حسان هز راسه بالنفي، وبعدها كتب:
«مش بس كده.»
قلب صفحة جديدة، وبدأ يكتب كلامًا أطول:
«جابر كان عليه ديون كتير. جه لي قبل ما تيجيب أسبوع، وطلب مني أموال مقابل إنه يسيبك تعيشي هنا وتبقي مسؤولة عن البيت. أنا رفضت أتعامل معاكِ على إنك بضاعة.»

روزالين كانت بتقرأ وهي مش قادرة تصدق:
«لكنه رجع بعد يومين ومعاه ورقة مكتوب فيها إنهم عايزين يبعدوكِ عن سكتهم. قال لي إنه مش عايزك ترجعي له تاني، وإنك بقيتي عبء عليه.»
دموع روزالين نزلت من غير ما تحس. عم حسان كمل:
«أنا وافقت أستقبلك عشان أضمن إنك تبعدي عن أذاه، لكن اللي بيني وبينك عمره ما كان بيع وشراء. كنت ناوي أسيبك تعيشي في أمان، ولما تقدري تقفي على رجلك، يبقى ليكي كامل الحرية تختاري حياتك.»

روزالين غطت وشها بإيديها. طول عمرها كانت فاكرة إن كل الناس بتاخد مقابل كل حاجة، وإن مفيش حد ممكن يعمل خير من غير ما يستنى تمنه. لكن الراجل اللي الناس وصفته بالمجنون كان الوحيد اللي شافها إنسانة.

رفعت راسها، ومسحت دموعها، وكتبت:
ـ طيب، ليه بتقول إن أخطر حاجة في حياتك هي أبويا؟
عم حسان فضل باصص للورقة فترة طويلة، وبعدها قام ببطء، ومشي ناحية دولاب خشب قديم في ركن الأوضة. فتح الدرج السفلي، وطلع صندوق صغير مقفول بقفل صدئ. رجع قعد قدامها، وحط الصندوق على الترابيزة. أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا، وفتح القفل.

جوه الصندوق كانت فيه أوراق قديمة، وصورة بالأبيض والأسود، وخطاب مطوي بعناية. مد الخطاب لروزالين. كان مكتوب بخط يد رجل مختلف عن خط عم حسان. بدأت تقرأ:
«إلى أخويا حسان، لو الورقة دي وصلت لك، يبقى أنا مشيت من الدنيا قبل ما أقدر أقول لك الحقيقة كاملة. أنا اكتشفت إن جابر مكانش لوحده في موضوع الفلوس. فيه شخص تاني كان بيساعده، وشخص من أهل البلد كان بيغطي عليه. خلي بالك من الأرض، وخلي بالك من الناس اللي بتسأل عنها كتير. ولو في يوم بنت جابر رجعت لك، متخليهاش تدفع تمن ذنب أبوها.»

روزالين وقفت عند آخر سطر:
«ولو في يوم بنت جابر رجعت لك.»
رفعت عينيها ناحية عم حسان:
ـ هو كان يعرف إني هاجي عندك؟
عم حسان أخد الخطاب منها، وقلبه على الناحية التانية. كان فيه سطر صغير، مكتوب تحت التوقيع:
«اسم البنت روزالين.»
الاسم كان مكتوب بوضوح. روزالين حسّت ببرودة تسري في جسمها:
ـ إزاي؟ إزاي أخوك كان عارف اسمي قبل ما أتولد أصلًا؟

عم حسان حرك راسه ببطء، وبعدها كتب:
«محمود كان بيشتغل في حسابات الأرض، وكان عارف إن جابر عنده بنت صغيرة. لكنه مكنش يعرف إنها هتعيش لحد ما تكبر وتيجي هنا.»
روزالين فضلت تقرأ الخطاب مرة واتنين، وبعدها لاحظت إن فيه ورقة تانية مستخبية تحت الصورة. سحبتها بحذر. كانت خريطة قديمة للأرض الزراعية المحيطة بالقرية، وعليها علامات بالقلم الأحمر. في نص الخريطة كان فيه مربع صغير، مكتوب جنبه:
«المخزن القديم.»
روزالين سألت:
ـ هو إيه المخزن القديم ده؟
عم حسان كتب:
«المكان اللي مات فيه محمود.»

سكتت لحظة، وبعدها سألت:
ـ وإيه علاقة كل ده بالأرض اللي قلت لي متسيبيش حد يبيعها؟
عم حسان رفع راسه، وعينه كانت مليانة حزن وغضب. كتب:
«لأن فيه ناس عايزة الأرض دي من سنين. ومش عايزين يشتروا الأرض بس، دول عايزين يمحوا كل دليل على اللي حصل زمان.»

روزالين بدأت تحس إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف قديم على أموال. لكنها كانت محتاجة تعرف مين الناس دي، وليه أبوها رجع بعد عشرين سنة، وليه قرر يبعدها بالطريقة دي.

قبل ما تسأله، سمعوا صوت عربية وقفت قدام الدار. عم حسان رفع راسه بسرعة. روزالين قامت تبص من الشباك، وشافت راجل لابس جلابية غامقة نزل من العربية، وراه شاب شايل ملف كبير. الراجل خبط على الباب ثلاث خبطات متتالية. عم حسان كتب بسرعة:
«متفتحيش.»

روزالين اترددت. الخبط اتكرر، وبعده جه صوت الراجل من بره:
ـ يا عم حسان، افتح. إحنا عارفين إنك رجعت من المستشفى.
عم حسان أشار لها إنها تسكت. الراجل بره كمل:
ـ إحنا جايين في مصلحة ليك وليلبنت. مش هنعطلك كتير.

روزالين قربت من عم حسان، وكتبت له:
ـ مين ده؟
كتب لها اسمًا واحدًا:
«فؤاد.»

الاسم كان مألوفًا لها. ده كان اسم الراجل اللي أبوها كان بيروح له كل فترة في آخر شهور، واللي كان بيستناه أحيانًا عند طرف القرية. الخبط زاد، وصوت فؤاد بقى أعلى:
ـ يا عم حسان، إحنا عارفين إنك صاحي. افتح بدل ما نضطر نرجع تاني.
عم حسان مسك القلم، وكتب جملة أخيرة:
«لو دخل، متصدقيش كلمة يقولها.»

روزالين قربت من الباب، لكنها مافتحتش. قالت من وراه:
ـ مين حضرتك؟ وعايز إيه؟
فؤاد رد بصوت هادي مصطنع:
ـ أنا فؤاد يا بنتي. كنت أعرف أبوكي من زمان. وجاي أخلص لكم موضوع مهم.
ـ موضوع إيه؟
ـ موضوع الأرض اللي أبوكي سايبها لك.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى