روايات وقصص

تزوجت عجوز حكايات صافي هاني

روزالين بصت لعم حسان. هو كان باصص لها بعينين مليانين تحذير. فؤاد كمل:
ـ أبوكي قال لي إنه عايزك تمضي على ورق بسيط، ونخلص الموضوع. وبعدها هتاخدي نصيبك وتعيشي حياتك مرتاحة.
روزالين حست إن الكلام مش منطقي. أبوها عمره ما قال لها إن عندها أرض، ولا ذكر أي ميراث. قالت:
ـ أنا مش همضي على أي ورق قبل ما أفهم.

فؤاد سكت ثواني، وبعدها قال بنبرة اتغيرت تمامًا:
ـ اسمعي يا بنتي، إنتي لسه جديدة في البلد، ومش فاهمة مين عم حسان ولا إيه اللي بيحصل هنا. الراجل ده كبير في السن، ومش كل كلامه يتاخد على محمل الجد. هو ممكن يكون بيحاول يخليكي تتعلقي بيه عشان تفضلي تحت إيده.
روزالين اتضايقت، لكنها ما ردتش. فؤاد استغل سكوتها وكمل:
ـ أنا عارف إنك جيتِ غصب عنك. عندي ورق يثبت ده. لو عايزة ترجعي بيتك، وتعيشي زي أي بنت في سنك، افتحي الباب وتعالي معايا.

للحظة، قلب روزالين مال ناحية فكرة الهروب. هي فعلًا كانت حاسة إنها بعيدة عن أهلها، وكانت نفسها من أول يوم تخرج من البيت ده وترجع تعيش حياتها بحرية. لكنها افتكرت عم حسان وهو قاعد جنب الكانون، سايب لها الأوضة كلها، ونايم على الأرض عشان متخافش منه. افتكرت إنه لما تعبت في أول أسبوع، ساب شغله وجاب لها الدوا من الصيدلية. وافتكرت إنه كان بيحط لها الأكل على الترابيزة ويخرج بره لحد ما تخلص، عشان متحسش إنها مجبرة تقعد معاه.

كل التفاصيل الصغيرة اللي كانت بتعتبرها تصرفات عادية، بدأت دلوقتي تبان لها بمعنى مختلف. روزالين ردت من ورا الباب:
ـ لو عندك ورق، سيبه وامشي. وأنا هوديه لمحامي يشوفه.
فؤاد سكت، وبعدها ضحك ضحكة قصيرة مفيهاش أي فرحة:
ـ واضح إن عم حسان عرف يضحك عليكي بسرعة.
وبعدين صوته بقى حاد:
ـ بس افتكري كلامي يا بنت جابر. اللي حصل زمان مش هيفضل مستخبي للأبد.

سمعت صوت خطواته وهو بيرجع ناحية العربية، وبعدها صوت الموتور ابتعد تدريجيًا. روزالين فضلت واقفة مكانها لحد ما اتأكدت إنه مشي. رجعت لعم حسان، فلقته بيكتب في الكشكول:
«دلوقتي عرفوا إنك شوفتي الأوراق.»
روزالين كتبت:
ـ أنا مش خايفة منهم. بس عايزة أعرف الحقيقة كلها.

عم حسان هز راسه، وبعدها أشار للصندوق. كان لسه فيه ظرف صغير في قاعه، مخفي تحت بطانة القماش. روزالين طلعته وفتحته. جواه إيصال قديم، ونسخة من عقد ملكية، وصورة لشاب واقف جنب مخزن حبوب. في ضهر الصورة كان مكتوب:
«محمود حسان، قبل وفاته بأسبوع.»

روزالين قلبت الصورة تاني، وركزت في وش الشاب. كان فيه شبه كبير من عم حسان، نفس العينين، ونفس شكل الحاجبين. لكن اللي لفت نظرها أكتر هو الراجل اللي واقف بعيد في خلفية الصورة. كان جابر، أبوها. روزالين حطت الصورة على الترابيزة، وبدأت إيديها ترتعش:
ـ أبويا كان هناك قبل ما عم محمود يموت؟
عم حسان كتب:
«أيوه.»
ـ وإنت كنت عارف؟
كتب:
«عرفت بعد سنين.»

روزالين مسكت الصورة من أطرافها، وقربتها من عينها. في الخلفية، كان فيه باب صغير للمخزن، وعلى الباب علامة غريبة مرسومة بالطباشير. علامة شبه دائرة ناقصة، وجواها خطين متقاطعين. نفس العلامة كانت موجودة على الخريطة القديمة. روزالين سألت:
ـ العلامة دي معناها إيه؟
عم حسان فضل يبص للصورة، وبعدها كتب:
«مكان خبّى فيه محمود الحقيقة.»

في اللحظة دي، روزالين فهمت إن الحكاية مش هتنتهي بمجرد إنها تعرف سبب مرض عم حسان، ولا حتى سبب مجيئها هنا. كان فيه سر قديم اتدفن مع موت محمود، وناس لسه مستعدة تعمل أي حاجة عشان يفضل مدفون.

لكن قبل ما تقدر تسأله عن مكان السر، سمعوا صوت خبط خفيف على الشباك الخلفي. عم حسان قام بصعوبة، وأشار لها تبعد عن الشباك. الخبط اتكرر. روزالين قربت بحذر، وبصت من فتحة الستارة. كان فيه طفل صغير واقف في الضلمة، لابس جلابية خفيفة رغم البرد، وفي إيده كيس ورق بني. فتحت الشباك فتحة صغيرة وسألته:
ـ إنت مين يا حبيبي؟
الطفل بص وراه بخوف، وبعدها مد لها الكيس:
ـ واحد اداني ده وقال لي أوصله لعم حسان، ومحدش يشوفني.
روزالين أخدت الكيس:
ـ مين اللي بعته؟
الطفل هز راسه:
ـ معرفش اسمه. بس قال لي لو حد سألني أقول إني مجيتش هنا.
وجري قبل ما تلحق تسأله أي سؤال تاني.

روزالين قفلت الشباك، ورجعت للترابيزة. عم حسان كان واقف مستنيها، وعينه على الكيس. فتحته بحذر. جواه مفتاح حديد قديم، وورقة صغيرة مكتوب عليها بخط مهزوز:
«المخزن هيتباع بكرة الصبح. لو عايز تعرف مين قتل الحقيقة، روح قبل ما الشمس تطلع.»

روزالين قرأت الجملة بصوت مسموع، وبعدها رفعت عينيها لعم حسان:
ـ مين اللي كتب الكلام ده؟
عم حسان مسك الورقة، وقربها من عينه، وبعدها اتغيرت ملامحه. كانت أول مرة تشوفه بالشكل ده. مش خوف من الوجع، ولا قلق من المرض. دي كانت صدمة راجل شاف حاجة كان فاكر إنها اختفت من الدنيا من سنين طويلة. كتب في الكشكول كلمة واحدة:
«محمود.»

روزالين بصت له بذهول:
ـ إزاي؟ إنت بنفسك قلت لي إنه مات من عشرين سنة!
عم حسان ما ردش. راح ناحية الصندوق، وطلع صورة تانية، كانت مخبّية في جيب داخلي من القماش. الصورة كانت لرجل كبير في السن، واقف قدام بيت ريفي بعيد عن القرية. على ضهرها تاريخ مكتوب من شهرين بس. روزالين بصت للصورة، وبعدها بصت لعم حسان:
ـ ده مين؟
عم حسان كتب بإيد مرتعشة:
«أخويا.»

روزالين رجعت خطوة لورا:
ـ يعني عم محمود عايش؟
عم حسان أغمض عينيه، وكأن الإجابة دي كانت أصعب من كل اللي فات. وبعد لحظات، كتب:
«مش عارف. لكن لو الصورة حقيقية، يبقى فيه حد كان بيخبي عني إنه عايش كل السنين دي.»

روزالين مسكت المفتاح الحديد، وحست ببرودته في كف إيدها. بصت ناحية الباب، وبعدها للساعة القديمة المعلقة على الحيطة. كانت الساعة قربت من نص الليل. قالت بصوت ثابت رغم خوفها:
ـ إحنا هنروح المخزن قبل الفجر.
عم حسان هز راسه بالرفض، وكتب:
«إنتي هتفضلي هنا.»

روزالين قربت منه، وأخدت القلم من إيده:
«أنا مش طفلة، ومش هفضل قاعدة مستنية حد يقرر عني. أبويا اتخلى عني، وإنت حميتني، لكن دلوقتي أنا اللي باختار. لو فيه حقيقة تخص حياتي، لازم أعرفها.»
عم حسان فضل باصص لها فترة طويلة. وبعدين مد إيده، وأخد المفتاح من إيدها، وحطه في جيبه. كتب جملة أخيرة:
«هنروح سوا، لكن لازم نوصل قبل فؤاد.»

روزالين سألت:
ـ وإنت عارف منين إنه رايح هناك؟
عم حسان فتح الكشكول على صفحة جديدة، وكتب اسمًا تاني:
«جابر.»
روزالين قلبها وقع:
ـ أبويا كمان؟
عم حسان هز راسه، وبعدها كتب:
«هو مش عايز الأرض. هو عايز الورقة اللي أخويا سابها.»

في اللحظة دي، روزالين فهمت إن مجيئها هنا مكانش مجرد محاولة من أبوها للتخلص منها، بل كان فيه سبب تاني مخلي جابر مستعد يبعد بنته عن حياته، ويخليها تعيش في مكان بعيد عن الناس، مع رجل عجوز أصم، في قرية محدش بيسأل فيها كتير. لكن السؤال اللي فضل يطاردها كان أصعب من كل الأسئلة: لو أبوها كان عارف إن عم حسان بيحتفظ بسر أخوه، ليه وافق يبعتها له بالذات؟ وليه عم حسان وافق ياخدها، رغم إنه كان عارف إن وجودها في بيته ممكن يرجع الماضي كله للحياة؟

الفجر كان لسه بعيد، لكن روزالين بدأت تجهز نفسها. لبست عباءة تقيلة، وحطت الخطابات والصور في شنطة صغيرة، وخدت الكشكول والقلم. عم حسان لبس جلبابه، وحط المفتاح في جيبه الداخلي، وبعدها وقف قدام الباب. قبل ما يخرجوا، رجع خطوة، وكتب لها على ورقة صغيرة:
«لو لقينا محمود، متسأليهوش عن أبوكي الأول.»

روزالين استغربت:
ـ أسأله عن إيه؟
كتب:
«اسأليه ليه سابني أدفنه.»
روزالين رفعت عينيها له، وشافت في وشه حزن عمره سنين. لأول مرة، فهمت إن عم حسان مش بس راجل عجوز فقد سمعه، ولا صاحب أرض بيحاول يحافظ على ميراثه. ده أخ فقد أخوه، وعاش عشرين سنة فاكر إنه مات وهو مظلوم، ويمكن يكون عاش عشرين سنة كمان من غير ما يعرف الحقيقة.

خرجوا من البيت، والهواء البارد ضرب وشهم. القرية كانت ساكتة، والبيوت غرقانة في الضلمة، غير نور خافت طالع من بعيد من ناحية المخزن القديم. روزالين وقفت فجأة:
ـ عم حسان، بص!
كانت فيه عربية واقفة جنب بوابة المخزن، ونور مصباح بيتحرك جوه المبنى. عم حسان شد على إيدها، وأشار لها يستخبوا ورا سور طيني متهدم. من بعيد، سمعوا صوت راجل بيقول:
ـ لازم الورقة تكون هنا. محمود مستحيل يكون خرج من غير ما يسيبها.
وصوت تاني رد:
ـ ولو عم حسان وصل قبلنا؟
الأول رد ببرود:
ـ يبقى نخلص الموضوع قبل ما يعرف إن أخوه كان عايش طول السنين دي.

روزالين بصت لعم حسان. وشه كان أبيض، وعينه مفتوحة على آخرها. همست:
ـ دول عايزين يعملوا إيه؟
عم حسان ما قدرش يكتب، لأنه كان بيحاول يسيطر على إيده اللي بقت بترتعش. وفجأة، نور المصباح اتحرك ناحية الباب. ظهر راجل طويل، لابس جلابية غامقة، وفي إيده ظرف بني. روزالين عرفته من أول لحظة: فؤاد. لكن الراجل اللي خرج وراه كان شخصًا تاني، وشه أكبر سنًا، وشعره أبيض، وماشي بعكاز خشب.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى