
حاولت أعرّف نفسي على أهل خطيبي لأول مرة، لكن أبوه وقفني عند حدّي وقال قدام الكل
إنتِ مش مهمة للدرجة اللي تخليني أضيّع وقتي وأتكلم معاكي.
القاعدة كلها سكتت.
إيدي كانت لسه ممدودة ناحيته لمدة ثانيتين.
وبعدين نزلتها بهدوء.
ما اتوترتش وما اتكسرتش.
لأن الراجل ده ما كانش يعرف إن الصفقة اللي قيمتها 11 مليار و مليون جنيه، واللي كان بيتفاخر بيها قدام الكل، كانت على مكتبي من كام ساعة ومستنية توقيعي على قرار يحدد مصيرها.
وأنا أصلًا كنت اللي ماسكة مراجعة الملف.
اسمي مريم الشاذلي.
عندي 37 سنة، ورتبتي عقيد بالقوات المسلحة، وبشتغل في جهة حكومية مختصة بمراجعة وفحص التعاقدات والمشروعات الاستراتيجية.
خطيبي، عمر المنشاوي، كان عارف إني شغالة في جهة حكومية.
عارف إني برتبة عسكرية.
وعارف إن شغلي له علاقة بالمناقصات والعقود الكبيرة.
لكن طول السنة ونص اللي قضيناهم مع بعض، كل ما حد يسأله أنا بشتغل إيه، كان بيرد بمنتهى الاختصار
مريم شغالة في الحكومة.
كنت دايمًا بفسّر الموضوع إنه مش فارق معاه المنصب ولا الرتب ولا الشهادات.
لكن اللي حصل الليلة دي خلاني أشوف الموضوع بشكل تاني.
يمكن هو أصلًا عمره ما كان مهتم يعرف أنا بعمل إيه بالظبط.
وصلنا لمطعم راقي جدًا في وسط البلد، في قاعة خاصة محجوزة لعيلة المنشاوي.
كنت متحمسة.
مش عشان المكان ولا العزومة.
كنت بس عايزة أقابل أهله لأول مرة، وأبدأ علاقتي بيهم بشكل كويس.
مديت إيدي ناحية والده.
لكن الحاج كمال المنشاوي، صاحب مجموعة شركات المنشاوي للمقاولات والتوريدات، بص لإيدي ثواني وما مدش إيده.
وقال بمنتهى البرود
إنتِ مش مهمة للدرجة اللي تخليني أضيّع وقتي وأتكلم معاكي.
إيدي فضلت في مكانها ثانيتين.
وبعدين نزلتها.
على جنبي كان عمر باصص في مفرش السفرة، كأنه نفسه الأرض تنشق وتبلعه.
قلت يمكن هيتكلم.
يمكن هيدافع عني.
لكنه قال
يا بابا مريم جات عشان أخيرًا تتعرفوا عليها.
كمال حتى ما بصليش.
وقال
كان المفروض تسألني الأول إذا كنت عايز أتعرف عليها ولا لأ.
الجو اتقلب في ثانية.
والدته، نوال المنشاوي، عملت نفسها مشغولة بالسلسلة اللي في إيدها.
أما عمر
فسكت.
أنا سحبت الكرسي وقعدت.
كمال رفع حاجبه، وكأنه كان مستني إني أعيط وأقوم أمشي من المطعم وأنا مکسورة.
بس هو ما كانش يعرفني.
ولا يعرف أنا مين.
بدأ يحكي عن نفسه وعن عيلته.
حكى عن الشركات اللي بناها.
وعن علاقاته برجال الأعمال.
وعن صفقة ضخمة كانت شركته قربت تخلصها.
فضل يتكلم حوالي عشرين دقيقة، وكل شوية يرمي كلمة تبيّن قد إيه هو شايف نفسه أهم واحد في المكان.
لحد ما ابتسم وقال
على فكرة يوم الخميس هنقفل صفقة مشروع النسر.
إيدي وقفت مكانها فوق السفرة.
كمال رفع كوباية العصير وقال بفخر
11 مليار و مليون جنيه.
قلبي ما دقش من الرقم.
اللي خلاني أتجمد هو اسم المشروع.
مشروع النسر.
نفس الاسم اللي كان مكتوب على الملف اللي كنت بقلب فيه من بعد الظهر.
الملف اللي كان قدامي على المكتب، وعدد صفحاته أكتر من ألف وثمانمية صفحة.
كنت براجع فيه
التقارير الفنية.
شهادات الموردين.
مواعيد التصنيع.
تكلفة المعدات.
نتائج اختبارات الجودة.
وتوقفت عند حاجات مريبة جدًا.
لقيت شركتين من الموردين مسجلين بنفس العنوان.
ولقيت شركة مقدمة شهادة لمكونات بتاريخ يسبق التاريخ المفروض إنها بدأت تصنّع فيه أصلًا.
ولقيت كمان نتائج اختبارات تحمل ومتانة مش متطابقة مع التقارير الأصلية.
مفيش دليل قاطع وقتها إن فيه تلاعب.
لكن كان فيه مخالفات كفاية جدًا تخلي أي حد مسؤول يقول
استنى وراجع كل حاجة الأول.
والأخطر إن الساعة 242 الضهر، قبل ما أعرف أصلًا إن صاحب الشركة اللي قدامي هو والد خطيبي، كنت مسجلة بالفعل توصية رسمية بتوسيع نطاق المراجعة.
كمال كمل كلامه وهو مبسوط بنفسه
الصفقة دي هتأمّن مستقبل العيلة كلها.
وبص لعمر.
إحنا
كده نقدر نعيش مرتاحين تلات أجيال قدام.
وبعدين بصلي وقال
بس طبعًا قبل ما نخلص كل ده، فيه شوية حاجات لازم تتظبط.
سكت لحظة، وبعدين قال
وإنت يا عمر، المفروض تتجوز واحدة من مستوانا.
بصيت لعمر.
كنت مستنية منه كلمة واحدة.
يدافع عني.
يقول له دي خطيبتي.
يقول له اتكلم عنها باحترام.
أي حاجة.
لكنه رفع عينه أخيرًا وقال
حاضر يا بابا.
في اللحظة دي
ما حسيتش إن قلبي اتكسر.
كان إحساس أبرد من كده.
كأن حاجة جوايا خلصت فجأة.
قمت من على السفرة.
عمر قال بسرعة
مريم
ما رديتش.
خرجت ناحية التراس.
كمال خد رشفة من كوباية العصير، وكان شكله راضي عن نفسه.
كان فاكر إنه أحرجني لدرجة إني مقدرتش أكمل القعدة.
لكن هو ما كانش يعرف إن كلامه خلاني أفتكر جملة سمعتها قبلها بساعات في اجتماع رسمي.
واحد من ممثلي شركة المنشاوي كان مصرّ إن مشروع النسر لازم يتوافق عليه فورًا، قبل ما يقفلوا السنة المالية.
كان مستعجل بشكل غريب.
واثق زيادة عن اللزوم.
طلعت موبايلي الحكومي.
أنا ما اتصلتش عشان أنتقم.
وما كانش ينفع أصلًا أستخدم منصبي عشان أصفّي حساب شخصي.
اتصلت برئيستي المباشرة، العميدة سلوى عبدالرحمن.
ردت عليا
الشاذلي.
قلت
يا فندم، محتاجة أبلغ عن تعارض مصالح محتمل بخصوص مشروع النسر.
سكتت ثواني.
حكيت لها أنا موجودة فين.
ومين كمال المنشاوي.
ومين عمر بالنسبة لي.
وأكدت لها إن كل ملاحظاتي الفنية كانت متسجلة رسميًا من الساعة 242 الضهر، قبل ما أعرف أي علاقة بين الشركة والعيلة دي.
سلوى سألتني سؤال واحد
شايفة إننا نقدر نكمل في الإجراءات قبل ما المراجعة تخلص؟
بصيت من ورا إزاز التراس.
كمال كان لسه قاعد جوه وبيضحك.
قلت
لأ يا فندم.
وسكت لحظة، وبعدين كملت
بناءً على الملاحظات اللي اتسجلت بالفعل، أنا أوصي بإيقاف الإجراءات مؤقتًا لحد ما مراجعة الالتزام والتدقيق تخلص بالكامل.
قفلت المكالمة.
وفي نفس اللحظة، باب التراس اتفتح.
عمر دخل الأول.
ووراه أبوه.
كمال كان وشه متغير.
وقال
إنتِ قلتي إيه عن مشروع النسر؟
حطيت الموبايل في جيبي.
وبهدوء قلت
قلت إن الموافقة النهائية على المشروع هتتوقف مؤقتًا.
كمال ضحك.
ضحكة عالية ومتعالية.
وقال
إنتِ فاكرة نفسك تقدري توقفي صفقة ب مليار و مليون جنيه؟
بصيت له في عينه.
وقلت
أنا لأ.
سكت.
وكملت
لكن الناس المسؤولة عن التأكد إن البيانات اللي حضرتك قدمتها صحيحة تقدر.
ضحكته اختفت.
وفي اللحظة دي بالذات
موبايله رن.
بص للشاشة.
ملامحه اتغيرت فورًا.
رد.
فضل ساكت بيسمع كام ثانية.
وبعدين قال
إيه؟!
سكت تاني.
إزاي يعني اتوقفت؟!
لأول مرة من ساعة ما دخلت المكان
كمال المنشاوي بصلي كأني موجودة فعلًا.
لكن لسه
ما كانش يعرف الحقيقة الأسوأ.
إن اللي حصل لحد دلوقتي كان مجرد البداية.
كمال قفل المكالمة، وفضل ماسك الموبايل في إيده كأنه مش مستوعب اللي سمعه.
بصلي.
وبعدين بص لعمر.
وقال بصوت منخفض، لكنه كان مليان ڠضب
إنتِ عملتي إيه؟
قلت بهدوء
أنا ماعملتش حاجة.
الصفقة اتوقفت!
عشان فيه ملاحظات فنية وإجرائية محتاجة مراجعة.
ضړب كف على كف وقال
ملاحظات إيه؟! إحنا خلصنا كل حاجة!
قلت
واضح إنكم ماخلصتوش كل حاجة.
عمر قرب مني وقال
مريم، ممكن نتكلم لوحدنا؟
بصيت له.
لأول مرة من ساعة ما عرفته، ماحاولتش أقرأ تعبير وشه.
قلت
اتفضل.
خرجنا للممر.
أول ما الباب اتقفل وراينا، عمر مسك دراعي.
إنتِ فاهمة عملتي إيه؟
سحبت دراعي منه.
آه.
إنتِ وقفتِ شغل أبويا!
لأ. المراجعة هي اللي وقفت الإجراء.
بسببك!
بصيت له كام ثانية.
عمر، إنت كنت عارف إن الشركة بتقدم على مشروع النسر؟
اتوتر.
طبعًا.
وكنت عارف قيمة الصفقة؟
سكت.
11 مليار و مليون؟
أيوه.
وكنت عارف إن فيه مراجعة حكومية للملف؟
قال بسرعة
كل الشركات الكبيرة بتعدي على مراجعات.
بس إنت ماقلتليش.
وإنتِ ماقولتيليش تفاصيل شغلك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لأن تفاصيل شغلي سرية.
وأنا كمان شغل أبويا مش من حقك تعرفيه.
قلت
تمام.
سكت.
وبعدين سألته




