روايات وقصص

اماني السيد

أختي عمرها ما حبت مراتي، ومن أول يوم وهي شايفة إنها أقل مننا، وكأنها مش من مستوانا ولا تستحق تكون واحدة من عيلتنا حاولت كتير أقربهم من بعض، وكل مرة كنت أقول لأختي: دي مراتي، ومفروض تحترميها وتحاولي تحبيها عشاني. لكنها كانت بتضحك وترد عليَّ باستهانة: ـ مين دي أصلًا اللي عايز تساويني بيها؟!

ومع الوقت، أختي بدأت تلعب في دماغي بطريقة ما كنتش واخد بالي منها.
كل شوية تتصل بيا:
ـ تعالى نخرج شوية… وحشتني.
كنت أروح لها، ألاقي صحابها قاعدين، وكل واحدة فيهم شكلها ولبسها وطريقتها مختلفة تمامًا عن مراتي.
كانت تتعمد تبص لي وتقول:
ـ بص كده… شايف الفرق؟ شوف أصحابى عاملين إزاي، وشوف مراتك!
في الأول كنت بتضايق من كلامها، لكن مع تكراره مرة ورا مرة، بدأت أشوف مراتي بعيني أختي.
وبدأت المقارنات تكبر جوايا… لحد ما بقيت مش طايق أقعد في بيتي.
لحد اليوم اللي اتعرفت فيه على “ليا”… صاحبة أختي.
ليا كانت جميلة، مدللة، وبتعرف تتكلم وتخلي اللي قدامها يحس إنه أهم شخص في الدنيا.
ومع كل كلمة منها، كنت بحس إني بانجذب ليها أكتر.
لحد ما وقعت في حبها فعلًا.
ولما قلت لأختي إني عايز أرتبط بليا، بدل ما توقفني أو تفكرني بمراتي، لقيتها بتشجعني بكل قوتها.
ـ أخيرًا هتختار واحدة تليق بيك!
ارتبطت بليا، وبدأت أعيش معاها حياة مختلفة تمامًا… لحد ما في يوم جات لي وهي متضايقة وقالت:
ـ أنا صحابي كلهم بيقولولي: إنتِ إزاي قابلة بالوضع ده؟! وماما وبابا كمان شايفين إن لازم تفركش الموضوع.
بصيت لها وسألتها:
ـ وإيه العمل؟
سكتت شوية، وبعدين قالت الجملة اللي غيرت كل حاجة:
ـ تطلق مراتك.
والأغرب إني ما قاومتش.
روحت للمأذون وليا معايا عشان تتاكد انى طلقت مراتى ، وطلقت مراتي غيابي… من غير حتى ما أديها فرصة تسألني: ليه؟
رجعت بيتي وقتها وأنا عارف إن في حاجة جوايا كانت بتمنعني أواجهها بالحقيقة، لكن بدل ما أسمع صوت ضميري، كملت في الطريق اللي أختي وليا رسموهولي.
وبعدها اتجوزت ليا.
لكن أختي كان لسه عندها حساب قديم مع مراتي.
وعشان تنتقم منها وتقهرها، قررت تعمل حاجة ما خطرتش على بالي.
عزمتها على الفرح!
وفعلًا… يوم الفرح،عملته فى فندق كبير وعزمت كل اصحبنا وقرايبنا
ظهرت مراتي السابقة وسط الناس. وانا شايل ليا وبلف بيها وبرقص معاها
وأول ما شافتني، قربت مني وهي مش مستوعبة اللي حصل، وقالت بصوت مليان وجع:
ـ إزاي تعمل فيا كده؟
رديت ببرود:
ـ وإنتِ بأي حق تتكلمي معايا كده؟
بصت لي وهي منهارة، وقالت:
ـ بأي حق؟! أنا مراتك!
وقبل ما أكمل كلمة، أختي قربت منها وهي بتضحك بسخرية، وبصت لها من فوق لتحت وقالت قدام الكل:
ـ مراتك؟! إنتِ لسه فاكرة نفسك مراته؟
سكتت مراتي، فتابعت أختي وهي تقصد تجرحها بكل كلمة:
ـ أخويا مطلقك عند المأذون من بدري، وإنتِ أصلًا كنتِ مجرد مرحلة خلصت… كان وقتك وراح وماحبهوش
ثم ضحكت وقالت:
ـ ولا إنتِ جاية الفرح ليه؟ كنتِ فاكرة إنك لسه واحدة من العيلة؟ فوقي لنفسك… أخويا اختار واحدة تانية، وإنتِ خلاص بقيتي من الماضي.

وقفت مراتي قدامي وهي مش قادرة تستوعب الكلام اللي سمعته، ووشها كان باين عليه إنها بتحاول تتمالك نفسها بالعافية.

بصتلي مرة تانية، وكأنها مستنية مني كلمة واحدة بس تنقذها من الإهانة اللي حصلت قدام الناس.

قالت بصوت مكسور:

ـ يعني أنت فعلًا طلقتني؟

ما قدرتش أرد.

مش عشان ما عنديش إجابة…

لكن عشان لأول مرة من ساعة ما بدأت الحكاية دي، حسيت إن صوتي هيكشفني قدام نفسي قبل ما يكشفني قدام الناس.

ليا كانت واقفة جنبي، وأختي واقفة الناحية التانية وهي مبتسمة كأنها انتصرت في معركة كبيرة.

مراتي بصت لأختي وقالت:

ـ ليه؟

أختي ردت بمنتهى البرود:

ـ ليه إيه؟

ـ ليه عزمتيني؟

ضحكت أختي وقالت:

ـ عشان أشوف بعيني اللحظة اللي تعرفي فيها إنك ما بقيتيش من العيلة.

الكلام وقع على المكان كله زي الحجر.

مراتي ما ردتش.

فضلت ساكتة ثواني، وبعدها بصتلي.

ـ كنت ممكن تقولي.

نزلت عيني في الأرض.

ـ كنت ممكن تقولي إنك ما بقيتش عايزني.

سكت.

ـ كنت ممكن تقولي إنك لقيت حد تاني.

سكت أكتر.

ـ حتى لو كنت هتوجعني… كنت هقدر أفهم.

بدأ صوتها يرتعش:

ـ لكن تعمل كل ده؟ تطلقني من غير ما أعرف، وتتجوز، وبعدين تخليني أعرف يوم فرحك قدام الناس؟

حاولت أقول:

ـ الموضوع ما كانش…

قاطعتني:

ـ الموضوع كان إيه؟

رفعت عيني لها.

ما لقيتش حاجة أقولها.

فقالت بهدوء غريب:

ـ عارف أكتر حاجة وجعتني إيه؟

سكت.

ـ مش إنك اتجوزت.

وبصت ناحية ليا.

ـ ولا حتى إنك اخترت واحدة تانية.

وبعدين حطت إيدها على قلبها وقالت:

ـ اللي وجعني إنك خليتني طول الوقت أفتكر إن الإنسان اللي عشت معاه سنين، وأكلت معاه، ومرضت عشانه، ووقفت جنبه، وكنت شايفة فيه كل الدنيا… عمره ما كان موجود أصلًا.

بدأت عيون بعض الموجودين تتحرك بينا.

حد من قرايبنا نزل عينه في الأرض.

وواحدة من قريباتي قربت من أختي وقالت لها بصوت واطي:

ـ خلاص يا بنتي، كفاية.

لكن أختي ردت:

ـ أنا ما عملتش حاجة.

مراتي سمعتها.

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت:

ـ لأ… إنتِ عملتي.

وبصتلي:

ـ بس هو اللي سمحلك.

الكلمة دي كانت أصعب من أي شتيمة.

لأنها كانت الحقيقة.

أنا اللي سمحت.

أنا اللي سمعت.

أنا اللي قارنت.

أنا اللي صدقت.

أنا اللي سبت كلام أختي يدخل دماغي لحد ما بقيت أشوف مراتي بعين مش عيني.

أنا اللي اتعرفت على ليا وأنا متجوز.

أنا اللي خبيت.

أنا اللي طلقت.

وأنا اللي وقفت في فرح جديد بدل ما أواجه الإنسانة اللي ظلمتها.

مراتي مسحت دمعة نزلت على خدها، وقالت:

ـ ربنا يسامحك.

ولفت عشان تمشي.

لكن قبل ما تتحرك، أختي قالت:

ـ استني بس… مش هتباركيله؟

وقفت مراتي مكانها.

لفت لها.

ـ أبارك له على إيه؟

ـ على جوازه.

مراتي ابتسمت وقالت:

ـ أنا هبارك له على حاجة واحدة.

سكتت لحظة.

ـ هبارك له لما يعرف قيمة اللي ضيعه.

وبعدين خرجت.

الباب اتقفل وراها.

وأنا فضلت واقف مكاني.

ليا قربت مني وقالت:

ـ ما تزعلش… هي أكيد بتعمل كده عشان تحسسك بالذنب.

بصيت لها.

لأول مرة ما حسيتش بكلامها.

ولأول مرة صوتها اللي كنت شايفه زمان أجمل صوت في الدنيا، بقى بالنسبة لي مجرد كلام.

قلت:

ـ سيبيني لوحدي شوية.

اتضايقت:

ـ في يوم فرحنا؟

قلت:

ـ أيوه.

أختي تدخلت:

ـ إيه اللي جرالك؟ دي لحظة فرحتك.

بصيت لها.

ـ فرحتي؟

ضحكت:

ـ طبعًا فرحتك.

قلت:

ـ أنا مش حاسس إني فرحان.

وشها اتغير.

ليا بصتلي باستغراب.

ـ يعني إيه؟

ما رديتش.

خرجت من القاعة.

دخلت الحمام وقفلت الباب ورايا.

وقفت قدام المراية.

كنت لابس البدلة اللي دفعت فيها مبلغ كبير.

الخاتم في إيدي.

لكن بدل ما أشوف راجل بدأ حياة جديدة…

شفت واحد واقف قدام نفسه ومش عارف هو عمل إيه.

افتكرت مراتي وهي بتقول:

“كان ممكن تقولي.”

غمضت عيني.

افتكرت أول يوم اتجوزنا فيه.

كانت واقفة قدام باب بيتنا وهي متوترة، ماسكة شنطتها الصغيرة.

افتكرت أول مرة تعبت فيها وأنا رجعت من الشغل.

هي اللي فضلت جنبي طول الليل.

افتكرت يوم أبويا تعب.

هي اللي كانت معاه في المستشفى وأنا كنت واقف مش عارف أعمل إيه.

افتكرت يوم خسرت شغلي فترة.

هي اللي قالتلي:

“مش مهم الفلوس، المهم إننا مع بعض.”

افتكرت كل حاجة.

وبعدين افتكرت كلام أختي:

“شوف أصحابى عاملين إزاي وشوف مراتك.”

أنا صدقت المقارنة.

لكن عمري ما سألت نفسي:

مين فيهم كان هيقف جنبي وأنا واقع؟

مين فيهم شال همي من غير ما يطلب مقابل؟

مين فيهم كان شايفني أنا… مش شكلي ولا فلوسي ولا اسمي؟

فضلت واقف قدام المراية وقت طويل.

وبعدين سمعت خبط على الباب.

كانت أختي.

ـ افتح.

ما رديتش.

ـ افتح يا أخويا.

فتحت.

دخلت وهي متضايقة.

ـ إيه اللي حصل لك؟

قلت:

ـ أنا ظلمتها.

اتعصبت:

ـ إنت لسه هتبدأ؟

ـ أيوه.

ـ دي كانت عايشة معاك ومش مناسبة ليك.

ـ مين قال؟

ـ أنا.

ـ وإنتِ مين ادالك الحق؟

سكتت.

قلت:

ـ مين قالك إنك تقدري تحددي مين يستاهل يعيش معايا ومين لأ؟

ـ أنا أختك.

ـ ومراتي كانت مراتي.

قالت بعصبية:

ـ كنت بحاول أحميك.

ضحكت بسخرية.

ـ تحميني من إيه؟

ـ منها.

ـ منها عملت إيه؟

سكتت.

ـ قولي.

ما ردتش.

ـ هي خانتني؟

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى