عام

حكاوي شيمو

«أنا مش … خليها معلّقة كده عشر سنين، ولا هسيبها تعرف تتجوز ولا هديها فرصة تعيش حياتها!»

الجملة دي قالها زوج لمراته قبل ما يسافر السعودية، وهو مقتنع إنه كده ماسك زمام حياتها بإيده، وإن مجرد إنه يرفض يطلّقها يبقى قدر يحكم عليها إنها تفضل مستنياه مهما طال الزمن.

قال لأهله بمنتهى الثقة: “أنا مسافر، ومش راجع مصر أعيش معاها… وهي بقى تستنى. لو عايزة الطلاق، تشوف هتعمل إيه!”

كانت بينهم مشاكل كتير، وكل ما مراته تطلب منه ينهي الموضوع بالمعروف، كان يرد عليها بنفس البرود: “لا طلاق ولا رجوع… إنتِ مراتي، وهتفضلي مراتي.”

ومرت سنة ورا سنة…

هو في السعودية، وهي في مصر.

كان متخيل إنها قاعدة في بيتها، بتعد الأيام والشهور، ومستنية مكالمة منه يمكن يرجع، أو يقرر في يوم من الأيام إنه يطلقها.

وفي مرة، لما حد من أهله سأله: “طب ناوي تعمل إيه في مراتك؟”

ضحك وقال: “ولا حاجة… خليها معلّقة. أنا مش مستعجل. ممكن عشر سنين كمان. على الأقل أضمن إنها مش هتتجوز غيري!”

وكان شايف إن دي الطريقة اللي “يعاقبها” بيها، وإنه كده كسب المعركة.

لكن اللي ما كانش يعرفه إن الدنيا كانت بتتحرك من وراه…

مراته بعد فترة تعبت من الانتظار، وبدأت تسأل عن حقها، واستشارت أهلها، وراحت للمحكمة، وبدأت إجراءات الخلع.

وهو؟

ولا على باله!

كان عايش في السعودية، مطمئن تمامًا إن زوجته لسه على ذمته، وإنها مهما عملت مش هتقدر تتخلص منه.

عدّت الشهور…

وبعدها السنين…

لحد ما حصل شيء ما كانش يخطر له على بال.

زوجته حصلت على حكم الخلع.

وانتهت بيه رسميًا.

لكن الحكاية ما وقفتش هنا…

بعد الخلع بفترة، اتجوزت راجل تاني.

وبدأت معاه حياة جديدة.

وبعدها سافرت مع زوجها إلى قطر، واستقرت هناك، وخلفت طفلين.

أربع سنين كاملة عدّوا…

وهو في الناحية التانية من العالم، لسه فاكر إنها “مراته”، ولسه مقتنع إنه قادر يسيبها معلّقة زي ما هو عايز!

لحد ما في يوم قرر يبعت أخته لمصر.

قال لها: “روحي شوفيها كده… عايز أعرف أخبارها. وقولي لها إني ممكن أرجع قريب.”

أخته راحت وهي متوقعة إنها هتلاقي زوجته في بيتها زي ما سابها.

لكن أول ما وصلت، سألت عنها…

فجالها الرد اللي خلّاها تسكت من الصدمة:

“هي؟ دي سافرت من زمان!”

قالت لها: “سافرت فين؟”

ردوا عليها: “قطر… مع جوزها.”

أخته افتكرت إنها سمعت غلط.

قالت: “جوزها مين؟!”

وهنا عرفت الحقيقة كاملة…

إن الست اللي أخوها كان فاكر إنه سايبها “معلّقة” من أربع سنين…

كانت خلعت منه، واتجوزت، وسافرت، وبقت أم لطفلين!

رجعت أخته وهي مش عارفة تقول له إيه.

ولما اتصلت بيه وقالت له:

“إنت عارف إن مراتك… مش مراتك من أربع سنين؟”

سكت.

لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في خبر الخلع ولا الجواز…

الصدمة كانت في السؤال اللي سأله بعدها، واللي كشف إنه طول الأربع سنين دي كان عايش في وهم كامل…

قال لها: “يعني إيه اتجوزت؟! هو أنا طلّقتها؟!”

وهنا أخته ردت عليه بكلمة واحدة…

“إنت اللي رفضت تطلّقها… بس المحكمة هي اللي أنهت الجوازة من أربع سنين.”

لكن اللي حصل بعد المكالمة دي كان أغرب بكتير…

لأن الراجل قرر يعمل حاجة ما حدش كان متوقعها، ولما عرف مين الشخص اللي اتجوزها وإيه اللي حصل بينهم طوال الأربع سنين…

اتجنّن وطلب من أخته ترجع مصر فورًا، وقال لها: “لازم أعرف الحقيقة بنفسي!”

يا ترى إيه اللي حصل بعد كده؟

ملحوظة القصة الكاملة ستجدها مثبتة في التعليقات علي الصفحه دي عالم السطور مش في الجروبات اضغط بس ع اسم الصفحه هايطلعلك البوست باللينك

يتبع…لو لقيت تفاعل نكمل القصة

ولو الحكاية عجبتكم، قولولنا رأيكم في التعليقات

ومتنسوش تصلّوا وتسلّموا على سيدنا محمد ﷺ

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

حكاوي_شيمو

«أنا مش هطلّقها… خليها معلّقة كده عشر س

نين، ولا هسيبها تعرف تتجوز ولا هديها فرصة ت

أخته فضلت ساكتة ثواني طويلة، وهي سامعة صوت أنفاسه من الناحية التانية.

قال لها بصوت متوتر:

“يعني إيه المحكمة أنهت الجوازة؟ إمتى الكلام ده حصل؟”

ردت عليه:

“من أربع سنين يا محمود.”

اتنفس بصعوبة وقال:

“أربع سنين؟!”

“أيوه.”

“وإنتِ كنتِ عارفة؟”

سكتت أخته لحظة، وبعدين قالت:

“أنا عرفت النهارده.”

“مين قالك؟”

“أهلها.”

فضل ساكت.

كان فيه سؤال واحد بيدور في دماغه ومش قادر يستوعبه.

إزاي؟

إزاي كل ده حصل وهو ما يعرفش؟

إزاي الست اللي كان سايبها في مصر وهو متأكد إنها قاعدة مستنياه، راحت المحكمة، وخلعت منه، واتجوزت، وسافرت، وخلفت طفلين، وهو ما سمعش كلمة واحدة؟

قال لأخته:

“إنتِ متأكدة؟”

قالت:

“أنا مش جاية أحكيلك كلام سمعته من حد في الشارع. أنا روحت بيت أهلها بنفسي. سألت عليها. قالولي إنها سافرت قطر مع جوزها من سنين.”

“طب وأهلها؟”

“قالولي إنهم حاولوا يتواصلوا معاك وقتها.”

سكت.

وبص ناحية الشباك.

الشارع السعودي كان مليان حركة، عربيات رايحة وجاية، ناس داخلة وخارجة من المحلات، وهو واقف وسط كل ده حاسس كأنه بعيد عن الدنيا كلها.

افتكر آخر مرة كلمته فيها.

افتكر صوتها وهي بتقول له:

“يا محمود، أنا مش عايزة أطلب منك حاجة. أنا بس عايزة أعيش حياتي بالحلال. لو مش عايز ترجعلي، طلّقني.”

وهو وقتها رد بمنتهى البرود:

“مش .”

قالت:

“طب أعمل إيه؟”

رد:

“تستني.”

“أستنى إيه؟”

“تستني لحد ما أنا أقرر.”

وكان فاكر إنه كده انتصر.

كان فاكر إن كلمة “مراتي” معناها إنها ملكه للأبد.

لكن لأول مرة بعد أربع سنين، بدأ يسأل نفسه:

هو كان بيملك إيه أصلًا؟

قال لأخته:

“اسم الراجل إيه؟”

ردت:

“جوزها؟”

“أيوه.”

“اسمه خالد.”

اتغيرت ملامحه.

“خالد مين؟”

“معرفش اسم العيلة كامل.”

“بيشتغل إيه؟”

“أهلها قالوا إنه راجل محترم وبيشتغل في قطر.”

ضرب بإيده على المكتب.

“محترم؟!”

أخته استغربت:

“إيه اللي يضايقك في الكلمة؟”

صرخ:

“يعني اتجوزها وعاش معاها وخلف منها؟!”

سكتت أخته.

وبعد ثواني قالت:

“أيوه يا محمود.”

الجملة نزلت عليه كأنها صفعة.

“خلفت؟”

“عندها طفلين.”

“ولاد؟”

“ولد وبنت.”

قعد على الكرسي.

لأول مرة حس إن الكرسي نفسه مش قادر يشيله.

قال بصوت واطي:

“يعني هي… عندها بيت؟”

أخته ردت:

“أيوه.”

“وجوز؟”

“أيوه.”

“وولاد؟”

“أيوه.”

سكت.

ثم قال:

“وهي مبسوطة؟”

أخته ما ردتش فورًا.

لأنها عرفت من نبرة صوته إن السؤال مش مجرد فضول.

قالت:

“أنا ما شفتهاش.”

“بس أهلها قالوا إيه؟”

“قالوا إنها عايشة كويس.”

“يعني إيه كويس؟”

“يعني بيتها مستقر وجوزها كويس معاها وولادها كويسين.”

غمض عينيه.

كان متوقع يسمع أي حاجة إلا دي.

كان يتمنى يسمع إنها ندمانة.

إنها بتسأل عنه.

إنها كل يوم بتفتكر كلامه.

إنها مش قادرة تنساه.

لكن الحقيقة كانت أقسى.

هي لم تنتظره.

هي لم تتوقف عنده.

الحياة مشت.

وهو وحده اللي وقف مكانه.

قال:

“ابعتِلي رقم أهلها.”

“ليه؟”

“ابعتِه بس.”

“محمود، بلاش تعمل مشكلة.”

“أنا مش هعمل مشكلة.”

“طب هتعمل إيه؟”

سكت.

وبعدين قال:

“لازم أعرف كل حاجة.”

“كل حاجة عن إيه؟”

“من يوم ما سافرت.”

أخته ردت بحذر:

“ولما تعرف؟”

قال:

“مش عارف.”

وأغلق الهاتف.

في الليلة دي، محمود ما نامش.

فتح موبايله وقعد يدور في الصور القديمة.

صورة ليه ولها يوم كتب الكتاب.

صورة من فرحهم.

صورة كانت واقفة فيها جنبه وهي لابسة فستان بسيط، وبتضحك.

كبر الصورة.

فضل باصص لوشها.

افتكر وقتها إنها كانت بتضحك من قلبها.

وافتكر بعد كده قد إيه هو قدر يحول الضحكة دي لدموع.

لكن اللي وجعه أكتر إنه اكتشف حاجة غريبة.

هو كان فاكر إنه لسه فاكر كل تفاصيلها.

لكن لما ركز في الصورة، اكتشف إنه ناسي حاجات.

لون الفستان.

شكل شعرها.

حتى صوت ضحكتها.

أربع سنين كفاية تخلي الإنسان ينسى تفاصيل شخص كان يومًا أقرب الناس إليه.

حاول ينام.

ما قدرش.

قام توضأ وصلى، وبعد الصلاة قعد وقت طويل ساكت.

كان طول عمره شايف إن الرجولة معناها إن الراجل هو اللي يقرر.

هو اللي يقول.

هو اللي يمنع.

هو اللي يسمح.

وهو اللي يختار إمتى العلاقة تبدأ وإمتى تنتهي.

لكن دلوقتي لأول مرة فهم إن فيه فرق بين إنك تتمسك بإنسان، وإنك تمنعه من الحياة.

وفي الصباح، اتصل بأخته.

قال لها:

“أنا نازل مصر.”

اتصدمت.

“نازل مصر ليه؟”

“عايز أشوف أهلها.”

“وبعدين؟”

“وبعدين أشوف.”

“محمود…”

“نعم؟”

“أوعى تروح تعمل حاجة تضرها.”

سكت.

قالت:

“هي دلوقتي ست متجوزة وعندها أولاد. أي خطوة غلط ممكن تدمر حياة ناس ملهاش ذنب.”

رد:

“أنا مش رايح أعمل حاجة.”

“أمال رايح ليه؟”

قال:

“رايح أعرف أنا ضيعت إيه.”

وبعد يومين، كان محمود في طريقه للمطار.

طول الرحلة، كان بيحاول يقنع نفسه إنه نازل علشان يفهم اللي حصل.

لكن جواه كان فيه سبب تاني.

كان عايز يشوفها.

حتى لو من بعيد.

حتى لو مرة واحدة.

وصل مصر.

أول ما دخل بيت أهله، أخته كانت مستنياه.

بصلها وقال:

“إنتِ عرفتي عنوانها الجديد؟”

قالت:

“لا.”

“طب رقم أهلها؟”

ناولته ورقة.

أخدها منها.

قعد شوية ساكت.

ثم قال:

“اتصلتي بيهم؟”

“أيوه.”

“وقالوا إيه؟”

“قالوا إنهم مش عايزين مشاكل.”

“أنا مش عايز مشاكل.”

“هم مش مصدقين.”

بص لها.

قالت:

“محمود، هما شايفين إنك السبب في كل اللي حصل.”

سكت.

كان زمان ممكن يعترض.

يقول إنهم ظلموه.

يقول إن زوجته هي اللي عصته.

يقول إن الظروف هي السبب.

لكن المرة دي، ما لاقاش كلام.

لأن الحقيقة كانت واضحة.

هو اللي قال:

“مش هطلقها.”

وهو اللي سافر.

وهو اللي اختفى.

وهو اللي ما سألش.

وهو اللي افترض إنها هتفضل مكانها.

وفي اليوم التالي، راح بيت أهلها.

والدها فتح له الباب.

أول ما شافه، وقف ثواني من غير كلام.

محمود قال:

“السلام عليكم.”

رد الرجل:

“وعليكم السلام.”

دخل.

قعد.

والدها قعد قدامه.

ما كانش فيه ترحيب.

ولا غضب.

بس كان فيه هدوء غريب.

قال محمود:

“أنا جيت أسأل عن اللي حصل.”

والدها قال:

“إنت عارف اللي حصل.”

“أنا ما كنتش عارف إنها خلعت.”

الرجل بص له طويلًا.

وقال:

“إحنا حاولنا نوصلك.”

“إمتى؟”

“بعد ما بنتي بدأت إجراءات الخلع.”

“إزاي؟”

“اتصلنا بأخوك.”

“أخويا ما قالليش.”

“وبعتنا لك رسالة.”

محمود أخرج موبايله.

بدأ يفتكر.

كان فعلاً فيه رقم مصري قديم بعت له رسائل وقتها.

لكن هو ما فتحهاش.

لأنه كان مشغول.

ولأنه كان شايف إن أهلها أكيد بيحاولوا يضغطوا عليه.

والرسالة اللي كان ممكن تغيّر حياته، كانت موجودة.

لكنه لم يقرأها.

قال:

“يعني أنا كنت ممكن أعرف؟”

والدها رد:

“أيوه.”

سكت.

ثم قال:

“طب هي… كانت عايزة تخلع ليه؟”

الرجل بص له باستغراب.

“إنت بتسأل بجد؟”

محمود هز رأسه.

والدها قال:

“بنتي استنتك سنة كاملة.”

سكت.

“سنة كاملة وهي بتطلب منك ترجع أو تطلقها.”

سكت.

“وأنت كنت كل مرة تقول لها تستنى.”

سكت.

“وبعدين قالت لك إنها مش عايزة تكمل.”

سكت.

“وأنت قلت لها: مش هطلقك.”

محمود نزل عينيه.

قال والدها:

“هي ما كانتش عايزة تكرهك.”

“طب ليه ما قالتليش؟”

“قالت لك.”

“لا… أقصد بعد الخلع.”

“كانت خايفة منك.”

رفع محمود رأسه.

“خايفة مني؟”

“مش بمعنى إنك هتضربها.”

سكت الأب لحظة.

“كانت خايفة إنك تستخدم أي طريقة علشان تعطل حياتها.”

الجملة وجعته.

لأنها كانت نفس الفكرة اللي كان يتفاخر بيها.

هو فعلًا كان يريد تعطيل حياتها.

قال:

“طب هي اتجوزت إمتى؟”

“بعد الخلع بمدة.”

“مين خالد؟”

والدها ابتسم ابتسامة بسيطة.

“راجل جه من الباب.”

سكت محمود.

“يعني إيه؟”

“يعني لما عرف إنها مطلقة، جه واتقدم رسمي.”

“كان يعرفها قبل كده؟”

“لا.”

محمود اتفاجئ.

“يعني ما كانش يعرفها؟”

“ولا شافها غير لما جه يتقدم.”

سكت محمود.

والدها كمل:

“سألنا عليه كويس.”

“واتجوزها.”

“أيوه.”

“وبعدين سافرت معاه؟”

“أيوه.”

“قطر؟”

“أيوه.”

“وهي… سعيدة؟”

والدها قال:

“الحمد لله.”

كلمة واحدة.

لكنها كانت كافية.

خرج محمود من البيت وهو حاسس إنه أصغر من نفسه.

مشى في الشارع من غير هدف.

كل مكان حواليه كان بيفكره بحاجة.

المحل اللي كان بيشتري منه حاجات البيت.

المقهى اللي كان بيقعد فيه.

الشارع اللي كانت بتمشي فيه معاه.

لكن أكثر شيء كان يوجعه هو إنه اكتشف إن الحياة لم تكن متوقفة عليه.

رجع لأخته في المساء.

قالت له:

“عرفت؟”

قال:

“أيوه.”

“وهتعمل إيه؟”

قال:

“ولا حاجة.”

بصت له باستغراب.

“ولا حاجة؟”

“هي عايشة حياتها.”

“أيوه.”

“يبقى أنا ماليش حق أخربها.”

أخته سكتت.

ثم قالت:

“إنت اتغيرت.”

رد:

“متأخر.”

مرت أيام.

ومحمود كان بيحاول ينسى الموضوع.

لكن الفضول كان أقوى منه.

في يوم، وهو قاعد مع أخته، قال:

“هي عندها أولاد كام سنة؟”

أخته ردت:

“مش عارفة.”

“اسألي أهلها.”

“ليه؟”

“عايز أعرف.”

“محمود…”

“مش هكلمها.”

سكتت.

وبعد ساعات، عرفت له معلومة بسيطة.

الولد عنده ثلاث سنين.

والبنت سنة ونصف تقريبًا.

محمود حسب السنوات.

الخلع من أربع سنين.

الجواز بعدها.

ثم السفر.

ثم الولد.

ثم البنت.

بدأ يتخيل بيتًا بعيدًا.

امرأة كان يعرفها يومًا.

رجل آخر يناديها زوجتي.

طفلان يناديانها أمي.

وهو؟

مجرد اسم قديم في ورق قديم.

ولأول مرة، شعر بالغيرة.

لكن الغيرة دي كانت مختلفة.

ما كانتش غيرة رجل يريد استعادة زوجته.

كانت غيرة إنسان اكتشف إن الشخص اللي كان متأكد إنه مش هيقدر يعيش من غيره عاش فعلًا.

وبعد أيام، حصل شيء ما كانش متوقعه.

محمود كان في بيت أخته، لما رن هاتفه.

رقم دولي.

رد.

جاءه صوت رجل:

“السلام عليكم.”

“وعليكم السلام.”

“أنا خالد.”

سكت محمود.

عرف فورًا.

“خالد؟”

“أيوه.”

محمود قام من مكانه.

أخته بصت له.

خالد قال:

“أنا عرفت إنك رجعت مصر.”

محمود قال:

“إنت عرفت منين؟”

“من أهلها.”

سكت.

ثم قال خالد:

“أنا مش بتصل علشان أعمل مشكلة.”

“أمال بتتصل ليه؟”

“علشان أقول لك حاجة.”

“قول.”

“هي ما تعرفش إنك رجعت.”

سكت محمود.

“وأنا مش ناوي أقول لها.”

محمود تنفس براحة غريبة.

ثم قال:

“طب ليه اتصلت؟”

خالد قال:

“لأن في حاجة لازم تعرفها.”

“إيه؟”

“هي لحد دلوقتي فاكرة إنك عارف بكل اللي حصل.”

“يعني إيه؟”

“فاكرة إن أهلك بلغوك.”

محمود سكت.

خالد كمل:

“هي عمرها ما سألت عنك.”

الكلمة وجعته.

لكن خالد قال بعدها:

“مش لأنها بتكرهك.”

محمود عقد حاجبيه.

“أمال؟”

“لأنها قررت تقفل الصفحة.”

سكت طويلًا.

“هي قالت لي يوم ما اتجوزنا إنها مش عايزة تعرف أي حاجة عن الماضي.”

محمود قال:

“إنت بتحبها؟”

خالد رد من غير تردد:

“طبعًا.”

ثم قال:

“ودي مش حاجة أنا هتكلم عنها معاك.”

محمود سكت.

خالد تابع:

“أنا اتجوزتها وهي مطلقة. ما كانش ليا فضل عليها. ولا أنا أنقذتها من حد. هي كانت صاحبة قرارها.”

ثم قال:

“ولو إنت عايز تعرف الحقيقة، اسأل نفسك الأول ليه إنت محتاج تعرف.”

محمود ما ردش.

خالد قال:

“أنا مش خايف منك.”

“ولا أنا عايز أعمل لك حاجة.”

“أنا عارف.”

“طب ليه بتكلمني؟”

“علشان أقول لك إن فيه حياة كاملة هنا.”

“يعني؟”

“يعني لو رجعت للماضي، ممكن تجرح ناس مالهاش ذنب.”

ثم أغلق الهاتف.

محمود فضل واقف مكانه.

أخته قالت:

“ده خالد؟”

هز رأسه.

“قالك إيه؟”

“قال لي حاجة مهمة.”

“إيه؟”

محمود بص لها وقال:

“قال إن فيه حياة كاملة هنا.”

وبعد أسبوع، محمود قرر يرجع السعودية.

لكن قبل السفر، راح مرة أخيرة لبيت أهل زوجته السابقة.

قابل والدها.

وقال:

“أنا مش جاي أطلب حاجة.”

الرجل سكت.

“أنا بس عايز أقول لك إني آسف.”

والدها قال:

“على إيه؟”

محمود ابتسم بحزن.

“على حاجات كتير.”

“قول لبنتي؟”

هز رأسه.

“لا.”

والدها استغرب.

“ليه؟”

قال:

“لأنها خلاص عاشت.”

ثم قام.

وقبل ما يخرج، والدها ناداه:

“محمود.”

لف.

قال له:

“إنت كنت تقدر تنهي كل ده من أول يوم.”

محمود قال:

“عارف.”

“وكان ممكن تكون حياتكم غير كده.”

“عارف.”

“بس الإنسان مش بيتعلم غير لما يخسر.”

محمود قال:

“أنا خسرت من زمان.”

ثم خرج.

لكن قبل ما يوصل المطار، جاله اتصال من أخته.

“محمود.”

“أيوه.”

“في حاجة حصلت.”

“إيه؟”

“أهلها اتصلوا.”

“ليه؟”

“قالوا إن خالد وأخته نازلين مصر.”

“ليه؟”

“عندهم مناسبة عائلية.”

سكت.

ثم قال:

“وهي جاية؟”

“أيوه.”

قلبه دق بسرعة.

“جاية مصر؟”

“أيوه.”

لأول مرة منذ أربع سنوات، كان احتمال إنه يشوفها قدامه.

قال:

“فين؟”

أخته قالت المكان.

محمود كان في المطار.

بص إلى شاشة الرحلات.

الطائرة لسه قدامها وقت.

قعد.

فضل يسأل نفسه:

هل يروح؟

هل يشوفها؟

هل يقول لها إنه عرف الحقيقة؟

هل يعتذر؟

ولا الأفضل يختفي؟

وفي النهاية، قرر إنه مش هيروح.

لكن القدر كان له رأي تاني.

في نفس اليوم، أخته اتصلت به.

قالت:

“محمود…”

“نعم؟”

“هي شافتك.”

سكت.

“إيه؟”

“كانت خارجة من بيت أهلها.”

“وشافتني؟”

“أيوه.”

“إزاي؟”

“كانت العربية معدية قدامك.”

سكت.

“عرفتني؟”

أخته قالت:

“أيوه.”

محمود حس قلبه وقف.

“قالت إيه؟”

أخته ردت:

“ولا حاجة.”

“ولا حاجة؟”

“بس فضلت تبص.”

محمود غمض عينيه.

ثم سأل:

“كانت عاملة إزاي؟”

أخته ابتسمت.

“شكلها مرتاح.”

الجملة كانت كافية.

لأن محمود فهم أخيرًا.

هو كان يتمنى طوال أربع سنين إن الزمن يقف.

لكن الزمن لم يقف.

وهي لم تنتظره.

وفي صباح اليوم التالي، سافر محمود إلى السعودية.

لم يحاول الوصول إليها.

لم يتصل بها.

لم يطلب منها شيئًا.

ومرت شهور.

بدأ حياته من جديد.

اشتغل.

ادخر.

انتقل إلى بيت أصغر.

وبدأ يتغير.

في يوم من الأيام، أخته اتصلت به.

قالت:

“محمود.”

“أيوه.”

“خالد بعت لك رسالة.”

اتوتر.

“ليه؟”

“بيقول لك إن الولد تعبان شوية، وهما في المستشفى.”

محمود سكت.

ثم قال:

“هو كويس؟”

“قال إن شاء الله.”

“طب ليه بعت لي؟”

“بيقول إن الطفل كان بيسأل عن اسم العيلة، وهو حكى له إن ليه خال بعيد في مصر.”

محمود استغرب.

“خال؟”

“أيوه.”

ثم قالت:

“وقال إن الطفل قال له: نفسي أشوفه.”

محمود ضحك بحزن.

“هو يعرفني؟”

“لا.”

“طب ليه؟”

“يمكن لأنه سمع عنك.”

سكت محمود.

ثم قال:

“قولي لخالد ربنا يشفيه.”

وبعدها بأيام، جاله اتصال من خالد.

قال:

“الولد بقى كويس.”

“الحمد لله.”

“أنا اتصلت علشان أشكرك.”

“على إيه؟”

“علشان ردك.”

“أنا ما عملتش حاجة.”

“بس ما حاولتش تدخل.”

محمود قال:

“أنا فهمت متأخر.”

“فهمت إيه؟”

“إن مش كل حاجة أقدر أرجع أصلحها.”

خالد سكت.

ثم قال:

“دي أكتر حاجة ناضجة قلتها من يوم عرفتك.”

ضحك محمود.

كانت أول مرة يتكلم فيها مع الرجل من غير غضب.

وبعد المكالمة دي، انقطعت الأخبار.

مرت سنة.

ثم سنتان.

محمود اتجوز مرة تانية.

لكن المرة دي، قبل ما يتقدم، كان عنده شرط واحد.

قال لوالد البنت:

“أنا مش هطلب منها تسيب حياتها علشان ترضيني.”

كان عايز يبدأ من جديد بشكل مختلف.

كان عارف إن الإنسان ممكن يظلم غيره وهو مقتنع إنه بيحافظ على حقه.

وفي يوم كتب كتابه، افتكر جملته القديمة:

“أنا مش هطلقها.”

ضحك بينه وبين نفسه.

لأن الكلمة اللي كان شايفها دليل قوة، بقت بالنسبة له أكبر درس في حياته.

وفي نفس الوقت، كانت زوجته السابقة في قطر، بتجهز لأولادها علشان يروحوا المدرسة.

ابنها كان ماسك شنطته.

والبنت واقفة جنبها.

خالد دخل البيت وقال:

“جاهزين؟”

الولد جري عليه.

“بابا!”

حمله.

والبنت ضحكت.

المرأة وقفت عند باب البيت، وبصت عليهم.

ابتسمت.

خالد قرب منها وقال:

“مالك؟”

قالت:

“ولا حاجة.”

“سرحانة؟”

هزت رأسها.

“افتكرت حاجة قديمة.”

“وحشة؟”

قالت:

“لا.”

سألها:

“يبقى ليه سرحانة؟”

ابتسمت وقالت:

“علشان أفتكر قد إيه ربنا بيخرجنا من حاجات كنا فاكرين إن نهايتنا فيها.”

خالد سكت.

ثم قال:

“الحمد لله.”

وخرجوا.

بعدها بسنين، كبر الأولاد.

والحياة بقت أهدى.

أما محمود، فكان كل فترة يفتكر القصة دي.

لكن المرة دي، ما كانش بيفتكر زوجته السابقة.

كان بيفتكر نفسه.

الشاب اللي كان مقتنع إن من حقه يمنع امرأة من الحياة لمجرد إنه قادر.

وكان فاكر إن رفض الطلاق معناه إنه امتلك مستقبلها.

لكن الحقيقة كانت أبسط من كده.

الناس مش أبواب بنقفلها ونحتفظ بالمفتاح.

ولا أعمار الآخرين ملك لحد.

وفي آخر مرة حكى فيها قصته لأخته، قالت له:

“لو رجع بيك الزمن، كنت هتعمل إيه؟”

سكت محمود طويلًا.

وقال:

“كنت هطلقها من أول ما طلبت.”

“ليه؟”

“علشان لو ما قدرتش أكون زوج كويس، على الأقل ما كنتش أبقى سبب في تعطيل حياتها.”

أخته قالت:

“وتفتكر كانت هتفضل معاك؟”

هز رأسه.

“مش عارف.”

“طب كنت هتندم؟”

قال:

“يمكن.”

ثم ابتسم.

“بس كان هيبقى ندم أخف من إني أعرف بعد سنين إني ضيعت وقت إنسانة كاملة علشان أثبت لنفسي إني أقدر أتحكم فيها.”

وسكت.

ثم أضاف:

“أصعب حاجة مش إنك تخسر شخص.”

“أمال إيه؟”

قال:

“إنك تكتشف إن الشخص ده كمل حياته من غيرك، وإنك أنت اللي كنت واقف مكانك.”

انتهت الحكاية بالنسبة لمحمود.

لكن في مكان آخر، كانت حياة جديدة بتكبر يومًا بعد يوم.

ولد وبنت.

أب وأم.

بيت مليان ضحك.

وذكريات قديمة اتقفلت من غير كراهية.

أما الرجل الذي قال يومًا:

“خليها معلقة عشر سنين.”

فقد فهم بعد سنوات أن الإنسان قد يظن أنه يمسك حياة غيره بيده، بينما هو في الحقيقة لا يمسك إلا قرارًا واحدًا من قراراته هو.

قرار أن يكون رحيمًا أو قاسيًا.

وأن يترك أثرًا طيبًا أو جرحًا طويلًا.

وأن ينهي علاقة باحترام، أو يحولها إلى معركة لا رابح فيها.

وفي النهاية، لم تكن المحكمة هي التي هزمته.

ولم يكن الزوج الجديد هو الذي هزمه.

ولم تكن السنوات هي التي انتصرت عليه.

الذي هزمه فعلًا كان اكتشافه لنفسه بعد فوات الوقت.

فهو لم يخسر زوجته يوم تزوجت من غيره.

هو خسرها يوم قالت له للمرة الأخيرة:

“أنا عايزة أعيش بالحلال.”

وهو اختار وقتها أن يقول:

“استني.”

فانتظرت سنة.

ثم قررت أن تكمل حياتها.

ومن يومها، لم تعد تنتظر أحدًا.

أما هو، فظل أربع سنوات ينتظر أن يعود الزمن إلى الوراء.

والزمن عمره ما بيرجع.

وفي آخر ليلة قبل ما ينام، فتح محمود موبايله، ومسح آخر صورة قديمة كانت عنده.

لم يمسحها غضبًا.

ولا كراهية.

مسحها لأنه أخيرًا فهم أنها لم تعد تخص حياته.

وقال لنفسه:

“ربنا يسعدها.”

وبعدها قفل الموبايل.

ولأول مرة من أربع سنين…

نام مرتاح.

أكيد، دي خاتمة طويلة ومتصلة بالأحداث، وفيها قفلة نهائية للقصة:

مرت شهور بعد آخر مرة محمود سأل فيها عن طليقته، ومع الوقت بدأ يحس إن الحكاية فعلًا انتهت.

مش لأنه نسيها.

ولا لأنه بطل يفتكر الأيام اللي عاشوها سوا.

لكن لأنه أخيرًا فهم إن فيه فرق كبير بين إنك تفتكر إنسان، وبين إنك تحاول ترجع لحياته بعد ما بقى له حياة تانية.

كان كل ما يفتكر الجملة اللي قالها زمان:

“أنا مش هطلقها… خليها معلقة عشر سنين.”

كان يحس بقشعريرة.

زمان قالها وهو واثق من نفسه.

كان فاكر إن الطلاق ورقة في إيده، وإن مجرد رفضه يخليها واقفة مكانها.

لكن السنين أثبتت له إن الورقة اللي كان فاكر إنها سلاحه، ما كانتش أقوى من إرادة إنسانة قررت تدافع عن حقها وتبدأ من جديد.

وفي يوم، محمود كان قاعد في شقته في السعودية، لما أخته اتصلت به.

قالت:

“محمود، عندي خبر.”

قال:

“خير؟”

قالت:

“خالد ومراته والأولاد نازلين مصر.”

سكت محمود.

أخته كملت:

“هي هتقعد كام يوم عند أهلها.”

محمود حس قلبه دق.

لكنه هذه المرة لم يسأل عن الموعد.

ولم يسأل عن العنوان.

ولم يقل لها إنه يريد أن يراها.

اكتفى بأنه قال:

“ربنا يوصلهم بالسلامة.”

أخته استغربت.

قالت:

“مش عايز تعرف أكتر؟”

رد:

“لأ.”

“ليه؟”

قال:

“لأن المرة دي أنا عايز أسيبها تعيش حياتها من غير ما أحاول أدخل فيها.”

سكتت أخته.

ثم قالت:

“إنت فعلًا اتغيرت.”

ضحك وقال:

“اتأخرت.”

وبعدها بأيام، نزل محمود مصر لقضاء إجازة قصيرة.

لم يكن يعرف أن الصدفة ستجمعه بها مرة أخرى.

كان خارج من أحد المحلات، ماسك كيسًا في إيده، ولما رفع عينه وجدها واقفة على الرصيف المقابل.

اتجمد مكانه.

هي أيضًا شافته.

ثواني قليلة.

لكنها كانت كأنها أربع سنين كاملة واقفة بينهم.

كانت مختلفة.

ملامحها أهدى.

وشها فيه راحة.

وفي إيدها الصغيرة كانت ماسكة يد بنتها.

أما الولد فكان واقف جنب خالد.

خالد لاحظ محمود.

بص له.

ثم بص لزوجته.

هي لم تتحرك.

ولا محمود تحرك.

كان ممكن في لحظة واحدة أن تبدأ مشكلة.

كان ممكن أن يقترب.

كان ممكن يسألها عن حياتها.

عن أولادها.

عن السنين اللي فاتت.

كان ممكن يقول لها إنه ندم.

وكان ممكن هي تقول له كلامًا لم يقله أحد من قبل.

لكن محمود اكتفى بأنه وقف مكانه.

ثم ابتسم ابتسامة بسيطة.

هي فهمت.

وردت بابتسامة صغيرة.

وبعدين خالد حرك إيده لها.

فاتجهت معه.

قبل ما تمشي، بصت لمحمود مرة أخيرة.

محمود حرك رأسه في سلام.

وهي ردت بنفس الحركة.

ثم اختفت وسط الناس.

فضل واقف مكانه.

لكن المرة دي ما كانش حزين.

ولا غاضب.

ولا نادم بنفس الطريقة القديمة.

كان يشعر بحاجة أقرب إلى الراحة.

لأنه شاف بعينيه إنها بخير.

وإنه فعل الشيء الصحيح لما اختار ألا يقتحم حياتها.

رجع البيت.

أخته كانت هناك.

أول ما شافته قالت:

“قابلتها؟”

سكت.

عرفت من عينيه.

قالت:

“كانت عاملة إزاي؟”

ابتسم.

“مبسوطة.”

“وأنت؟”

قال:

“ارتحت.”

جلست أخته جنبه.

وقالت:

“كنت نفسك تكلمها؟”

هز رأسه.

“زمان كنت هحاول.”

“ودلوقتي؟”

“دلوقتي عرفت إن مش كل باب اتقفل لازم نفتحه.”

سكتت أخته.

ثم قالت:

“وهي شافتك؟”

“أيوه.”

“قالت حاجة؟”

“ولا كلمة.”

“وإنت؟”

“ولا كلمة.”

ضحكت أخته.

“أربع سنين من الكلام والندم، وفي الآخر ولا

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى