
«بابا هو إحنا لبسنا هدوم غلط؟» همست بنتي وهي بتلم ألوانها وتحطها في العلبة بعدما مديرة النادي حاولت تطردنا من الترابيزة رقم سبعتاشر. الترابيزة دي كانت ترابيزة مامتها قبل ما المرض ياخدها مننا. وأنا ما كنتش هسمح لحد يبوّظ علينا ذكرى زي دي. ما عليتش صوتي وما عملتش خناقة. كل اللي عملته إني طلعت موبايلي وبعت رسالة لمحامي الشركة:
«تعالى على مطعم حمام السباحة. في حاجة لازم تشوفها بنفسك.»
الجزء الأول
الترابيزة اللي كانوا محتاجينها
المديرة استنت لحد ما بنتي فتحت علبة الألوان بتاعتها وبعدين قالت لنا إن لازم نمشي.
بصت لها مريم وبعدين بصت على الأوفرول بتاعها اللي كان عليه آثار ألوان.
وقالت بصوت واطي:
«بابا هو إحنا لبسنا هدوم غلط؟»
كنا قضينا نص اليوم بنساعد أسرة بسيطة في منطقتنا ندهّن بيتهم.
وقبل ما ندخل نادي النخيل في التجمع الخامس أنا نضفت الطين من على جزمة الشغل بتاعتي وغسلت إيدين مريم في العربية بزجاجة مية.
جاكيتي كان قديم ولونه باهت.
والأوفرول بتاع مريم كان عليه بقعة لون أصفر عند ركبتها.
لكن هدومنا كانت نضيفة.
وكان معانا حجز.
وأنا كنت واعد بنتي إننا هنتعشى على الترابيزة رقم سبعتاشر.
ترابيزة مامتها.
مامتها سارة كانت مسؤولة عن تنظيم الحفلات والمناسبات في النادي ده لمدة ست سنين قبل ما المرض ياخدها مننا من سنتين.
وكان كل ما أخلص شغلي في موقع بناء وأروح لها على طول وهي تشوفني هدومي عليها تراب وشغل كانت بتقعدنا جنب حمام السباحة.
وكانت دايمًا تقول لمريم:
«الفراخ الأول يا حبيبتي وبعدها آيس كريم فانيليا.»
إحنا ما رجعناش النادي من يوم العزاء.
لكن النهارده قررت أخد مريم وأرجع بيها للمكان اللي كانت مامتها بتحبه.
أول ما وصلنا عند الاستقبال كانت نجلاء واقفة هناك.
أول ما شافت مريم عرفتها على طول.
وقالت لها بابتسامة:
«إنتي كبرتي أوي يا مريم.»
مريم ابتسمت ورفعت سبع صوابع قدامها بفخر.
ولما سألت نجلاء عن الترابيزة رقم سبعتاشر اتغيرت ملامحها وبان عليها التأثر.
وقالت لي:
«أنا خليتها ليكم أول ما شفت الحجز يا أستاذ كريم.»
قعدتنا على الترابيزة.
وأخدت طلب الأكل.
وبعدين رجعت جابت لمريم منديل زيادة عشان تستخدمه وهي بتلوّن.
كل حاجة كانت ماشية بهدوء.
لحد ما المديرة ظهرت.
كان اسمها مكتوب على الكارنيه:
باتريشيا ستون.
لكن اسمها الحقيقي كان سهير منصور.
كانت مديرة النادي.
وقفت قدامنا وقالت:
«للأسف حصل خطأ في الحجز.»
بصيت لها باستغراب وقلت:
«خطأ إزاي؟»
قالت:
«المنطقة دي مخصصة للأعضاء المميزين.»
رديت عليها بهدوء:
«الحجز بتاعنا شامل المنطقة دي.»
بصت على جاكيتي من فوق لتحت.
وبعدين قالت:
«إحنا كمان عندنا قواعد معينة خاصة بالمظهر العام.»
بصيت ناحية المكان اللي كانت بتتكلم عنه.
لقيت راجل قاعد على ترابيزة قريبة ولابس جزمة جولف عليها طين ورمل وحاطط رجليه قدامه.
سهير كانت معدية من جنبه من شوية وما قالتلوش ولا كلمة.
رجعت بصيت لها وقلت:
«ممكن أشوف القاعدة المكتوبة اللي بتتكلمي عنها؟»
ابتسامتها اختفت شوية وقالت:
«ممكن يكون الأفضل إنكم تاخدوا الأكل معاكم.»
سكت لحظة وبعدين سألتها:
«يعني إيه؟»
قالت:
«أعتقد إن الأكل الجاهز هيكون أنسب ليكم.»
في اللحظة دي مريم بصت لها.
وبعدين بصت لي.
وبدأت تجمع ألوانها وتحطها في العلبة.
وقالت بصوت مكسور:
«بابا هو إحنا لازم نمشي؟»
قلبي وجعني وأنا شايفها بتحاول تخبي إحراجها.
حطيت إيدي بهدوء فوق إيدها وقلت لها:
«لأ يا حبيبتي.»
وبعدين قلت:
«إنتي ما عملتيش أي حاجة غلط.»
سهير قربت مني شوية وقالت بصوت واطي:
«في مطعم ماكدونالدز بعد إشارتين من هنا. بنتك ممكن تكون مرتاحة أكتر هناك.»
بصيت لها ثواني.
ما رديتش.
مريم بدأت تلم ألوانها تاني.
فقلت لها:
«ما تحطيش الألوان يا حبيبتي.»
وقلت لها:
«إحنا مش هنمشي.»
وبعدين طلعت موبايلي من جيبي.
فتحت رسالة كان باعتها لي صاحبي ومحامي الشركة محمود الشامي العصر.
كان كاتب:
«أنا ورانيا موجودين في المكتب اللي فوق وبنراجع الشكوى. لو احتجتنا كلمني.»
بصيت ناحية سهير.
وبعدين كتبت لمحمود:
«تعالى على مطعم حمام السباحة.»
وبعدها كتبت:
«الترابيزة رقم سبعتاشر.»
وبعدين أضفت:
«في حاجة لازم تشوفها بنفسك.»
وضغطت إرسال.
رجعت حطيت الموبايل على الترابيزة.
مريم كانت لسه ماسكة ألوانها وبتبص لي وهي مش فاهمة ليه أنا هادي بالشكل ده.
ابتسمت لها وقلت:
«خليكي قاعدة يا حبيبتي.»
وبعدين بصيت لسهير وقلت:
«إحنا هنستنى هنا.»
ولأول مرة من وقت ما وصلت حسيت إن ملامحها اتغيرت.
كأنها بدأت تحس إن الموضوع مش هينتهي بمجرد إننا نقوم ونمشي.
مريم كانت بتبص لي وهي مش فاهمة ليه أنا مصر أقعد.
مديت إيدي وخدت منها علبة الألوان وحطيتها قدامها.
قلت لها بهدوء:
“افتحيها يا حبيبتي.”
فتحتها.
“ولوني.”
هزت راسها وقالت:
“بس هي قالت إننا لازم نمشي.”
ابتسمت لها وقلت:
“هي قالت رأيها يا مريم… وإحنا لينا حجز، وماما كانت بتحب الترابيزة دي، وإحنا جايين نقضي وقت حلو.”
بصت ناحية سهير.
كانت واقفة مكانها ووشها متوتر.
قالت:
“أستاذ كريم، أنا مش قصدي أضايق بنتك.”
رديت بهدوء:
“وأنا مش بتهمك إنك قصدتي تضايقيها.”
“أمال؟”
“أنا بس عايز أفهم القاعدة.”
سكتت.
في اللحظة دي جه جرسون صغير في السن، وكان واضح عليه التوتر.
قال لها:
“مدام سهير، الطلب بتاع الترابيزة سبعتاشر اتسجل.”
بصت له بضيق وقالت:
“أنا هتعامل مع الموضوع.”
مشيت خطوتين بعيد عننا.
مريم كانت بتلون وردة كبيرة باللون الأحمر.
قلت لها:
“إنتي فاكرة ماما كانت بتحب إيه هنا؟”
رفعت عينيها وقالت:
“كانت بتحب الآيس كريم.”
ضحكت.
“بس؟”
فكرت شوية.
“وكانت بتقعد هنا وتقول إن الترابيزة دي بتشوف حمام السباحة كله.”
بصيت للمكان حواليّ.
فعلاً.
الترابيزة رقم سبعتاشر كانت في ركن هادي، جنب سور زجاجي بيبص على حمام السباحة، وفي الناحية التانية أشجار زرعها النادي من سنين.
سارة كانت بتحب المكان ده.
كانت بتقول إن الشغل بيخلي الواحد يشوف ناس كتير، لكن أكتر حاجة بتحبها هي الأماكن اللي بتفضل زي ما هي رغم إن الناس بتتغير.
سارة اتغيرت.
النادي اتغير.
حتى مريم كبرت.
لكن الترابيزة فضلت مكانها.
أو على الأقل أنا كنت فاكر إنها فضلت مكانها.
بعد حوالي عشر دقايق، محمود دخل المطعم.
كان لابس بدلته، وراه رانيا مديرة الشؤون القانونية في الشركة.
أول ما شافني بص على الترابيزة وبعدين على سهير.
قال:
“خير يا كريم؟”
قومت سلمت عليه.
“تعالى اقعد.”
قعد جنبي.
رانيا قعدت الناحية التانية.
سهير أول ما شافتهم قربت بسرعة.
قالت:
“أستاذ محمود، أنا آسفة إن الموضوع وصلك بالشكل ده.”
محمود بص لها وقال:
“موضوع إيه؟”
قالت:
“مجرد سوء تفاهم مع الأستاذ كريم.”
أنا ما اتكلمتش.
محمود بص لي.
قلت:
“هي طلبت مننا نمشي.”
رانيا سألت:
“ليه؟”
سهير ردت:
“الترابيزة دي مخصصة لأعضاء معينين.”
محمود سأل:
“والحجز؟”
قالت:
“حصل خطأ في النظام.”
محمود ابتسم ابتسامة صغيرة.
“غريبة.”
سهير اتوترت.
قال:
“إيه الغريب؟”
محمود حط ملف صغير على الترابيزة.
وقال:
“إن النظام الإلكتروني للنادي هو نفسه النظام اللي شركتنا مسؤولة عن صيانته.”
سهير بصت للملف.
وبعدين بصت لي.
لأول مرة وشها فقد لونه.
رانيا فتحت الملف.
قالت:
“والأغرب إن الحجز اتعمل من أسبوع، واتأكد مرتين.”
سهير قالت:
“ممكن يكون حصل تعديل بعد كده.”
محمود هز راسه.
“ممكن.”
وسكت.
وبعدين قال:
“بس التعديل مش ظاهر عندنا.”
سهير حاولت تضحك.
“يمكن مشكلة تقنية.”
محمود قال:
“عشان كده أنا جيت.”
مريم كانت قاعدة ساكتة.
أنا حسيت إن الكلام بدأ يكبر أكتر من اللازم.
فبصيت لمحمود وقلت:
“أنا ما طلبتش منك تيجي عشان الحجز.”
رانيا سألت:
“أمال عشان إيه؟”
بصيت لمريم.
كانت بتلون رسمة فيها ست أشخاص.
أنا.
هي.
ومامتها.
وتلاتة أشخاص مش عارف مين هما.
قلت:
“عشان بنتي اتقال لها إن هدومها مش مناسبة.”
رانيا بصت لمريم.
وبعدين بصت لي.
“قالوا كده؟”
هزيت راسي.
سهير قالت بسرعة:
“أنا ما قلتش إن هدومها مش مناسبة بالشكل ده.”
قلت:
“قلتي إن عندكم قواعد للمظهر العام.”
قالت:
“وده صحيح.”
رانيا فتحت موبايلها.
“فين القاعدة؟”
سهير سكتت.
رانيا كملت:
“لأن لائحة النادي اللي عندنا ما فيهاش أي منع للأوفرول أو ملابس العمل النظيفة.”
سهير قالت:
“في تعليمات داخلية.”
رانيا:
“مين أصدرها؟”
سكتت.
محمود بص لي وقال:
“كريم، إنت متأكد إنك عايز تكمل؟”
بصيت لمريم.
كان عندي سبب واحد.
مش عايز بنتي تكبر وهي فاكرة إن قيمة الإنسان في هدومه.
قلت:
“أيوه.”
مريم فجأة رفعت راسها.
وقالت:
“بابا…”
“نعم يا حبيبتي؟”
“هو ماما كانت بتيجي هنا بلبس الشغل؟”
سكت.
سهير بصت لمريم.
مريم كملت:
“ماما كانت بتشتغل هنا؟”
قلت:
“أيوه.”
“وكانت بتلبس إيه؟”
ابتسمت رغم الوجع.
“كانت بتلبس أي حاجة تساعدها تشتغل.”
مريم ابتسمت.
وقالت:
“يعني ممكن تكون لبست زيي؟”
قلت:
“أكتر من مرة.”
سهير قالت فجأة:
“سارة عمرها ما كانت بتيجي هنا بالشكل ده.”
بصيت لها.
“إنتي تعرفي سارة؟”
سكتت.
مريم بطلت تلوين.
“إنتي تعرفي ماما؟”
سهير ما ردتش.
محمود بص لي.
رانيا بصت لسهير.
المكان كله سكت.
أنا سألت:
“إنتي تعرفي مراتي؟”
قالت:
“كانت موظفة هنا.”
“أنا عارف.”
“كانت بتشتغل معانا.”
“أنا عارف.”
“وكانت…”
سكتت.
قلت:
“كانت إيه؟”
سهير بصت ناحية حمام السباحة.
وقالت:
“كانت أقرب واحدة لمدير النادي القديم.”
قلبي اتقبض.
“يعني إيه؟”
ردت بسرعة:
“مش قصدي حاجة.”
قلت:
“أمال قصدك إيه؟”
“كانت مسؤولة عن حاجات كتير.”
“ده أنا عارفه.”
“وكانت بتدخل أماكن كتير محدش كان بيدخلها.”
محمود قال:
“زي إيه؟”
سهير ما ردتش.
رانيا قفلت الملف.
وقالت:
“واضح إن فيه حاجة أكبر من موضوع الترابيزة.”
سهير بصت لها.
“مفيش.”
محمود رد:
“لو مفيش، يبقى مفيش سبب يخليكي متوترة.”
في اللحظة دي جالنا واحد من إدارة الأمن.
كان اسمه فؤاد.
قرب من سهير وهمس لها.
لكن صوته وصل لنا:
“مدام سهير، الناس اللي في الاستقبال بيسألوا عن حضرتك.”
سهير قالت:
“قول لهم أنا مشغولة.”
فؤاد بص لي.
وبعدين لمحمود.
وفجأة اتغيرت ملامحه.



