روايات وقصص

رجعت البلد ساندي احمد

دخلتُ، ورأيتُ بأم عيني ما فعلته بفلوسنا: أثاث فاخر، تلفاز ضخم، أجهزة حديثة في كل ركن، وطفلها يلعب بألعاب باهظة الثمن على الأرض. جلستُ على الكنبة دون أن أنزع معطفي، وقلتُ ببرود لم أتخيل أنني أمتلكه:

بيت جميل يا منى.. أكيد الإيجار بتاعه غالي، ولا الحاجات دي كلها هدية من السماء؟

تغيرت ملامح وجهها قليلاً، لكنها حاولت أن تظل هادئة:

إيه يا أخي، جاي بلهجة غريبة؟ الحمد لله، شغلي ساعدني، وزوجي بيجيب ربنا، الحمد لله على كل حال.

والحمد لله.. بس الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، مش الحمد لله على أكل أمك وأنتِ تعيشين في رغد وهي تطلب كيلو رز من دكان الحارة!

صُعقت، واتسعت عيناها:

مين اللي قاللك الكلام الفارغ ده؟ هي أمك بتكبر الموضوع، هي بتمشي على الناس وتقول كلام مش صحيح عشان تشفقهم عليها!

وقفتُ بغضب، ورفعت صوتي لأول مرة في حياتي معها:

تكبر الموضوع؟! جسمها هزيل بالكامل، بيتها مهدد بالسقوط، ديونها تملأ دفتر الحارة، وأنتِ هنا تعيشين كالملكات! سنتين يا منى.. سنتين وأنا كل شهر أحول لكِ ثمانية آلاف جنيه، لم أطلب منكِ حساباً قط، لأنني كنتِ أثق بكِ.. وأنتِ خنتِ ثقتي وخنتِ أمانة أمك التي ربّتنا على الصدق والأمانة!

بدأت تبكي وتتذرع:

أنا آسفة.. ما كانش قصدي.. الظروف كانت صعبة، زوجي ما كانش بيجيب مصاريف، كنتِ مضطرة.. والله كنتِ بدفع لها، بس هي ما كانتش بتاخد.. كنتِ خائفة تقولك إنها محتاجة أكتر فبتقول إنها مش عايزة حاجة!

كذبكِ أصبح بلا معنى يا منى. أمي خافت منكِ إلى أبعد حد، كانت تعيش في قلق منكِ، وأنتِ كنتِ تضغطين عليها بالابتعاد عني كلما طلبت منكِ حقها. أنا جاي لآخذ حقي وحقها.. وأعطيكِ فرصة أخيرة خلال ثلاثة أيام، تُعيدين كل المبالغ التي أخذتيها، وتُعوضين أمي عما فات، وإلا سأذهب للبنك وللمحامي وللناس جميعاً ونكشف حقيقتكِ للجميع.

خرجتُ من بيتها وأنا أرتجف. لم أشعر بالانتصار، بل بخزي عميق.. كيف يمكن لأخت أن تفعل هذا بأمها؟ وأين كان الضمير طوال هذه السنين؟

الجزء الرابع: الحقيقة الكاملة

مرت الأيام ولم تفِ منى بوعدها. بدأت تتهرب مني، وتختلق الأعذار، وحتى الهاتف أصبحت تغلقه في وجهي. علمتُ حينها أنني لا أستطيع التعامل معها وحدي، فاستعنتُ بمحامٍ موثوق، وبدأتُ أجمع الأدلة: إيصالات التحويلات البنكية لمدة سنتين، وشهادة صاحب الدكان، وتقرير طبي بحالة أمي الصحية المتدهورة بسبب سوء التغذية والإهمال.

أثناء تجهيز الأوراق، اكتشفتُ المزيد من الحقائق المرعبة. لم تكن المشكلة في أنها صرفت الفلوس على نفسها فقط.. بل إنها كانت تقترض أيضاً باسم أمي من الناس في الحارة، وتقول لهم أحمد مسافر وسيدفع كل شيء حين يعود، فتراكمت الديون على أمي دون أن تعرف شيئاً!

ذهبتُ للمحامي وقلتُ له بتصميم:

أريد حق أمي كاملاً، ولا أريد أي تسوية خارج المحكمة. إذا كانت تريد المسامحة، فليكن ذلك بعد أن يأخذ القانون مجراه، وبعد أن تعيد كل ما أخذته باهظاً الثمن.

في نفس الوقت، بدأتُ أجهز لبيت أمي. أصلحتُ الباب المكسور، ورممتُ الحيطان، واشتريتُ أثاثاً بسيطاً لكنه مريح، وجهزتُ المطبخ بكل ما تحتاجه. كانت أمي تشاهدني والدموع في عيناها، وتقول لي بضعف:

يا بني، ما يصح تفضح أختك بين الناس.. الناس هتتكلم علينا.

أمسكتُ بيدها وقبلتُها:

أنا مش بفضحها.. هي اللي فضحت نفسها بأفعالها. العدالة مش عيب يا أمي، والحق مش عيب. لما نكون صامتين عن الظلم، نظلم أنفسنا قبل أي حد. أنتِ ربيتني على أن الحق يُقال.. فاسمحي لي أن أكون ابنكِ الذي يقول الحق ولا يخاف في الله لومة لائم.

في اليوم الذي حددته المحكمة، حضرتُ ومعي كل الأدلة. كانت منى هناك، ومعها زوجها، وحاولتِ للمرة الأخيرة أن تبكي وتقول إنها مظلومة، لكن الأدلة كانت أقوى من الدموع المزيفة. التحويلات البنكية تثبت وصول المبالغ لحسابها، وشهود الحارة أخبروا القاضي كيف كانت أمي تعاني بينما منى تعيش في رغد، وحتى جيران منى شهدوا أنها لم تكن تزور أمي إلا نادراً، وتخرج من بيتها بوجه عابس وكأنها مكرهة.

الجزء الخامس: العدالة والدرس الأكبر

صدر الحكم النهائي بعد جلستين:

تُلزم منى بدفع كامل المبالغ التي استلمتها بالإضافة إلى تعويض مالي معنوي ومادي لأمّي، وتسديد جميع الديون التي اقترضتها باسمها بغير علمها.

في حال عدم السداد خلال ستة أشهر، تُباع ممتلكاتها لتسديد الحقوق، مع حكم بالسجن مع وقف التنفيذ لمدة عامين بتهمة الاحتيال واستغلال وضعها.

خرجنا من المحكمة، ونظرتُ إليها لمرة أخيرة قبل أن أتجه بعيداً:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى