روايات وقصص

قبل فرحي حكايات صافي هاني

“وإنتِ كنتِ عايزة تتجوزيني عشان تحمي عيلتك؟”

ميرنا سكتت.

ثم قالت:

“في البداية، أيوه.”

الكلمة نزلت على المكتب كأنها صفعة.

لكنها كملت:

“وبعدها اتعلقت بيك. ما كنتش فاهمة إزاي ممكن راجل يفضل متعلق بواحدة تانية كل السنين دي. كنت فاكرة إن لو قربت منك كفاية، هتختارني.”

حمزة قال:

“وكنتِ عارفة إني هتجوز سارة؟”

“كنت عارفة إنك بتحبها.”

“يبقى ليه؟”

ميرنا بصت له بعينين مليانين دموع مكبوتة.

“لأنك كنت بتقولي إنك مش قادر تعيش من غيرها، وفي نفس الوقت كنت بترجع لي. كنت فاكرة إن ده معناه إنك مش بتحبها بالقدر اللي بتقول عليه.”

حمزة نزل عينه.

ميرنا كملت:

“أنا غلطت، وأنت غلطت. بس ما تحاولش تخلي نفسك الضحية الوحيدة في الحكاية.”

كنت قاعدة ساكتة، بسمع كل كلمة.

ثم سألتها:

“والتسجيل الكامل؟”

ميرنا فتحت شنطتها، وطلعت وحدة تخزين صغيرة.

حطتها على المكتب.

“التسجيل ده فيه آخر كلام دار بين أبويا وأبو حمزة قبل الوفاة. أنا احتفظت بيه لأن أبويا طلب مني أخبيه.”

المحامي أخد الوحدة، وطلب إذنها لتشغيل التسجيل.

وافقت.

طلع صوت والد حمزة واضحًا:

“الوصية هتتنفذ، سواء وافقت أو رفضت.”

ورد والد ميرنا:

“إنت مش فاهم إن ظهور مريم هيهد كل حاجة؟”

“مش مهم. دي بنتي، وليها حق.”

ثم جاء صوت ميرنا الصغيرة:

“بابا، لو سمحت، خلينا نمشي.”

والدها رد بعصبية:

“قلتلك اسكتي!”

بعدها سمعنا صوت حركة مفاجئة، وشيء وقع على الأرض.

ثم صوت والد حمزة وهو بيقول:

“إنت مجنون؟”

التسجيل توقف ثواني، ثم عاد بصوت والد ميرنا:

“أنا ما كنتش أقصد.”

وصوت تاني قال:

“لازم نطلب الإسعاف.”

ثم انتهى التسجيل.

حمزة وقف فجأة.

“إيه اللي حصل بعد كده؟”

ميرنا كانت بتبكي.

“أنا ما كنتش موجودة في المكتب لما أبويا خرج. عرفت بعدين إن أبو حمزة تعب، وإنهم نقلوه المستشفى.”

حمزة سألها:

“إنتِ بتقولي إن أبوكي كان له دور في اللي حصل؟”

ميرنا مسحت دموعها.

“أنا ما أقدرش أقول أكتر من اللي في التسجيل. ما شفتش كل حاجة.”

المحامي قال بحزم:

“التسجيل ده لازم يتسلم للجهات المختصة، ويتراجع مع باقي الأدلة. مش هنقدر نستنتج منه سبب الوفاة لوحده.”

حمزة قعد ببطء.

كان واضح إنه بيحاول يسيطر على نفسه.

وبعد صمت طويل، قال لميرنا:

“إنتِ كان ممكن تقولي الحقيقة من زمان.”

ميرنا ردت:

“وأنت كان ممكن تبقى صادق مع سارة من زمان.”

ما ردش.

أنا قمت من مكاني، وقلت لميرنا:

“أنا مش جاية أحاكمك على علاقتك بحمزة. اللي بينك وبينه مسؤوليتكم أنتم الاتنين. لكن لو فيه حق ضاع من مريم، لازم يرجع.”

ميرنا هزت راسها.

“هسلم كل اللي عندي للمحامي.”

وبعدها بصت لي.

“أنا آسفة على اللي حصل لك.”

ما قلتش لها إني سامحتها، ولا قلت إني مش مسامحاها.

اكتفيت إني قلت:

“أتمنى تكوني صادقة المرة دي.”

وخرجت.

مرت أسابيع طويلة من التحقيقات.

المستندات اتراجعت، والحسابات القديمة اتفتحت، والجهات المختصة بدأت تفحص التسجيلات والأوراق اللي قدمناها.

وفي النهاية، اتأكد إن فيه مبالغ مالية اتحولت من حسابات الشركة بطرق غير قانونية، وإن بعض المستندات اتزورت لإخفاء حق مريم.

أما وفاة والد حمزة، فالتسجيل وحده ما كانش كافيًا لتحديد سبب الوفاة بشكل قاطع، لكن التحقيق كشف تفاصيل جديدة عن الخلاف اللي حصل في الليلة دي، وعن محاولات إخفاء بعض المعلومات من الملف القديم.

والد ميرنا اتطلب للتحقيق، وبعد مراجعة المستندات والأقوال، اتخذت الإجراءات القانونية اللازمة بشأن الوقائع المالية والتزوير اللي ثبتت بالأدلة.

مريم بدأت تستعيد جزءًا من حقها، لكن أصعب حاجة كانت عليها إنها تتقبل إن السنين اللي ضاعت مش هترجع.

وفي يوم تسليم أول مستند رسمي يثبت حقها، وقفت قدام مبنى الشركة، وبصت للوحة الكبيرة اللي عليها اسم عيلة الهواري.

قالت لي:

“كنت فاكرة إني لما أوصل لليوم ده، هفرح.”

سألتها:

“وإنتِ مش فرحانة؟”

ابتسمت بحزن.

“فرحانة إن الحق بدأ يرجع، لكن زعلانة على العمر اللي ضاع وأنا بحاول أثبت إني موجودة.”

مسكت إيدي.

“أنا خسرت سنين من عمري، لكن إنتِ كمان خسرتي حاجة كبيرة.”

عرفت إنها بتتكلم عن حمزة.

بصيت للشارع، وقلت:

“يمكن.”

مريم سألتني:

“لسه بتحبيه؟”

ما حاولتش أكذب.

“أيوه.”

“طب ليه ما ترجعيش له؟”

خدت نفس طويل.

“لأن الحب مش هو المشكلة. المشكلة إني بقيت مش عارفة أصدق كلامه. وكل مرة ببص له، بفتكر إني كنت في فستان فرحي مستنياه يرجع، وهو كان في أوضة فندق مع واحدة تانية.”

مريم سكتت.

ثم قالت:

“يبقى ما تستعجليش. اللي اتكسر مش لازم يتصلح في يوم وليلة.”

حمزة، من ناحيته، ما حاولش يضغط عليا.

ما بعتليش ورد، ولا هدايا، ولا عربيات تقف تحت البيت.

كان بيبعت رسالة واحدة كل أسبوع، يسأل فيها عن أحوالي، ويقول إنه بيتمنى أكون بخير.

وأنا كنت أقرأ الرسائل، لكن ما أردش.

مش لأني عايزة أعاقبه، لكن لأني كنت محتاجة أعرف أنا عايزة إيه بعيدًا عن صوته ووجوده.

في يوم، وصلتني رسالة قصيرة منه:

“سارة، أنا مش هطلب منك ترجعي. لكن فيه حاجة لازم أقولها لك. أنا بدأت أروح لمتخصص عشان أفهم ليه كنت بهرب من المواجهة، وليه كنت فاكر إن من حقي أحتفظ بكل حاجة من غير ما أتحمل نتيجة أفعالي. مش بقولك ده عشان تصدقيني أو تسامحيني. بقولك عشان المرة دي، مش عايز أهرب من نفسي.”

قرأت الرسالة أكتر من مرة.

ما رديتش.

لكنها كانت أول مرة أحس إنه بيحاول يتعامل مع اللي عمله باعتباره مسؤولية عليه، مش مجرد غلطة محتاجة اعتذار.

ومع ذلك، ما كنتش مستعدة أرجع.

بعد شهرين، مريم دعتني أنا وحمزة على العشاء في بيتها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى