روايات وقصص

قبل فرحي حكايات صافي هاني

لكن قبل ما نخرج، وصل لحمزة اتصال من رقم مجهول.

رد.

صوت ست جه من الطرف التاني.

“حمزة، ما تروحش لميرنا.”

حمزة وقف مكانه.

“مين معايا؟”

الست قالت:

“أنا اللي كنت مع أبوك في آخر ليلة من حياته.”

وبعدها أضافت جملة واحدة خلت حمزة يسند إيده على المكتب:

“وأنا عندي تسجيل يثبت إن وفاة أبوك ما كانتش زي ما اتقال لكم.”

الست رفضت تقول اسمها في التليفون، لكنها ادتنا عنوان في مصر الجديدة، وطلبت نقابلها في نفس اليوم الساعة ستة المغرب.

المحامي نصحنا ما نروحش قبل ما نعرف هويتها، لكن الست بعتت صورة من مستند قديم عليه توقيع والد حمزة، ومعاه جزء من تسجيل صوتي.

الصوت كان مشوشًا، لكننا قدرنا نسمع صوت رجل بيقول:

“أنا مش هسمحلكم تاخدوا حق البنت.”

وبعده صوت تاني:

“لو الكلام ده خرج، كلنا هنخسر.”

حمزة فضل يعيد التسجيل، وكل مرة كان وشه يزيد شحوبًا.

في السادسة، وصلنا للعنوان.

كانت شقة في عمارة قديمة، بابها مفتوح.

دخلنا بحذر.

لقينا ست في أواخر الخمسينات قاعدة على كرسي، قدامها جهاز تسجيل صغير، وملف أوراق.

أول ما شافت حمزة، عينيها دمعت.

قالت:

“كبرت يا حمزة.”

حمزة وقف مكانه.

“إنتِ مين؟”

ردت:

“اسمي ليلى. كنت بشتغل عند أبوك في الحسابات.”

قعدنا، وبدأت تحكي.

قالت إنها كانت مسؤولة عن مراجعة بعض حسابات الشركة قبل وفاة والد حمزة، وإنها اكتشفت تحويلات مالية غير قانونية، لكن لما حاولت تبلغ، اتعرضت لضغط وتهديد.

والد ميرنا كان مسؤولًا عن جزء من العمليات المالية، وكان بيستخدم شركات وسيطة عشان يحول مبالغ كبيرة من حسابات الشركة.

ولما والد حمزة اكتشف الموضوع، قرر يواجهه.

ليلى قالت:

“ليلة وفاة أبوك، كنت في المكتب. سمعت الخناقة بينه وبين والد ميرنا. أبوك كان بيهدده إنه هيسلم كل الأوراق للنيابة الصبح.”

حمزة سألها:

“وبعدين؟”

“والد ميرنا خرج من المكتب، وبعده بوقت قصير، دخلت ميرنا.”

حمزة رفع عينه.

“ميرنا؟”

ليلى هزت راسها.

“كانت صغيرة وقتها، لكنها كانت عارفة إن أبوها متورط. حاولت تقنع أبوك إنه ما يفضحش العيلة. هو رفض.”

سارة سألت:

“وبعد كده حصل إيه؟”

ليلى فتحت الملف، وطلعت تقريرًا قديمًا.

“بعد ساعات، أبو حمزة تعب فجأة، واتنقل للمستشفى، وتوفى. التقرير الرسمي قال إنها أزمة قلبية.”

حمزة كان بيسمع من غير ما يتحرك.

ليلى كملت:

“أنا ما أقدرش أقول إن حد كان السبب. ما عنديش دليل على كده. لكن عندي تسجيل من كاميرا المكتب، ونسخة من تقرير داخلي اتشال من ملف الشركة.”

مدت إيدها بالملف.

“وفيه حاجة تانية لازم تعرفها. قبل ما يتوفى، أبوك كتب وصية جديدة، وكان فيها اسم مريم، واسم سارة كمان.”

أنا بصيت لها بصدمة.

“اسمي أنا؟”

ليلى قالت:

“أبوك كان شايف إن والدك هو الشخص الوحيد اللي يقدر يحمي مريم، وإن سارة لما تكبر، ممكن تساعدها تسترد حقها. لكنه ما كانش عايز يفرض عليها أي مسؤولية.”

حمزة سأل:

“الوصية فين؟”

ليلى أشارت للملف.

“دي نسخة منها. الأصل اختفى بعد الوفاة.”

فتح حمزة الورقة، وبدأ يقرأ.

كل ما قرأ سطر، وشه كان يتغير أكتر.

في آخر الصفحة، كان فيه بند بيقول إن جزءًا من الأسهم والأموال لازم يفضل محفوظًا باسم مريم لحد ما تظهر وتطالب بحقها.

وتحت البند، كان فيه توقيع شاهدين.

واحد منهم كان والد سارة.

والتاني كان والد ميرنا.

حمزة رفع عينه ببطء.

“والد ميرنا شهد على الوصية، وبعدها شارك في إخفائها؟”

ليلى ردت:

“ده اللي المستندات بتشير له.”

سارة سألت:

“طب ميرنا كانت تعرف بكل ده؟”

ليلى سكتت شوية.

وبعدين قالت:

“دي الحاجة اللي مش هقدر أجاوبك عليها. لكن فيه تسجيل تاني، لازم تسمعوه.”

شغلت الجهاز.

في البداية، كان فيه صوت خطوات، وبعدها صوت والد حمزة:

“أنا مش هسيب حق مريم يضيع.”

ثم صوت والد ميرنا:

“إنت بتتكلم عن بنت محدش يعرف عنها حاجة. ليه تهدم الشركة كلها عشانها؟”

رد والد حمزة:

“لأن الحق حق، حتى لو الناس مش عارفة صاحبه.”

وبعدها صوت كرسي بيتحرك، ثم صوت ميرنا، وهي أصغر سنًا:

“بابا، كفاية. خلينا نمشي.”

والد ميرنا رد عليها:

“اسكتي يا ميرنا.”

ثم انتهى التسجيل فجأة.

حمزة فضل باصص للجهاز.

كان قدامنا جزء من الحقيقة، لكن الجزء الأخطر لسه مفقود.

ليلى قالت:

“فيه نسخة كاملة من التسجيل. لكن مش عندي.”

سألتها:

“عند مين؟”

بصت لي مباشرة.

“عند ميرنا.”

في نفس الليلة، بعتنا لميرنا إخطارًا رسميًا عن طريق المحامي، وطلبنا منها الحضور لمكتبه في اليوم التالي.

ما توقعتش إنها توافق.

لكن الساعة عشرة الصبح، وصلت بنفسها.

دخلت المكتب وهي لابسة بدلة سوداء، وشعرها مرفوع، وملامحها متماسكة بشكل غريب.

أول ما شافتني، وقفت لحظة.

قالت:

“سارة.”

ما رديتش.

بصت لحمزة.

“كنت متوقعة إنك هتيجي.”

حمزة قال:

“إحنا عايزين إجابات.”

ميرنا قعدت، وحطت شنطتها جنبها.

“عن إيه؟”

أستاذ عادل حط المستندات قدامها.

“عن التحويلات المالية، والوصية الخاصة بمريم الهواري، والتسجيل اللي عندك.”

لأول مرة، ملامح ميرنا اتغيرت.

بصت للمستندات، وبعدها رفعت عينها لحمزة.

“إنت عرفت عن مريم؟”

حمزة رد:

“أيوه.”

ميرنا سكتت شوية.

وبعدين قالت:

“أنا ما زورتش أي مستند.”

المحامي رد:

“إحنا ما اتهمناكيش بالتزوير. إحنا بنسألك عن علاقتك بالأوراق دي.”

ميرنا بصت لي.

“إنتِ عايزة تعرفي الحقيقة؟”

قلت:

“أيوه.”

قالت:

“الحقيقة إن أبويا كان بيخاف على مصالحه أكتر من أي حاجة. وكان مستعد يعمل أي حاجة عشان يحافظ على اسم العيلة.”

حمزة قال:

“وإنتِ؟”

ميرنا ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.

“أنا كنت بنت عندها عشرين سنة، وشفت أبويا بيخسر كل حاجة قدام عينيها. كنت عارفة إن فيه مستندات، لكن ما كنتش أعرف كل تفاصيلها.”

قلت لها:

“طب ليه ما قلتيش لحمزة؟”

بصت لي، وقالت ببرود:

“لأن حمزة ما كانش بيسأل. كان مشغول ببناء إمبراطوريته، وأنا كنت مشغولة بحماية عيلتي.”

حمزة رد:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى