
خرج الدكتور وهو بيتنفس الصعداء، فجري عليه يحيى في عينيه — حصل إيه يا دكتور؟ طمني! ابتسم الدكتور وقال: الحمد لله، قدرنا نسيطر على الوضع، وهتفضل تحت الملاحظة ٨ ساعات، وإن شاء الله خير. متقلقش. — يارب. مشى الدكتور، وقعد يحيى مكانه وهو مش مستوعب كل اللي بيحصل له. كان حاسس والتعب، ولسه في سن صغير، ومع ذلك شايل مسؤوليات أكبر من سنه بكتير. كان كل اللي بيتمناه إن حياته تقف على كده، وإن الأيام الجاية تكون أهدى وأحسن.
عدت الـ٨ ساعات، وكانت أصعب ٨ ساعات مرت عليه، كأنها هي اللي هتحدد إذا كانت أمه هتكمل معاه ولا لأ.
وأخيرًا، جه الدكتور.
— صباح الخير يا يحيى.
بلهفة ومن غير أي ، سأله:
— ماما عملت إيه؟
— أنا فاهم إنك قلقان، بس متقلقش. هي هتكون كويسة، وأنا هدخل أشوفها دلوقتي.
دخل الدكتور، ويحيى وقف قدام الباب، مش عاوز يشوفها ومش قادر يتحرك. كان متربط في مكانه من الخوف.
في اللحظة دي، افتكر إنه كان نفسه يبقى دكتور. لو كان دكتور، يمكن كان عرف يساعدها، ويمكن كان قدر ينقذها بنفسه.
خرج الدكتور وهو مبتسم.
— الحمد لله، هي دلوقتي شبه فاقت، وكمان عدت مرحلة الخطر. تقدر تشوفها وتتكلم معاها، ولما تحس بيك هتفتح عينيها.
سمع يحيى كلامه، ودخل بسرعة.
وقف قدام سريرها، وقرب منها ومسك إيديها.
وقال بصوت مليان وجع:
— قلبي واجعني وإنتِ في الوضع ده، وأنا مش قادر أعملك حاجة. وحشتيني أوي يا ماما. جوايا حاجات كتير عاوز أقولها لك. عاوز أنام وأحط راسي على رجلك، وتحسسي على شعري، وأحكيلك كل اللي جوايا.
سكت لحظة، والدموع نزلت من عينيه.
— اصحي يا ماما بقى علشان نور وفارس محتاجينك. فارس مش بياكل علشان بيحب ياكل من إيدك. يلا بقى علشان خاطري. مش هزعلك تاني، ولو أنا مزعلك مش هزعلك، صدقيني. أنا بحبك يا أمي.
ابتسم وسط وقال:
— وعمو يحيى بيحبك. يلا علشان تتجوزوا وأفرح بيكوا. أحلى أم وأحلى أب.
فضل يتكلم معاها كتير، لحد ما حس إن إيدها بتتحرك تحت إيده.
فتح عينيه ومسح دموعه وبصلها بذهول.
— ماما؟ إنتِ صحيتي؟ ماما!
سمع أنين خافت من تحت جهاز التنفس، وبدأت تفتح عينيها ببطء.
صرخ يحيى بفرحة:
— يا دكتور! ماما فاقت!
قالها كذا مرة، لحد ما الممرضة جت وجابت الدكتور.
دخل الدكتور وفحصها وكلمها:
— عاملة إيه؟ قلقتينا كلنا عليكي.
ردت بتعب:
— الحمد لله، بس حاسة إني دايخة.
— ده بس علشان إنتِ بقالك أسبوع
فتحت عينيها بدهشة:
— أسبوع؟
وبصت ليحيى، وكأن نظرتها بتقوله إنها آسفة عن اللي عملته.
قرب منها يحيى وقال:
— وحشتيني يا أمي. البيت ضلمة أوي من غيرك. أنا كنت حاسس إني هموت لو جرالك حاجة. ليه خبيتي عليا إن عندك السكر؟
قالت بحنان:
— كفاية اللي إنت كنت فيه يا حبيبي.
— يا أمي، إنتِ أهم من كل حاجة. إنتِ أهم مني. إنتِ فاهمة إن لو جرالك حاجة أنا ممكن أموت فيها؟ أنا مقدرش أعيش من غيرك.
ابتسمت وقالت:
— ربنا يخليك ليا ويديمك في حياتي يا رب.
ضحك يحيى وقال:
— يلا بقى اخرجي أحسن بطني دودت من أكل برا، وإنتِ فاهمة طبعًا نور متتوصاش في الأكل.
ضحكت:
— ههههه، ماشي يا حبيبي.
— آه، وكمان النهارده أول يوم رمضان، فعاوز محشي.
فتحت عينيها بدهشة:
— ياااه! هو أنا نمت كتير كده؟
— شوفتي بقى؟ مكنتيش خايفة على ولادك الغلابة دول؟
— لا طبعًا يا حبيبي، خايفة. إنتوا عندي إيه بس؟ أنا الدول كان خلص من عندي ومقدرتش أشتريه بسبب الظروف اللي كنا بنمر بيها.
بصلها يحيى بحنان:
— طيب لو سمحتي خدي بالك من نفسك بعد كده.
—
عدى يومين، واستقرت حالة فريدة وخرجت من المستشفى.
نور فرحت أوي، وفارس كمان.
وقضوا شهر رمضان في خير ومحبة ولمّة، وكان معاهم يحيى الكبير، بيفطر معاهم كل يوم تقريبًا.
وكمان اتفقوا إن كتب كتابهم يكون في العيد الصغير.
في يوم كتب الكتاب، كانت فريدة واقفة قدام المراية، وبصت لنور وقالت:
— شكلي حلو؟
كانت فريدة حاسة نفسها عندها عشرين سنة مش أربعين.
ضحكت نور وقالت:
— يا ماما، إنتِ قمر في كل حالاتك. أنا أول مرة أشوف اللمعة دي في عينيكي. إنتِ جميلة أوي، وعمو يحيى كمان. ياريتك كنتِ قابلتيه من زمان.
ابتسمت فريدة:
— يا حبيبتي، محدش بياخد أكتر من نصيبه، صح ولا إيه؟
— أكيد.
قالت نور بمكر:
— المهم، إنتِ متأكدة إنك أمي؟ أنا حاسة إنك أختي. عمو يحيى هيدلع النهارده.
ضحكت فريدة:
— امشي يا بت يبكاشة من هنا.
وفي الوقت ده دخل يحيى الكبير، وصفر بمجرد ما شافها.
— أوووبا! إيه يا ماما الجمال ده؟ لا، أنا مقدرش على كده. هتخليني أغير وأقول معنديش بنات للجواز. بجد يا ماما، أنا حاسس إني بجوز بنتي مش أمي.
قرب منها وقال:
— ألف مبروك يا أجمل عروسة في الكون.
ضحكت نور وقالت:
— عقبالي يا رب، عقبالي.
بصلها يحيى:
— يا شيخة! وده من إمتى؟
— لما شوفت ماما.
— ماشي يا أختي.
وصل يحيى الكبير ومعاه المأذون، وكانت آليا موجودة هي ووالدها ووالدتها وأخوها. وكان التجمع شبه عائلي، وكمان يحيى عزم أحمد.
خرجت فريدة ومعاها نور.
وأول ما شافها يحيى، سرح في جمالها ومقدرش يشيل عينه من عليها. كان حاسس إنه شاب مراهق رايح يتجوز البنت اللي حارب علشانها.
قربت منه وسلمت عليه.
كانت فريدة ما زالت محتفظة بجمالها الخاص، ورقتها اللي بتميزها عن غيرها.
تم عقد القران وسط فرحة الجميع.
وبعدها مسك يحيى إيدها وقال:
— ألف مبروك يا حرمي المصون، عقبال الفرح.
ضحكت فريدة:
— إيه ده؟ هو في فرح؟
— يعني عاوزاني بعد تعب وحب سنين دي كلها معملش فرح؟ وأكبر فرح في مصر كمان؟
فارس قال بسرعة:
— الله عليك يا عمو يحيى! وأكيد في جاتوه صح؟
يحيى قرب منه وخبطه بخفة على قفاه:
— هو ده اللي همك في الليلة؟
— أمال؟ مش لازم أدلع كرشي؟
ضحك الجميع.
وفي الوقت ده قرب أحمد من يحيى وقال:
— يحيى، عاوزك في حاجة كده.
— اتفضل يا أحمد.
— لا، حاجة على انفراد.
— طيب تعالى.
دخلوا أوضة الضيوف.
قال أحمد بتردد:
— أنا… أنا بحب نور أختك.
يحيى بصله بدهشة:
— إيه؟
— متستغربش. أنا بحبها من أول يوم شوفتها فيه. أنا فاهم إنها طالبة عندي ومينفعش أعمل حاجة، بس أعمل إيه في قلبي اللي حبها واتعلق بيها؟
— وهي فاهمة الكلام ده؟
— لا والله. أنا كلمتك إنت علشان ولي أمرها، وغير كده محدش يعرف. وكمان أنا فاهم إنها داخلة على امتحانات، علشان كده قلت أكلمك إنت دلوقتي، وبعد الامتحانات نبقى نشوف.
ابتسم يحيى وقال:
— بص يا أحمد، أنا طبعًا عمري ما هلاقي لأختي واحد زيك، علشان كده أنا موافق، بس بشرط.
— إيه هو؟
— متكلمهاش ولا تعرفها أي حاجة غير لما تمتحن.
— حاضر والله.
— ماشي يا صاحبي. يلا بقى نخرج.
خرجوا وقعدوا كلهم وهم فرحانين.
وفجأة، الباب خبط.
راح يحيى فتح الباب، وشاف بنت صغيرة واقفة قدامه.
اتصدم.
افتكر إنها نفس البنت اللي سرقت منه المحفظة.
قرب منها ومسك إيدها:
— إنتِ جاية هنا ليه؟ جاية تسرقي تاني؟ إنتِ إزاي طفلة في سنك وعندك الجرأة لكده؟
قالت بهدوء:
— علشان حسن يبقى أبويا.
يحيى اتجمد مكانه:
— إيه؟
— أيوه. أنا بنت أحلام.
— بنت أحلام؟ وأنا إيش عرفني بقى؟
طلعت من جيبها شهادة ميلاد، وكمان البطاقة بتاعت يحيى.
— خد علشان تتأكد.
مسكهم، وفضل مذهول.
إيه اللي بيحصل ده؟
وجاء الوقت اللي كل مشاكلهم تتحل، وينسوا كل اللي حصل، ولا هتظهر نسخة تانية من أحلام في حياتهم؟
بصلها:
— وإنتِ عرفتي منين كل ده؟ وعرفتي البيت إزاي؟
قالت:
— هتفضل موقفني على الباب كتير؟ متخافش، أنا مش زي أمي ولا زي أبويا. أنا مظلومة زيكوا بالظبط.
تنحى يحيى جانبًا وسمح لها بالدخول.
دخلت، والكل استغرب لما شافها وشاف شكلها.
أما فريدة، فمستغربتش، لأنها كانت شايفة إن شكلها شبه أحلام بالظبط.
قربت منها:
— إنتِ بنت أحلام، صح؟
— أيوه. أنا بنتها. إنتِ فريدة؟




