
سيف فضل باصص للاسم كأنه مش قادر يصدقه. حمدي. عمه.
الراجل اللي وقف جنبه في أبوه.
الراجل اللي كان من شوية بيقوله إن الأرض مش ملكه.
الراجل اللي طول عمره كان بالنسبة له عمّه اللي بيخاف عليه وبيحبه.
سيف رجع يقرأ الورقة من أولها.
“يا سيف، لو وصلت للورقة دي، يبقى أنا خلاص مش موجود، ومبقاش عندي فرصة أقولك الحقيقة بنفسي.
أول حاجة لازم تعرفها إن سارة عمرها ما خانتك.
وأنا اللي طلبت منها تسكت.
عارف إنك هتكرهني، وعارف إنك ممكن تعتبرني دمرت حياتك بإيدي، لكن كان قدامي اختيارين: أخسرك أنت وسارة وليلى… أو أخليكم تكرهوني وتبعدوا عن بعض.”
سيف وقف عن القراءة.
دموعه لمعت في عينيه.
— ليه يا أبويا؟
كمل.
“أخوك في الرضاعة، محمود، اكتشف إن حمدي كان بيزوّر أوراق الأرض، وبيبيع أجزاء منها من ورا ضهر العيلة.
لما محمود عرف، حاول إنه هيفضح كل حاجة.
بعدها بأيام اختفى.
أنا حاولت أحمي محمود، لكني فشلت.
ولما عرفت إن سارة حامل، خفت حمدي يعرف إن ليك بنت.
لأن لو عرف، كان ممكن يستخدمها ضدك.”
سيف شهق.
كمل القراءة بإيد بتترعش.
“أنا اللي منعت سارة من دخول البيت.
وأنا اللي طلبت من العاملين يقولوا لك إنها سافرت.
وأنا اللي خليت جواباتها ما توصلش لك.
لكن في حاجة واحدة مكنتش عارف أعملها…
مكنتش قادر أقولك الحقيقة وأنا شايف حمدي بيهددني كل يوم.”
سيف مسح دموعه.
لكن الورقة الأخيرة كانت أقصر.
“لو أنا مت، متواجهش حمدي لوحدك.
دور على محمود.
هو مش ميت.”
سيف وقع الظرف من إيده.
— محمود عايش؟
في اللحظة دي سمع صوت حركة عند باب الأوضة.
لف بسرعة.
مفيش حد.
خرج يجري للممر.
كان البيت كله ساكت.
لكن باب المطبخ كان مفتوح.
سيف قرب منه.
لقى ليلى واقفة في الضلمة.
— ليلى؟
البنت بصت له.
— كنت بتدور على مين؟
— إنتِ سمعتي حاجة؟
هزت رأسها.
— آه.
— سمعتي إيه؟
قالت بمنتهى البراءة:
— الراجل اللي بييجي كل يوم بالليل.
سيف اتجمد.
— راجل مين؟
ليلى أشارت ناحية الشباك.
— ده.
سيف جري للشباك.
فتح الستارة.
ما شافش حد.
لكن على الأرض تحت الشباك كانت فيه آثار تراب جديدة.
حد كان واقف هنا من ثواني.
سيف خرج من البيت.
لف حوالين المبنى.
شاف ظل راجل بيجري ناحية المخزن القديم.
جري وراه.
فتح باب المخزن بعنف.
الراجل اختفى.
لكن سيف لمح بابًا صغيرًا في آخر المخزن.
فتحه.
سلم ضيق نازل تحت الأرض.
نزل خطوة.
ثم خطوة.
وكان كل ما ينزل يسمع صوت أنين خافت.
— مين هناك؟
مفيش رد.
نزل أكتر.
ولما وصل للنهاية، شاف راجل كبير قاعد على كرسي، ووشه مليان جروح قديمة.
الراجل رفع رأسه.
سيف وقف مكانه.
الملامح كانت مألوفة.
نفس العينين اللي شافهم في الصورة.
— محمود؟
الراجل ابتسم ابتسامة ضعيفة.
— اتأخرت أوي يا سيف.
سيف قرب منه.
— إنت عايش؟
— كنت عايش.
— وأبويا كان عارف؟
محمود هز رأسه.
— أبوك هو اللي أنقذني.
— ليه مستخبي؟
محمود بص له بخوف.
— لأن حمدي لو عرف إني خرجت من هنا… مش هيقتلني أنا بس.
سيف قرب أكتر.
— هيعمل إيه؟
محمود سكت.
ثم قال:
— هيقتل سارة وليلى.
سيف حس الدم غلي في عروقه.
— حمدي فين؟
محمود مسك إيده.
— اسمعني الأول.
— لأ!
— اسمعني يا سيف!
سيف سكت.
محمود قال:
— حمدي مش عايز الأرض.
— أمال عايز إيه؟
محمود بص في عينه.
— عايز الشركة بتاعتك.
سيف اتصدم.
— شركتي؟
— أيوه.
— بس هو مالوش أي علاقة بالشركة.
— عنده.
— إزاي؟
محمود أخد نفس طويل.
— من عشر سنين، حمدي بدأ يحط فلوس في مشاريعك من غير ما تعرف.
سيف اتراجع.
— مستحيل.
— كل مشروع كبير كسبته… كان هو شريك فيه من الباطن.
— لأ.
— هو اللي ساعدك في أول صفقة كبيرة.
سيف افتكر.
أول عقد.
أول مليون.
الرجل الغامض اللي ساعده وقتها.
سيف قال بصوت منخفض:
— كنت فاكر إن المستثمر كان أجنبي.
محمود هز رأسه.
— كان حمدي.
سيف حس إن الدنيا بتلف بيه.
— طب ليه؟
— لأنه كان عايز يبنيك.
— يبنيني؟
— أيوه… عشان في الوقت المناسب يهدمك.
سيف بص له.
— الوقت المناسب إمتى؟
محمود سكت.
ثم قال:
— النهارده.
فجأة، سمعوا صوت صرخة جاية من فوق.
صوت سارة.
سيف طلع يجري السلم.
— سارة!
وصل للصالة.
مفيش سارة.
مفيش ليلى.
بس على الترابيزة كان فيه ورقة واحدة.
فتحها.
“لو عايز تشوف بنتك ومراتك تاني، تعالى المزرعة القديمة لوحدك.”
سيف رفع رأسه.
محمود وصل وراه.
بص للورقة.
وشه اصفر.
— دي النهاية يا سيف.
— لأ.
سيف مسك الورقة بقوة.
— دي بداية النهاية بالنسبة لحمدي.




