
— أيوه يا حبيبتي.
قالت الصغيرة:
— الله، إنتِ جميلة أوي. ماما كانت موحشاني في نظري، بس حسيت دلوقتي لما شوفتك إنك حلوة أوي وطيبة أكتر منها.
الكل استغرب من البنت، لأن عقلها كان سابق سنها بكتير، وكانت فاهمة كل كلمة بتقولها.
سألها يحيى:
— مش هتقوليلي بقى عرفتي منين، وكمان عرفتي البيت إزاي؟
قالت:
— هقولك.
وبدأت تحكي:
— لما سرقت منك المحفظة، أنا دائمًا متعودة أفتح المحفظة اللي أسرقها، وآخد منها الفلوس وأرميها علشان محدش يعرف يوصل لصاحبها.
سكتت لحظة.
— فتحتها وطلعت الفلوس، وجيت أرميها، لكن لفت نظري اسمك اللي في البطاقة. لقيت نفسي مسكتها وحطيتها معايا.
وبعدها كملت:
— وأنا طبعًا بعد ما أهل جوز أمي طردوني بعد ما أمي اتسجنت، اترميت في الشارع باللبس اللي عليا، ومعايا شنطة صغيرة فيها كام حاجة وشهادة ميلادي كإثبات.
دموعها بدأت تنزل.
— يعني طفلة عندها ٨ سنين تترمي في الشارع؟ نمت تحت الكباري واتشردت، لحد ما شافتني واحدة من اللي بيلموا العيال من الشوارع علشان يشغلوهم معاهم. خدتني واشتغلت معاها، وحصل اللي حصل.
وبصت ليحيى:
— بس لما عرفت إنك أخويا، قلت يمكن تنجدني من اللي أنا فيه. أنا اتولدت واتربيت إني أعتمد على نفسي. أنا عندي ٩ سنين. البنات اللي في سني لسه مشافوش الدنيا ولا تعبوا زي ما أنا تعبت. لسه روحهم في طفولة أنا مشوفتهاش.
فريدة قربت منها وحضنتها:
— يا حبيبتي يا بنتي، ربنا يسامح اللي عمل فيكي كده.
قالت الصغيرة:
— أنا آسفة إني جيت، بس أنا مليش حد.
قال يحيى:
— إحنا أهلك يا حبيبتي.
وبص لأمه:
— صح يا أمي؟
ابتسمت وقالت:
— أيوه يا حبيبي.
وبص يحيى في شهادة الميلاد:
— ولا إيه يا مي؟
البنت اتفاجئت:
— ياااه! أنا بقالي كتير أوي محدش ندهلي مي. أنا نسيت إن اسمي مي.
قرب منها يحيى، وكل اللي واقفين كانوا متأثرين.
— لا، إنتِ اسمك مي. واعرفي إن اسمك مي، وهتعيشي معايا، وهتعملي كل اللي نفسك فيه، وأي حاجة إنتِ عاوزاها هتجيلك.
بصتله بفرحة:
— بجد؟ يعني هبقى زي البنات اللي بشوفها؟
— وأحسن كمان.
— شكرًا جدًا.
— لا مفيش شكر. أنا أخوكي.
وأشار لنور وفارس:
— ودول كمان إخواتك، وهتعيشي معاهم.
قالت بفرحة:
— الله! إنتوا حلوين أوي. أنا كنت مفكرة هترموني زيهم.
رد يحيي:
— لا يا حبيبتي، إحنا مش وحشين كده زي ما متخيلة.
قالت مي:
— ربنا يسعدكوا يا رب، ويجعلها في ميزان حسناتكوا. آمين يا رب. إلهي يستركوا.
فارس بص لها باستغراب:
— إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟
وبص ليحيى:
— هي مين دي؟ وشكلها عامل كده ليه؟ أنا قرفان منها، وبتتكلم كده ليه؟ دي عاملة زي الشحاتين.
يحيي بص له بعصبية، وفريدة كمان.
— إنت مش محترم! والظاهر إني مربتكش كفاية. اتفضل ادخل أوضتك.
فارس زهق من إنه اتهزق قدامها، ودخل الأوضة بعصبية.
نور قربت من مي:
— متزعليش. هو لسه ميعرفكيش. تعالى معايا.
دخلت مي معاها علشان تستحمى وتلبس حاجة حلوة.
يحيي بص لأمه وقال:
— كنت متخيل إنك هترميها في الشارع علشان بنت أحلام.
ردت:
— إزاي يا ابني؟ دي أختكوا من لحمكوا. مهما أمها عملت زمان، فهي خدت جزاءها. البنت ملهاش أي ذنب.
ابتسم يحيي:
— ربنا يديمك في حياتنا يا أجمل أم في الدنيا.
قرب يحيي الكبير منه بعصبية:
— ممكن تبعد عن مراتي لو سمحت؟
— لا، متكون مراتك، فهي أمي.
— يحيى، متعصبنيش وابعد.
— لا.
قام يحيى وقرب من فريدة علشان يغيظه أكتر.
الكل كان واقف يضحك، ومنهم فريدة.
قال يحيي الكبير:
— إنت بتعاندني؟
— حاجة شكل كده. وعاوز أقولك حاجة: إنت آه اتجوزتها، بس متقدرش تمنعني عنها.
— ماشي يا أخويا، هو حد يقدر يغلبك؟
غمز له يحيى:
— أيوه كده، ارجع لعقلك.
وضحكوا كلهم.
بصت فريدة ليحيي الكبير وضحكت على منظره.
قال لها:
— اضحكي اضحكي. أعمل إيه؟ بحبكوا.
—
سابهم يحيى ودخل أوضة فارس.
لقاه قاعد مضايق وزعلان.
قرب منه:
— بصلي.
فارس مكنش راضي يبصله.
مسك وشه ورفعه ناحيته:
— ينفع اللي إنت عملته ده؟
هز فارس رأسه بالنفي.
— أنا علمتك وربيتك على كده؟ إنك تتريق على الناس وتسخر منهم؟
رد فارس:
— لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم.
— إنت مش فاهم إنه حرام؟
— فاهم، بس أنا مش متخيل إن دي تبقى أختي.
— طيب وبعد ما سخرت منها وأنا زعقتلك، كنت حابب إني أزعقلك كده؟
— لا.
— أمال؟
— أنا آسف.
— لا، متعتذرش مني. أنا أعتذر من مي.
— لا.
— أنا قلت إيه؟
— يووه! حاضر.
— يلا.
وفي الوقت ده، جاله اتصال من الظابط صاحبه.
— أيوه يا كريم، في جديد؟
— أيوه. للأسف النهارده تنفيذ الحكم.
— إيه؟!
— للأسف يا يحيى، النهارده أبوك وخالك هيتعدموا.
يحيى اتصدم:
— مش معقول!
— للأسف يا يحيى. هم عملوا جرائم كتير في حق نفسهم وحق البلد، وكمان غير القتل والسرقة، وكل حاجة ممكن تتخيلها. دي أقل حاجة ممكن تحصل فيهم.
يحيى زعل جدًا.
كان نفسه أبوه يتغير. كان نفسه يبقى ليه أب زي باقي الناس، أب مثالي يفتخر بيه.
لكن نصيبه كان إن أبوه يكون بالشكل ده، وفي الآخر ينتهي به الأمر إلى تنفيذ الحكم عليه.
خرج يحيى لهم ووشه مرهق.
يحيي الكبير لاحظ عليه، لأنه أصلًا بيعرفه من نظرة.
قرب منه:
— مالك؟
— النهارده الحكم هيتنفذ.
سكت لحظة وقال:
— كان نفسي الظروف تتغير وتكون في صالحنا، بس للأسف كل حاجة . مابقاش في فرصة خلاص.
رد يحيي الكبير:
— أنا فاهم إن كل كلمة كنت بتقولها كانت من ورا قلبك، بس أي حد بيغلط لازم ياخد جزاءه.
— الجزاء من العمل.
— صح ولا لأ؟
— صح. الجزاء من جنس العمل. ربنا يسامحه.
ثم قال يحيي:
— متقولش لماما حاجة. أنا لما صدقت إنها نسيت اللي حصل معانا. أنا عارف إنك بتحبها. ربنا يخليكوا لبعض يا رب.
—
بعدها خرجت مي مع نور، وكان شكلها جميل بعد التغيير.
فارس صالحها، وخلاص بقت واحدة منهم وعاشت معاهم.
يحيي دخلها مدرسة خاصة، واتعلمت كل حاجة من أول وجديد، وكانت متفوقة جدًا في المدرسة.
نور كانت بتساعدها، وكانت فرحانة بيها جدًا، لأنها طول عمرها كانت بتتمنى يكون ليها أخت.
نجحت نور في الثانوية بنسبة ٩٨٪، ومعاها آليا اللي حصلت على ٩٧٪.
الاتنين كانوا فرحانين جدًا، ودخلوا مع بعض كلية الطب.
عدت سنة وهم في الكلية، وكلهم كانوا سعداء.
فارس ومي بقوا قريبين جدًا من بعض، وبقى فارس معاها في كل حاجة.
أما فريدة، فكل يوم كان حبها ليحيي بيزيد، وهو كمان.
عاشوا مع بعض عشرة كبيرة، والحب ملى حياتهم، والاهتمام والاحترام كانوا أساس علاقتهم.
كانوا زوجين مثاليين، وكمان أب وأم لأربع أولاد بيحبوهم.
—
أحمد اتقدم لنور، ويحيي وافق.
وجه اليوم اللي هيقعد فيه معاها.
فريدة صحيت نور:
— اصحي يا نور. إنتِ هتفضلي نايمة كتير كده؟
— إيه يا ماما؟ في إيه؟
— في عريس متقدملك، وأخوكي موافق، وأنا موافقة، ويحيي موافق.
— آه، وفارس ومي؟ إيه الأخبار؟ مش معترضين؟
— معرفش، ابقي اسأليهم.
— طيب يلا يا ماما اخرجي واقفلي الباب والنور، وسيبيني أنام. أنا لما صدقت أخد الإجازة.
— طيب والناس اللي جاية دي؟ إنتِ هبلة؟
— قولي لهم مش موجودة، أو أقولك… قولي لهم مش موافقة. أنا عاوزة أتعلم وآخد شهادة كبيرة، مش عاوزة أتجوز.
كانت فريدة عارفة إنها بتحب أحمد، لأنها كانت قالت لها، وكمان عينيها كانت بتفضحها كل ما أحمد ييجي عندهم.
قالت فريدة بمكر:
— خلاص يا بنتي، اللي تشوفيه. أنا هروح أتصل بأحمد وأقوله نور مش موافقة، وربنا يرزقه ببنت الحلال.
أول ما سمعت نور اسم أحمد، قامت بسرعة من على السرير.
— ماما استني! إنتِ قصدك أحمد مين؟
— أحمد صاحب أخوكي اللي كان بيدرسلك. أنا فاهمة إنه كبير عليكي، يلا محصلش نصيب. هروح أتصل بيه وأقوله إنها ملتفتة لدراستها.
— لا استني يا ماما بالله عليكي. أنا هعتزل الدراسة أصلًا!
ضحكت فريدة:
— أنا كنت بهزر معاكي! مالك قموصة كده؟
— يعني… هو جاي وهيكون لابس إيه؟
ضحكت فريدة عليها:
— إنتِ مجنونة.
كانت فاهمة إن أول ما تعرف إن أحمد جاي، هتعمل كده.
وبالليل جه أحمد وعيلته، وكان في قمة الشياكة.
نور كانت متوترة جدًا.
ده حب حياتها اللي جاي يتقدم لها!
اتصلت بآليا علشان تطمنها، لدرجة إن آليا زهقت منها، لأنها كل شوية تكلمها وتقول لها إنها متوترة ومش متخيلة إن ده كان ممكن يحصل.
كانت فاكرة إنه مجرد مدرسها.
قعد يحيي ويحيي الكبير مع عائلة أحمد، ونور كانت جوا.
قرب أحمد من يحيي وقال:
— أنا مبسوط أوي إني قاعد هنا. إنت مش فاهم يا يحيي أنا بحبها قد إيه.
غمز له يحيي:
— آه، فاهم.
ضحك أحمد:
— بجد يا يحيي؟
— عيب عليك. دي تربيتي.
— يا رب يا يحيي.
— يلا، ربنا يتممها على خير.
خرجت نور وهي مكسوفة جدًا، وكانت عاوزة الأرض تنشق وتبلعها. وكانت مي معاها.
همست لها مي:
— متهدي يا بنتي. إنتِ كنتِ عاملة نفسك مش بتحبيه.
— بس يا بت.
— متخلنيش أقول قدامهم كلهم إنك بتحبيه.
— لا يا مي، بالله عليكي.
قالت فريدة:
— مالك يا نور؟
— متوترة أوي. مش متخيلة اللي بيحصل ده.
وصلت عندهم، ويحيي حس بتوترها، فقام ووقف جنبها وبصلها بنظرة مطمئنة.
جميل جدًا إن يكون عندك أخ بيحبك، وسندك وضهرك، ويقدر يطمنك بنظرة أو كلمة.
وده كان يحيي بالنسبة لنور.
هديت شوية، وقعدت جنب يحيي.
قال يحيي الكبير:
— يلا يا جماعة نسيبهم لوحدهم.
قاموا كلهم وقعدوا بعيد عنهم شوية.
قال أحمد:
— هتفضلي مكسوفة وباصة في الأرض كتير؟
— احم… أنا…
ضحك أحمد:
— إنتِ إيه؟ أنا فاهم إنك مكسوفة ومش متخيلة الموقف. بس أنا هنا جاي علشان أتجوزك، مش جاي أسألك سؤال في الفيزياء.
ضحكت نور.
— أيوه كده، خلي الشمس تطلع.
— شكرًا يا مستر أحمد.
— إيه؟ في شكر ومستر كمان؟ على فكرة أنا جاي أتجوزك، مش جاي أديكي حصة.
— أمال أقول إيه؟




