روايات وقصص

خالتي حكايات صافي هاني

دافعت عن بنت خالتي في عزومة العيد وعشان كده خالتي قررت تنتقم مني ومن أهلي بطريقة محدش كان يتخيلها. حاولت تبوظ حياة أبويا وأمي من الناحية المادية وكمان سعت إنها تخليني أخسر شغلي وكانت فاكرة إن محدش واخد باله من اللي بتعمله.

بس هي ما كانتش تعرف إني بهدوء ومن غير ما أتكلم كنت بوثق كل حاجة.
والأغرب إن السجلات اللي احتفظت بيها سنين بعد كده كلفتها تمن أكبر بكتير من اللي كانت متخيلاه.

كل حاجه بدأت في عزومة ليلة العيد في بيت أبويا وأمي في القاهرة.
كنا قاعدين حوالي السفرة وبنخلص الأكل ولما جينا عند الحلو بدأت خالتي سعاد تهاجم بنتها نور قدام كل العيلة.
نور كان عندها اتنين وعشرين سنة وكانت قاعدة جنبي ووشها أحمر من الإحراج وعينيها مليانة دموع.
خالتي فضلت حوالي عشر دقايق تقلل منها عشان سابت كلية الحقوق بعد ترم واحد.

كانت بتقول لها:

إنتي ضعيفة.

وإنتي مش مقدرة النعمة اللي إنتي عايشة فيها.

إنتي عار على العيلة.

كل ده ونور كانت بتحاول تمنع دموعها وتوقول لها بصوت واطي: “خلاص يا ماما كفاية”.
بس خالتي ما سكتتش، بالعكس، كل ما نور كانت تطلب منها توقف كانت بتعلي صوتها أكتر.
وبعدين قالت قدام كل اللي قاعدين:

إنتي من غير فلوسي مش هتقدري تحيوي يوم واحد!

ساعتها مقدرتش أسكت. حطيت الشوكة على الطبق وبصيت لخالتي وقلت:

يمكن نور كان يبقى عندها ثقة في نفسها أكتر لو إنتي مش كل ما تختلفي معاكي في حاجة تهدي ثقتها في نفسها وتخليها تحس إنها فاشلة.

البيت كله سكت، حتى صوت الملاعق اختفى.
خالتي بصتلي ثواني وكأنها مش مصدقاني إني اتجرأت أتكلم. وبعدين وشها اتغير وقالت:

إنتي أبوكي وأمك ربوكي على الغرور، وواضح إنك محتاجة تتعلمي كويس إيه اللي بيحصل للواحد لما يدخل نفسه في مشاكل مش بتاعته.

أنا كنت متوقعة خناقة كبيرة وخلاص، مكنتش متخيلة إن اللي حصل بعد كده هيقلب حياتنا كلها.
بعد أربع أيام بس، أبويا استلم جواب رسمي ولما فتحه اتصدم.
الجواب كان بيقول إنه مطالب يدفع لخالتي سبعة وتمانين ألف جنيه، بحجة إنه كان ضامن قرض قديم ليها من سنين. القرض ده كانت بتقول إنه متعلق بعقار صغير ورثوه هما الاتنين عن جدي.

أبويا كان عارف إن الكلام ده كذب، العقار اتباع من سنين وكل الحسابات اتقفلت وكل المصاريف اتدفعت.
لكن المشكلة كانت في الورق المرفق بالطلب؛ كان فيه صورة من مستند قديم وعليه توقيع شبه توقيع أبويا بشكل يخض.
أبويا قعد قدامي ماسك الورقة وبيقول: “أنا عمري ما مضيت الورقة دي!”.

تاني يوم الصبح حصلت أسوأ حاجة؛ مديرتي في الشغل طلبت مني أدخل مكتبها. كنت شغالة في شركة خدمات طبية وشغلي كان كويس ومفيش أي مشاكل بيني وبين الإدارة.
لكن أول ما قعدت قدامها قالتلي:

في شكوى مجهولة وصلت ضدك، اتقال فيها إنك سرقتي بيانات مرضى وإنك استخدمتي أنظمة الشركة في معاملات مالية شخصية.

حسيت إن الدم نشف في عروقي؛ دي اتهامات خطيرة جدا لدرجة إن الشركة قررت توقفني مؤقتا عن الشغل لحد ما قسم المراجعة والتحقيق يخلص.
بصيت لمديرتي وقلت لها: “بس أنا عمري ما فتحت ملف مريض مش من اختصاصي، أنا حتى مش فاهمة مين ممكن يعمل فيا كده!”.
سألتها: “الشكوى فيها أي تفاصيل ممكن نعرف منها مين اللي قدمها؟”.
مديرتي سكتت شوية وقالتلي بصوت واطي: “اللي قدم الشكوى عارف عنوان بيت أهلك، وعارف الاسم الكامل لخالتك”.
وقتها حسيت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد شكوى مجهولة.

رجعت البيت وأنا مش عارفة أقول لأبويا وأمي إيه. وفي نفس الليلة خالتي سعاد اتصلت بيا. كنت قاعدة لوحدي في العربية، بصيت للموبايل شوية وبعدين رديت.
صوتها كان هادي بشكل غريب وقالتلي: “شايفة إن اللي حصل في عزومة العيد كان ممكن يعدي عادي لو كنتي عرفتي تسكتي”.
فهمت وقتها إنها مش بتتكلم من فراغ. فتحت التسجيل وبدأت أسجل المكالمة من غير ما أقول لها، وقلت لها: “إنتي عملتي إيه؟”.
ضحكت وقالت: “إنتي اللي حطيتي نفسك في الموضوع… إنتي أحرجتيني قدام أهلي، ودلوقتي أبوكي وأمك ممكن يخسروا بيتهم، وإنتي ممكن تخسري شغلك”.

أنا سكت، مكنتش عايزة أديها فرصة تقلب الكلام عليا. وبعد ثواني سألتها بهدوء: “يعني إنتي اللي قدمتي الشكوى؟”.
ضحكت خالتي وقالت: “أنا بقولك إن كل فعل وليه تمن يا آية”.

قفلت المكالمة من غير ما أجادلها. فضلت قاعدة في العربية وببص قدامي، وفي اللحظة دي فهمت إن الموضوع ما بقاش خناقة عائلية.. دي كانت حرب.
وحرب خالتي كانت موجهة لأبويا وأمي وشغلي ومستقبلي كله. بس هي كانت فاكرة إنها بتلعب لوحدها، ومكنتش تعرف إني من اللحظة دي بدأت أوثق كل حاجة: كل رسالة، كل مكالمة، كل ورقة، كل تحويل، كل تهديد، وكل حاجة حصلت بعد ليلة العيد.
كنت بخزنها عندي من غير ما أقول لحد، لأني بدأت أحس إن اليوم اللي هحتاج فيه كل الأدلة دي مش بعيد.

واللي ما كنتش أعرفه وقتها إن خالتي سعاد كانت لسه بتبدأ، وإن اللي جاي كان أخطر بكتير من جواب السبعة وتمانين ألف جنيه، لأنها كانت مجهزة مفاجأة تانية… مفاجأة لو نجحت كانت هتخليني أخسر شغلي نهائيا، وتخلي أبويا يدخل في قضية بسبب ورقة مزورة، وتحولني أنا وأهلي من ناس مظلومة لمتهمين.
لكن خالتي كانت نسيت حاجة واحدة: إن أنا كنت بحتفظ بكل حاجة، وإن السنين اللي بعدها هتثبت إن الهدوء اللي كانت فاكراني بيه ضعيفة، كان في الحقيقة أكتر حاجة خلتها تقع في إيدها هي بنفسها.

المشهد الأول: أول خيط في الحكاية
تاني يوم بعد مكالمة خالتي سعاد أنا ما نمتش تقريبًا. فضلت طول الليل قاعدة قدام اللابتوب وبراجع كل حاجة حصلت من ساعة عزومة الكريسماس.
في البداية كنت حاسة إني لو حكيت لأبويا وأمي اللي سمعته في المكالمة ممكن الدنيا تولع، لكن بعدين افتكرت جملة خالتي: “أبوكي وأمك ممكن يخسروا بيتهم”. الجملة دي كانت كفاية إنها تخليني أفهم إن السكوت مش هيحمينا.

الصبح بدري دخلت لأبويا وهو قاعد في الصالة قدام الورقة اللي وصلته، وكان ماسك نظارته في إيده ووشه متغير.
قلت له: “بابا ممكن أسألك سؤال؟”.
رفع عينه وبصلي وقالي: “اسألي”.
قلت: “العقار اللي الورقة دي بتتكلم عنه اتباع إمتى؟”.
رد من غير تفكير: “من حوالي ست سنين”.
قلت: “وعندك أي ورق يثبت إن القرض اتقفل؟”.
قال: “طبعًا”. وقام من مكانه ودخل أوضة المكتب، وبعد دقايق رجع ومعاه ملف قديم مليان أوراق حطه قدامي وقال: “أنا كنت محتفظ بكل حاجة”.

بدأت أقلب في الأوراق: عقد البيع، إيصال السداد، مخالصة، صور من الشيكات، ورقة من البنك بتثبت إن الحساب اتقفل.
وقتها بصيت لأبويا وقلت: “ليه خالتي بتعمل كده؟”.
أبويا سكت شوية وبعدين قال: “عشان إنتي وقفتي جنب بنتها”.
قلت: “مش معقول!”.
قال: “إنتي مش عارفة أختي كويس… سعاد لما بتحس إن حد أحرجها قدام الناس مبتنساش”.

في اللحظة دي أمي دخلت علينا وكانت سمعت آخر جملة وقالت: “بس الموضوع خرج من حدود العيلة”.
بصينا لها فقالت: “أنا الصبح لقيت حد بيتصل بيا وبيسألني عن حسابات أبوكي وعن البيت”.
قلت لها: “مين؟”.
قالت: “واحد قال إنه من شركة تحصيل ديون”.
قلبي وقع، وقلت: “وقال إيه؟”.
قالت: “قال إن فيه مديونية قديمة وإن البيت عليه مشاكل”.

أبويا قام مرة واحدة وقال: “إنتي اديتيه أي بيانات؟”.
أمي قالت: “لأ”.
وقتها فهمنا إن خالتي مش بس قدمت ورقة ضد أبويا، دي كانت بتجمع معلومات عننا.
وأنا بدأت أراجع كل حاجة عندي: إيميلات، رسائل، مكالمات، صور، حتى الرسائل اللي كنت شايفها زمان تافهة بدأت أبص لها بشكل مختلف، ولقيت أول حاجة غريبة.

قبل عزومة الكريسماس بحوالي شهر كانت خالتي بعتالي رسالة: “ممكن تبعتيلي اسم الشركة اللي بتشتغلي فيها كامل والعنوان؟”.
وقتها افتكرت إنها عايزة تبعتلي حاجة فبعتلها.
وبعدها بأسبوع سألتني: “مديرتك اسمها إيه؟”.
رديت عليها عادي، لكن دلوقتي الرسالتين دول بقوا أهم عندي من أي حاجة. صورت الشاشة وحفظتها في مكان تاني.

وبعدين افتكرت حاجة تانية؛ قبل العزومة بأيام خالتي كانت بتسألني بطريقة غريبة عن شغلي. كنت فاكرة إنها فضول، طلع الموضوع مش فضول… كانت بتجمع معلومات.
دخلت على إيميلي ولقيت رسالة قديمة منها كان فيها ملف صغير. فتحت الملف وكان فيه نسخة من بطاقة نور (نور نفسها كانت باعتاه لخالتي زمان عشان موضوع خاص بالجامعة)، وبعدين خالتي بعتتهولي بالغلط. أنا وقتها مسحته لكن كنت محتفظة بالرسالة، والأغرب إن تاريخ الرسالة كان قبل أول شكوى في شغلي بشهر تقريبًا.

بدأت أحس إن كل حاجة مترتبة. اتصلت بمحامي العيلة وحكيت له الموضوع كله من غير ما أبالغ وببعت له صور المستندات.
قال لي: “ما تواجهيش خالتك”.
قلت: “ليه؟”.
قال: “لأن لو هي فعلًا بتحاول تلفق حاجة يبقى أهم حاجة دلوقتي إنها تفضل مقتنعة إنها مسيطرة”.
سألته: “والورقة بتاعة أبويا؟”.
قال: “متقلقوش قبل ما نراجع أصل المستند”. وبالفعل بدأ يتحرك.

لكن في نفس اليوم حصلت المفاجأة؛ مديرتي اتصلت بيا وقالت: “آية لازم تيجي الشركة بكرة”.
قلت: “ليه؟”.
قالت: “التحقيق بدأ يطلع حاجات مش منطقية”.
سألتها: “يعني إيه؟”.
قالت: “في بيانات اتفتحت من جهاز مرتبط بحسابك”.
اتجمدت وقلت: “أنا مكنتش موجودة في الشركة اليوم ده”.
قالت: “عارفة”.
قلت: “طب إزاي؟”.
سكتت وقالت: “وده اللي بنحاول نعرفه”.

قفلت معاها ووقتها فهمت إن خالتي مش عايزة بس توقفني عن الشغل، هي كانت عايزة تعمل حاجة تخلي الشركة نفسها تصدق إني مذنبة.
وفي اليوم اللي بعده دخلت الشركة وأنا حاسة إني داخلة معركة، لكن اللي ما كنتش أعرفه إن أول غلطة عملتها خالتي كانت إنها استعجلت؛ لأن قسم تكنولوجيا المعلومات اكتشف حاجة بسيطة جدًا: الجهاز اللي اتفتح منه النظام كان موجود في مكان بعيد عن الشركة، وأول ما بدأوا يتتبعوا الاتصال ظهر اسم شبكة الإنترنت اللي اتستخدمت. والمفاجأة إن الشبكة دي كانت في منطقة قريبة من بيت خالتي.

لكن ده لوحده مكنش كفاية، أنا كنت محتاج دليل أقوى، وفي الوقت ده كنت بفتش بهدوء لحد ما لقيت حاجة خلت إيدي ترتعش: إيميل مجهول وصل للشركة وفي آخره كان فيه ملف مرفق، اسم الملف كان: Employee_Aya_Evidence.
فتحته وكان فيه صور شاشة لبيانات مرضى، لكن التاريخ اللي ظاهر في الصور كان قبل ما أنا أصلًا أستلم صلاحية الدخول للنظام.
قفلت الملف وقلت لنفسي: “سعاد… إنتي مش بس بتحاولي تبوظي حياتي، إنتي بتسيبي وراكي آثار، وأنا هفضل أجمعها واحدة واحدة”.

المشهد الثاني: نور تعرف الحقيقة
كنت محتاجة أكلم نور، مش عشان ألومها ولا عشان أقول لها إن أمها بتنتقم مني بسببها، كنت محتاجة أعرف هي نفسها كانت تعرف حاجة ولا لأ.
اتصلت بيها وقالت: “أيوه يا آية”.
قلت: “ممكن أشوفك؟”.
سكتت ثواني وقالت: “في حاجة حصلت؟”.
قلت: “تعالي بس”.

قابلتها في كافيه هادي، وأول ما شافت وشي قالت: “ماما عملت حاجة تانية؟”.
بصيت لها وقلت: “إنتي عارفة؟”.
دموعها نزلت قبل ما تتكلم وقالت: “أنا عارفة إن ماما غضبانة منك”.
قلت: “غضبانة؟”. ضحكت ضحكة حزينة وقالت: “هي مش غضبانة… هي عايزة تنتقم”.

فضلت ساكتة ونور مسحت دموعها وقالت: “بعد العزومة بيومين ماما قالتلي إنك السبب في كل اللي حصل”.
قلت لها: “يعني إيه؟”.
قالت: “قالت إنك أحرجتيها قدام العيلة وإنها هتخليكي تندمي”.
سألتها: “قالت لك هتعمل إيه؟”.
نور بصت في الأرض وقالت: “قالت إن عندها معارف يقدروا يخلوا أبوكي يدفع فلوس كتير وإن شغلك مش هيكمل”.

سكت وقلت: “وإنتي ليه ما قولتيليش؟”.
قالت: “خفت”.
قلت: “من إيه؟”.
قالت: “من أمي”. وبعدين طلعت موبايلها وقالت: “بس فيه حاجة لازم تشوفيتها”.
فتحت محادثة بينها وبين أمها، وكانت رسالة من سعاد لنور: “ماتدخليش آية في الموضوع.. أنا هتصرف”. وفي رسالة بعدها: “خليكي ساكتة عشان أنا مش ناقصة مشاكل”.
نور قالت: “أنا من وقتها بدأت أخاف”.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى