روايات وقصص

امي قلتلي مش محتاجينك حكايات صافي هاني

أمّي قالتلي: “محدش محتاجك تيجي في العيد ده.” رديت ببرود: “تمام.” وبعدها ضفت جملة واحدة: “طيب… يبقى كل حاجة اتلغت بقى.” وببطء شديد، وش أمّي اصفر وبان عليه القلق. “عشان أبقى واضحة معاكي يا علياء، محدش محتاجك تيجي.”

صوتها كان بارد، واثق، وفيه شبه رضى وتشفّي. كانت فاكرة إن الكلمتين دول هيحطوني في حجمي الطبيعي ويعرفوني مقامي. اللي ما كانتش تعرفه، إن على الرخامة اللي جنبي، كان يف مستند قديم للبنك مفتوح على الموبايل—وسكرين شوت واحدة من المستند ده قادرة تغير نظرة العيلة كلها ليها.
ما اتخانقتش.
وما عيطش.
كل اللي قلته: “تمام.”
حصل سكتة صغيرة كده.
بعدها ضفت: “طيب، يبقى كل حاجة اتلغت بقى.”
على مدار ثمانية وعشرين سنة، اتعلمت إن الهدوء مع أمّي أضمن بكتير من إني أدخل معاها في معارك. كانت قادرة تحول أي خلاف بيننا لدليل على إني “حساسة زيادة عن اللزوم”، أو “صعبة ومش سهلة”، أو إني جاحدة ومش مقدرة كل اللي عملته عشاني (حسب كلامها طبعاً).
وأيام الأعياد واللمّات كانت هي أكتر وقت النمط ده بيختفي فيه ويبقى مستخبّي ورا التفاصيل.
بالنسبة للناس كلها، أمّي، منى، كانت بتعمل العيد المثالي. شجرة العيد شكلها يجنن. السفرة منظمة. الأكل بيجي في معاده بالظبط. القرايب عارفين يروحوا فين، ويجبوا إيه معاهم، وتصوير العيلة بيبقى امتى.
الناس كانوا بيقعدوا يمدحوا فيها كل سنة.
بس مفيش ولا واحد فيهم شافني وأنا شغال ورا الكواليس.
أنا اللي كنت بدير جروب العيلة على الواتساب. أنا اللي كنت بفكّر خالو أحمد بميعاد طيارته. أنا اللي كنت بنظم الهدايا. وأنا اللي كنت بنزل أجيب تيتا عشان ما تقضيش العيد لوحدها. أنا اللي كنت بظبط اللستة، والزينة، والنزلة الأخيرة للطلبات، وأي مصيبة أمّي كانت تنسى تخطط لها.
السنة اللي الفرن فيها اتعطل قبل ما الضيوف يوصلوا بساعة، أنا اللي دبرت أكل دليفري طوارئ، وعدلت ترتيب العِشاء، وأقنعت الكل إن تغيير المنيو ده كان مقصود ومتخطط له من الأول.
أمّي كانت بتبتسم وهي تتصور جنب السفرة اللي أنا أنقذتها.
وآخد منها كلمة سريعة: “تسلم إيدك يا لولو.”
وبعدها ترجع الأمور لطبيعتها كأن مفيش حاجة حصلت.
ده كان دوري في العيلة. منى تاخد الشكر والتصفيق. وخويا زياد يظهر في الآخر. وأنا أفضل ماشية كالساعة السويسرية أخلي الماكينة كلها تدور بهدوء من ورا الستارة.
فلما أمّي تقول لي إني مش مطلوقة ولا محتاجة في العيد ده، فيه حاجة جوايا بطلت تدور على رضاهم أو تقديرهم.
تاني يوم الصبح، زياد رنّ عليا.
وقال لي: “ماما حكت لي اللي حصل، وهي ما كانتش تقصد كده.”
الجملة دي أنا سمعتها طول عمره.
بدأ يشرح لي إن ماما كانت مضغوطة وعصبية. وإنها عايزة وجع دماغ أقل. وإنها تعبت من “شيل هم العيد لوحدها”.
وبعدين سألني السؤال اللي أكد لي قد إيه الاتنين ما فهموش أي حاجة خالص.
قال: “حتى لو مش هتيجي، ممكن تعملي لنا جروب الواتساب، والتنبيهات، واللستة؟”
بصيت على رخامة المطبخ وسكت.
قلت له: “يعني أنا مش محجوبة، بس مجهودي وشغلي هما اللي مطلوبين؟”
زياد اتنهد بضيق.
وقال: “يا علياء ما تبقيش درامية. ماما هي اللي دفعت مصروفات كليتك، ومقدم الشقة، وكل حاجة. أقل ما فيها تريحيها في العيد.”
سكت خالص.
أمّي طول عمرها كانت بتستخدم مصاريف الكلية دي كدليل قاطع على تضحياتها الجبارة عشاني.
المشكلة إني أصلًا ما كملتش كليتي.
سيبت الجامعة بعد أول ترم عشان قالوا لي مفيش فلوس تكفي أمل تعليمي.
ولما فكرت زياد بالكلمة دي، اتنرفز.
وبعدها قال حاجة واضح إنه ما كانش قاصد يقولها خالص.
قال: “دي حتى استعملت حسابك القديم لما شغل بابا وقع زمان!”
اتسمّرت مكاني.
سألته بصوت مكتوم: “حساب إيه؟”
سكت.
وبعدين حس إنه جاب لنفسه الكلام فحاول يغير الموضوع بسرعة.
بعد ما قفلنا التليفون، قعدت بالساعات أدور في الإيميلات والملفات القديمة لحد ما لقيتها.
مستند بنكي.
حساب متسجل باسمي وأنا لسه صغيرة.
وكان مكتوب جنبه ملحوظة بسيطة توجع القلب:
“مدخرات مصاريف تعليم علياء فقط.”
الرصيد كان مسحوب ومصفر من خمس سنين.
نفس السنة اللي زياد خرج فيها فجأة من أزمة مالية طاحنة.
وتوقيع سحب الفلوس كان عليه إمضاء اتنين.
منى… أمّي.
وأنا.
قعدت أبص على توقيعي ومستغرباه.
سنين طويلة وأنا مقتنعة إن مفيش فلوس وإننا على قد حالنا. كنت بتفرج على خويا وهو بيخرج من مشكلة مالية ورا التانية، بينما أنا اتعلمت أرضى بالقليل، وأطلب الأقل، وأكون مفيدة وخلاص.
دلوقتي، أنا ماسكة في إيدي حاجة بتحكي قصة تانية خالص.
بعد الظهر، فتحت جروب العيلة بتاع العيد.
وعملت جروب تاني جديد.
ضفت الناس كلها فيه… ما عدا أمّي وزياد.
كتبت لهم إن منى حاسة بإرهاق وإنها عايزة تعمل عيد مصغر وهادئ. ولو أي حد لسه حابب ييجي يتعشى ويحتفل في مكان دافئ، فشقتي جاهزة ومرحبة بالكل.
وضغطت إرسال.
الردود بدأت تيجي ورا بعضها على طول.
“والله العيد المصغر ده بيبقى الذ وأهدى.”
“احنا كده كده كنا جايين عشانك يا لولو.”
“ينفع أجيب معايا حلو؟”
رسالة ورا رسالة بتنور على الشاشة.
ولأول مرة، العيد المثالي بتاع أمّي ما كانش واقف عليّ عشان أمسكه من الإنهيار.
العيد كان بيتنقل لمكان تاني خالص.
على بالليل، القرايب بدأوا يسألوا هنجيب أكل إيه معانا. وتيتا وافقت تيجي. شقتي بدأت تتحول لشكل العيد اللي قعدت سنين أبنيه عشان خاطر ناس تانية.
وهنا بقى، أمّي خدت بالها.
رنّت عليّا وهي في قمة الغضب والجنان.
اتهمتني إني بلف كلامها وبحرفه. وقالت إني بقلب العيلة كلها ضدها. وقللت من سنين التعب والشغل وقالت عليه مجرد “شوية رسايل وبسكويت”.
وفكرتني تاني بكل اللي ضحيته عشاني وعشان مستقبلي (على حد زعمها).
بصيت على المستند البنكي في إيدي.
وسألتها بهدوء: “تضحياتك في مدخراتي؟ ولا مدخراتي أنا؟”
الخط سكت تمامًا.
وصوتها اتغير فجأة.
“إنتي بتخرفي تقولي إيه؟”
فتحت سكرين شوت حساب الكلية اللي متصفر.
وفي الأول، فكرت أبعته لبيت العيلة القريبين بس.
وبعدين غيرت رأيى.
اخترت جروب العيلة الكبير.
خالاتي وخيلاني.
عمامي وولاد عمي.
تيتا.
الكل.
أمّي كانت لسه بتتكلم على الخط لما أرفقت السكرين شوت وكتبت تحتيها جملة واحدة مختصرة تشرح الحكاية.
سهم الإرسال الأزرق ظهر جنب صباعي.
وبعدها منى قالت جملتها التانية:
“محدش محتاجك تيجي. احنا هنبقى زي الفل من غيرك.”
بطلت أسمعها خلاص.
لأن الست اللي كانت فاكرة إنها طردتني وخرجتني من العيد، ما كانتش عارفة أصلًا أنا ماسكة إيه في إيدي—ولا كام واحد دلوقتي هيشوف الحقيقة بعينه.
صباعي اتحرك على الشاشة.
ولأول مرة في حياتي، سكوتاي ما حسسني أبداً إني استسلمت.

المشهد الأول
صباعي اتحرك على الشاشة.
وضغطت إرسال.
السكرين شوت نزلت في جروب العيلة.
ثانية.
ثانيتين.
تلاتة.
مفيش أي رد.
بس أنا كنت عارفة إن السكوت ده مش سكوت عادي.
كان سكوت ناس بتقرأ حاجة عمرها ما كانت متخيلة إنها هتشوفها.
بصيت للموبايل وحطيته على الترابيزة.
أمي كانت لسه على الخط.
قالت بصوت عالي:
— إنتي عملتي إيه يا علياء؟
ما رديتش.
— أنا بكلمك!
قلت بهدوء:
— سامعاكي.
— إنتي بعتّي إيه للجروب؟
— المستند.
— مستند إيه؟
— حساب مصاريف تعليمي.
سكتت.
لأول مرة في حياتي أسمع أمي وهي مش لاقية رد جاهز.
وبعدين قالت:
— إنتي فاهمة غلط.
ضحكت ضحكة صغيرة من غير فرحة.
— ممكن تشرحيلي.
— الحساب ده كان بتاع العيلة.
— مكتوب عليه باسمي.
— كنتي صغيرة ومش فاهمة.
— بس توقيعي موجود.
— أنا كنت بساعدك.
— الرصيد اتسحب كله.
— كان لازم.
الجملة وقعت بينا زي حجر.
سألتها:
— كان لازم ليه؟
مفيش رد.
— كان لازم ليه يا أمي؟
سمعتها بتتنفس بسرعة.
— زياد كان في أزمة.
غمضت عيني.
كأن آخر قطعة في اللغز اتحطت مكانها.
قلت:
— يعني الفلوس كانت بتاعتي.
— فلوسنا كلنا.
— لأ. كانت مدخرات تعليمي.
— وإنتي أصلاً ما كملتيش تعليمك.
— عشان إنتي قلتي مفيش فلوس.
سكتت.
المرة دي سكتت وقت أطول.
وبعدين قالت:
— كنتي هتعملي إيه يعني؟ تسيبي أخوكي يضيع؟
ابتسمت بسخرية.
— وأسيب نفسي تضيع عادي؟

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى