
— علياء!
— أنا سيبت الجامعة يا أمي عشان الفلوس. اشتغلت وأنا لسه صغيرة. ما طلبتش كورسات. ما طلبتش عربية. ما طلبتش دهب. حتى لما كنت محتاجة هدوم جديدة كنت بستنى لما حد يجيبلي حاجة.
صوتها ارتفع:
— وأنا عملت كل ده عشانك!
— وأنا بقولك دلوقتي إنك عملتي حاجات كتير عشاني. بس مش من حقك تستخدميها عشان تمسحي حاجات تانية حصلت.
وقبل ما تكمل كلامها، الموبايل بدأ يهتز.
رسالة في الجروب.
خالو أحمد.
“أنا مش فاهم. الحساب ده فعلاً كان باسم علياء؟”
بعدها تيتا:
“أنا أول مرة أشوف الورقة دي.”
ثم خالتي سمر:
“منى ممكن توضحي لنا؟”
أمي قالت بسرعة:
— اقفلي الجروب.
قلت:
— ليه؟
— عشان ده كلام عيلة.
— ما هو جروب العيلة.
— إنتي عايزة تفضحيني؟
هنا لأول مرة صوتي اتغير.
— أنا ما فضحتكيش. أنا وريتهم ورقة إنتي كنتي مخبياها.
قالت:
— إنتي ناكرة للجميل.
الكلمة دي كانت دايمًا أقوى سلاح عندها.
لكن المرة دي ما وجعتنيش.
قلت:
— يمكن.
سكتت.
— يمكن أنا فعلًا جاحدة زي ما بتقولي.
وقلت:
— بس لو أنا جاحدة عشان بس بطلب حقي… يبقى أنا موافقة.
وقبل ما تقفل، سمعتها بتقول:
— العيد ده هتندمي إنك عملتي كده.
رديت:
— يمكن.
وقلت:
— بس المرة دي الندم مش هيكون على إني ما جيتش.
قفلت.
حطيت الموبايل على الترابيزة.
ولأول مرة حسيت إن نفسي بقى طويل.
كأن حد كان ماسك رقبتي سنين ورفع إيده فجأة.
بعد أقل من دقيقة، زياد بعتلي خاص.
“إنتي مجنونة؟”
ما رديتش.
بعت تاني:
“إنتي عارفة إنك كده بتبوظي العيد؟”
كتبت:
“العيد اتلغى عندي من اللحظة اللي أمي قالتلي محدش محتاجني.”
رد:
“إنتي فاهمة الموضوع غلط.”
قلت:
“أهو أنت وأمي متفقين في الجملة دي.”
وبعدين قفلت الموبايل.
لكن اللي حصل بعدها كان أكبر بكتير من أي حاجة كنت متوقعة.
لأن بعد حوالي عشر دقايق، خالو أحمد كتب في الجروب:
“أنا عندي سؤال واحد. مين سحب الفلوس؟”
ولا حد رد.
وبعدين تيتا كتبت:
“منى.”
كلمة واحدة.
وبس.
لكنها كانت كفاية.
المشهد الثاني
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت جرس الباب.
فتحت.
لقيت تيتا واقفة.
في إيدها شنطة صغيرة.
قلت:
— تيتا! إنتي جيتي؟
ابتسمت وقالت:
— هو مش أنا مدعوة؟
ضحكت.
حضنتها.
ودخلتها.
بعدها بشوية خالتي سمر جت ومعاها ولادها.
وبعدها خالو أحمد.
وبعدين ناس ما كنتش متوقعة تشوفهم أصلًا.
كل واحد داخل بحاجة.
واحد جايب حلويات.
واحدة جايبة أكل.
واحد جايب زينة.
وفي أقل من ساعتين، شقتي اللي كانت هادية اتحولت لبيت مليان أصوات.
ضحك.
كلام.
ريحة أكل.
أطفال بيجروا.
وتيتا قاعدة في الصالة بتضحك من قلبها.
بصيت حواليّا.
أنا اللي كنت سنين بجهز بيت أمي.
دلوقتي بيتي أنا هو اللي الناس جاية له.
مش عشان أنا منظمة العيد.
مش عشان أنا بلم الناس.
بس عشان هم عايزين يكونوا معايا.
بعد الضهر، خالو أحمد قعد جنبي.
قال:
— علياء.
— نعم؟
— الورقة اللي بعتّيها… عندك الأصل؟
قلت:
— آه.
— ممكن أشوفه؟
طلعت الملف من درج المكتب.
قلب فيه شوية.
وبعدين رفع عينه وقال:
— التوقيعين دول واضحين.
سألته:
— يعني إيه؟
قال:
— يعني إن الحساب كان باسمك، وأي سحب كبير منه لازم يكون موثق.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— بس في حاجة أغرب.
— إيه؟
— تاريخ فتح الحساب.
بصيت له.
قال:
— الحساب ده اتفتح قبل ما تسيبي الجامعة بسنين.
— عارفة.
— لأ. مش قصدي كده.
طلع ورقة تانية.
— الحساب اتفتح أصلًا عشان والدك كان عامل خطة تعليم لأولاده.
سكت.
— لأولاده؟
— أيوه. ليكي ولزياد.
قلت:
— بس أنا عمري ما عرفت.
خالو أحمد بصلي بحزن.
— واضح إنك ما كنتيش تعرفي حاجات كتير.
في اللحظة دي، الموبايل رن.
زياد.
رفضت المكالمة.
رن تاني.
رفضت.
بعدها رسالة:
“لازم نتكلم.”
ما رديتش.
بعدها رسالة:
“أنا جاي.”
رفعت عيني لخالو أحمد.
قلت:
— هو جاي هنا؟
قال:
— غالبًا.
وبالفعل.
بعد نص ساعة، الجرس رن.
فتحت.
زياد واقف.
وشه متوتر.
دخل من غير ما يستأذن.
بص حواليه.
لقى تيتا.
وخالاتي.
وخوالي.
والأطفال.
كلهم في شقتي.
قال:
— إيه ده؟
ردت خالتي سمر:
— عيد.
بصلها.
— عيد؟
قالت:
— أيوه. زي ما كان المفروض يبقى.
بصلي.
— علياء، ممكن نتكلم لوحدنا؟
قلت:
— اتفضل.
دخلنا المطبخ.
قفل الباب.
قال:
— إنتي عايزة توصلي لإيه؟
— ولا حاجة.
— طب بعتّي الورقة ليه؟
— عشان الناس تعرف.
— تعرف إيه؟
بصيت له.
— إن فلوسي راحت عشان أزمتك.
وشه احمر.
— أنا ما طلبتش منك حاجة.
— عارف.
— أمي هي اللي تصرفت.
— وعرفت؟
سكت.
— كنت عارف يا زياد؟
قال بسرعة:
— عرفت بعدها.
— إمتى؟
— مش فاكر.
— إمتى؟
اتنهد.
— من كام سنة.
حسيت بحاجة بتوجعني في صدري.
— يعني كنت عارف إن فلوس تعليمي اتاخدت؟
قال:
— أنا كنت في مشكلة.
— وأنا كنت بره الجامعة.
— الموضوع مش بالشكل ده.
— أمال إزاي؟
سكت.
قلت:
— إنت كنت بتدفع أقساط عربية جديدة.
بصلي.
— وكنت مسافر.
— كنت محتاج.
— وأنا كنت محاجة تعليم.
قال بعصبية:
— ما ترجعيش كل حاجة للماضي!
— إنت اللي رجعت الماضي لما قلت إن أمي دفعتلي الجامعة.
— أنا كنت بدافع عنها.
— وأنا دلوقتي بدافع عن نفسي.
سكت.
وبعدين قال:
— طيب. عايزة فلوسك؟
قلت:
— آه.
ضحك ضحكة عصبية.
— معنديش.
— مش مشكلتي.
— أمي معندهاش.
— مشكلتي؟
— إحنا عيلة.
قلت:
— العيلة مش كلمة بنستخدمها بس لما حد يحتاجني.
وقف ساكت.
وقبل ما يخرج، قال:
— أمي هتكرهك.
بصيت له.
— هي أصلًا مش بتحبني زي ما كنت فاكرة.
خرج.
وأنا فضلت واقفة في المطبخ.
بعدها بدقايق دخلت تيتا.
بصتلي.
وقالت:
— تعالي.
قعدت جنبها.
مسكت إيدي.
وقالت:
— أمك طول عمرها بتخاف من حاجة واحدة.
— إيه؟
— إن الناس تعرف الحقيقة.



