
“صافي… لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى اللي حصل لي ماكانش موت طبيعي، وواحد من الناس اللي وثقت فيهم كان آخر شخص شافني قبل ما أموت.”
فضلت باصة للجملة كذا ثانية، مش قادرة أستوعب.
إيدي كانت بتترعش، والورقة بتتهز بين صوابعي.
بنتي قربت مني.
— ماما… كملي.
رفعت عيني راحت على جمال.
وجمال كان واقف ثابت، بس وشه اتغير.
أنا بصيت له.
— إنت كنت آخر واحد شاف جوزي قبل ما يموت؟
جمال ما ردش.
السؤال فضل معلق في الهوا.
رفعت قال بسرعة:
— كان فيه ناس كتير حواليه.
بصيت له.
— أنا ما سألتكش.
جمال أخد نفس طويل.
— أيوه.
بنتي شهقت.
— أيوه إيه؟
قال:
— كنت آخر واحد شافه.
حسيت إن قلبي وقف.
— وكنت معاه فين؟
— في مكتبه.
— وبتعملوا إيه؟
— بنتكلم.
— عن إيه؟
سكت.
صرخت:
— عن إيه يا جمال؟
قال بصوت مبحوح:
— عن الأوراق.
رفعت قاطعه:
— والأوراق كانت معاه.
بصيت له.
— أنهي أوراق؟
جمال قال:
— المستندات اللي في الصندوق.
بصيت للصندوق.
كان مفتوح.
الأوراق قدامي.
— طيب فين باقي الأوراق؟
جمال اتوتر.
— كانت موجودة.
— فين؟
— مش عارف.
رفعت ضحك.
— عارف.
جمال لف له.
— اسكت.
— إنت اللي اسكت.
أنا وقفت بينهم.
— كفاية!
الاتنين سكتوا.
مسكت الورقة.
— جوزي كتب إنه كان خايف يموت.
رفعت قال:
— أيوه.
— وكان عارف إن حد ممكن يأذيه.
— أيوه.
— وإنت كنت عارف؟
— أيوه.
— وجمال كان عارف؟
— أيوه.
بصيت للاتنين.
— يبقى ليه محدش قال لي؟
محدش رد.
فجأة بنتي لقت صورة في الصندوق.
رفعتها.
— ماما…
بصيت لها.
كانت صورة قديمة لجوزي الأول واقف جنب جمال.
وفي الخلفية كان فيه شخص تالت.
راجل واقف بعيد.
وشه واضح.
أنا قربت الصورة من عيني.
واتجمدت.
— ده…
بنتي قالت:
— تعرفيه؟
قلت:
— أيوه.
جمال بص للصورة.
— مين؟
قلت:
— الدكتور اللي قال لي إن جوزي مات بأزمة قلبية.
جمال قرب بسرعة.
— مستحيل.
ناولته الصورة.
فضل يبص فيها.
رفعت قال:
— هو نفسه.
بنتي سألت:
— وإيه اللي يخليه موجود معاهم؟
جمال قال:
— لأنه كان شريكهم.
— شريك مين؟
محدش رد.
وفجأة سمعنا خبط شديد على الباب.
صوت الراجل اللي بره:
— جمال! افتح الباب!
جمال بص لنا.
— ده مش صوت اللي توقعتهم.
قلت:
— أمال مين؟
جمال ما ردش.
الباب اتخبط تاني.
— جمال! إحنا عارفين إنكم جوه!
رفعت قرب من الباب.
وبص من فتحة صغيرة.
رجع بسرعة.
— لازم نطلع من هنا.
قلت:
— الباب مقفول.
قال:
— فيه مخرج خلفي.
جمال بدأ يدور في الحائط.
بنتي حضنت بنتها.
وأنا فضلت ماسكة الورقة.
وفجأة لقيت في آخرها رقم مكتوب بخط صغير.
“17 – 3”
قلت:
— استنوا.
جمال بص لي.
— إيه؟
— الرقم ده مش مجرد رقم الباب.
رفعت قال:
— إنتِ فاهمة حاجة؟
— جوزي كان دايمًا بيرتب أوراقه بالأرقام.
بنتي قالت:
— يعني إيه؟
— 17 رقم الغرفة… و3 يمكن رقم الدرج.
جمال فتح الدولاب الحديد.
كان فيه تلات أدراج.
فتح الأول.
فاضي.
فتح التاني.
فاضي.
فتح التالت.
لقي ظرف صغير.
فتحه.
خرج منه شريط تسجيل قديم.
جمال بص له.
— ده مسجل صوت.
قلت:
— عندنا جهاز يشغله؟
رفعت قال:
— في المكتب القديم فيه جهاز.
جمال قال:
— المكتب مقفول من سنين.
— نقدر ندخله؟
— أيوه.
بنتي قالت:
— ومين قال إننا لازم نرجع؟
قبل ما نرد، سمعنا صوت زجاج بيتكسر في الممر.
حد دخل المبنى.
جمال قال:
— مفيش وقت.
أخدنا الشريط وخرجنا من الغرفة من باب خلفي صغير.
جرينا في ممر ضيق لحد ما وصلنا لسلم خلفي.
نزلنا بسرعة.
لما خرجنا من المستشفى، ركبنا العربية.
جمال ساق بأقصى سرعة.
وأنا ماسكة الشريط في إيدي.
ولا كلمة اتقالت.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وصلنا لمكتب قديم.
جمال فتح الباب بمفتاح كان معاه.
دخلنا.
المكان كله تراب.
فتح درج مكتب.
طلع جهاز تسجيل قديم.
حط الشريط.
ضغط تشغيل.
في الأول سمعنا تشويش.
وبعدين…
صوت جوزي.
صوت كنت فاكرة إني مش هسمعه تاني.
— لو التسجيل ده اشتغل، يبقى أنا غالبًا مش موجود.
حطيت إيدي على بوقي.
بنتي بدأت تبكي.
الصوت كمل:
— صافي… أنا آسف إني خبيت عنك. كنت فاكر إني لو بعدتك عن الموضوع هحميكي.
صوت نفس طويل.
— بس أنا اكتشفت إن فيه شخص قريب مني جدًا هو اللي بيسرب المعلومات.
جمال بص للأرض.
الصوت كمل:
— مش عارف مين هو، لكني حطيت دليل في مكان محدش هيفكر يدور فيه.
سكت التسجيل لحظات.
ثم قال:
— ولو حصل لي حاجة، ما تثقيش في أي ورقة رسمية تخص وفاتي قبل ما تسمعي التسجيل للنهاية.
أنا بصيت لجمال.
هو كان بيبص للجهاز.
ثم ظهر صوت تاني في التسجيل.
صوت راجل.
قال:
— كفاية يا عماد.
جوزي رد:
— أنا مش هسكت.
الصوت التاني قال:
— إنت فاكر إنك لو فضحتنا هتنجو؟
أنا شهقت.
لأن الصوت…
كان مألوفًا جدًا.
بنتي بصت لي.
— ماما…
رفعت قال:
— إنتِ عرفتي الصوت؟
هزيت راسي ببطء.
— أيوه.
جمال قرب مني.
— مين؟
بصيت له.
وبعدين قلت:
— ده صوت الدكتور.
سكت التسجيل لحظة.
ثم جاء صوت جوزي:
— لو أنا مت، صافي لازم تعرف إن الدكتور ده مش لوحده.
الصوت التاني ضحك.
— ومين قال لك إنها هتعيش أصلاً عشان تعرف؟
صرخت:
— يا نهار أبيض!
جمال أوقف التسجيل.
بصيت له.
— ليه وقفته؟
قال:
— لازم نخرج.
— لأ.
— صافي، اسمعيني.
— شغله!
— لأ.
— شغله يا جمال!
بص لي بعينين مليانين خوف.
— لأن الجزء اللي جاي…
سكت.
— إيه؟
قال:
— الجزء اللي جاي فيه اسمي.
اتجمدت.
— اسمك؟
هز راسه.
— أيوه.
بنتي قالت:
— شغله.
جمال بص لها.
— إنتِ مش فاهمة.
قالت:
— لأ، أنا فاهمة كويس.
ثم قربت من الجهاز وضغطت زر التشغيل.
رجع التسجيل.
صوت جوزي:
— جمال…
صمت ثواني.
— لو أنت بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا خلاص فقدت الثقة فيك.
جمال غمض عينيه.
أنا بصيت له.
والتسجيل كمل:
— لكن لو كنت لسه واقف في صفّي، يبقى عندك فرصة واحدة تصلح اللي حصل.
ثم سمعنا صوت باب بيتفتح في التسجيل.
وصوت خطوات.
وبعدين صوت جوزي وهو بيقول:
— استنى… إنت هنا ليه؟
وصوت راجل تاني رد:
— جاي أخد الحاجة اللي عندك.
جوزي قال:
— مستحيل أديها لك.
الصوت رد:
— يبقى للأسف مفيش حل تاني.
ثم سمعنا صوت خبط قوي.
وبعده وقع شيء على الأرض.
ثم انقطع التسجيل.
فضلنا ساكتين.
بنتي قالت:
— ده كل حاجة؟
جمال هز راسه.
— لأ.
— أمال؟
— الشريط بيتكمل.
ضغط على الجهاز.
رجع صوت التشويش.
ثم صوت جوزي، لكنه كان أضعف.
— لو وصلتوا للجزء ده…
صوته انقطع.
رجع.
— يبقى اللي حصل لي حصل فعلًا.
ثم قال جملة واحدة خلتني أحس إن الدم اتجمد في عروقي:
— الشخص اللي تسبب في موتي مش غريب عن البيت… هو حد دخل حياتك بعدي، وكنتِ فاكرة إنك لقيتي معاه الأمان.
رفعت بص لي.
بنتي بصت لجمال.
وأنا…
ماقدرتش أبص لأي واحد فيهم.
لأن في اللحظة دي بالذات…
افتكرت أول يوم جمال دخل فيه بيتي.
وافتكرت حاجة صغيرة جدًا حصلت وقتها.
حاجة مااهتمتش بيها.
حاجة كنت فاكرة إنها صدفة.
لكن دلوقتي…
بعد ما سمعت التسجيل…
فهمت إن جوزي الأول كان عارف إن جمال هيظهر في حياتي قبل ما أموت بوقت طويل.
وفجأة…
جمال نفسه قال بصوت مكسور:
— صافي… لازم تعرفي الحقيقة.
رفعت قال بسرعة:




