
بعد ما جوزي مات كنت مخبية سر يغيّر حياتي عن عيلته كلها. طارق كان سايبلي السيطرة على ثروة خاصة قيمتها بتقرب من خمسمية مليون دولار، ومحدش كان يعرف حاجة عن الموضوع ده لأني كنت عايزة أشوف عيلته هتتعامل معايا إزاي وهم فاكرين إن اتفاق الجواز اللي بينا سايبني من غير أي حاجة.
في اللحظة اللي خرجت فيها من القاعة ماحسيتش إني انتصرت، ولا حسيت إني أخيرًا خدت حقي. بالعكس، كنت حاسة إن في حاجة تقيلة جوا صدري؛ إحساس غريب بيقوللي إن طارق كان مخبي عني حاجة أكبر من كل اللي عرفته خلال الست شهور اللي فاتوا.
وقفت في ممر طويل بعيد عن دوشة الحفل، وبصيت للحلق اللي في ودني؛ الحلق اللي طارق جابهولي قبل وفاته بشهرين. وقتها أصر إنه يخرج معايا بنفسه، ودخل محل مجوهرات صغير وقال لصاحبه: “عايز حاجة سلمى تحبها.” ولما سألته إيه الهدية دي، قاللي: “عشان لو أنا نسيت أقولك كل يوم إنتي غالية عندي، الحاجة دي تفكرك.”
فجأة سمعت صوت ورايا. لفيت، كان حسام واقف على بعد خطوات مني، مرتبك، وقال بصوت هادئ:
* أنا لازم أقولك حاجة عن طارق. طارق قبل ما يموت بأسبوعين طلب مني أسلم ظرف للمحامي الأستاذ سامح، بس طلب مايسلمكيش الظرف إلا بعد اجتماع الليلة دي. أنا متوقع إن طارق كان عارف إن الليلة دي هتتطلب وضوح الحقيقة.
رجعت البيت، وفي تاني يوم الصبح رحت مكتب الأستاذ سامح. أول ما دخلت، طلع ظرف بني كبير عليه اسمي بخط طارق. فتحته وقريت رسالته:
“سلمى، لو إنتي بتقري الكلام ده فمعناه إني مش موجود. الثروة اللي سبتها لك مش أهم حاجة، الأهم إنك تعرفي إن جزء كبير من اللي بنيته كان له هدف أبعد من الفلوس. وإنتي أكثر شخص مناسب يكمل الطريق.”
سامح طلع مستندات تانية بتوضح إن طارق أسس مؤسسة خيرية لدعم مستشفيات ومراكز علاج في مناطق فقيرة، وإن عيلة الشامي كانت حابة تغير مسار بعض المشاريع لاتجاهات تجارية، بينما طارق تمسك بأن تظل الأرض للخدمات الطبية والخيرية. كما احتوت المستندات على إشارة لوجود “صندوق أسود” تركه طارق في بيت أبي القديم.
في نفس اليوم، رحت بيت أبويا القديم. دخلت أوضة المكتب، وبمساعدة مفتاح قديم وذكرى يوم ذكرى زواجنا وتاريخ أول يوم تقابلنا فيه، قدرت أفتح الصندوق المعدني الأسود. كان جواه فلاشات، وثائق، عقود، وخطابات بتأكد إن المشروع الطبي الخيري هو حلم مشترك بدأه والدي قديمًا وكمله طارق، وكان موصي بأن تكون الإدارة النهائية لي وحدي.
على مدار أسابيع، بدأت أراجع كل شيء، أتعلم، وأقابل الموظفين والمسؤولين. وفي نفس الوقت، بدأت أجهز أول مركز طبي باسم طارق في منطقة محتاجة للخدمات الصحية، وأعلنت أن العلاج الأساسي هيكون مجاني لغير القادرين.
بعد أشهر، أقيم حفل سنوي كبير حضرتُه بدعوة رسمية. دخلت القاعة وأنا لابسة فستان سهرة أخضر غامق والحلق الماس. نظرات الدهشة ظهرت على وجه نوال وداليا وحسام. قربت منهم وقلت بهدوء:
* مؤسسة طارق الشامي الخيرية هتبدأ شغلها السنة دي، وميزانيتها هتكون مخصصة بالكامل لدعم الرعاية الصحية المجتمعية.
حسام فهم سريعًا أن طارق بنى إمبراطوريته واستثماراته بعيدًا عن أملاك العائلة، وأن اختياري لإدارة المؤسسة كان قرارًا واعيًا وموثقًا قانونيًا.
مع مرور الوقت، كبرت المؤسسة وبدأت المراكز الطبية تنتشر وتساعد آلاف المرضى، وصار اسم طارق مرتبطًا بالأمل والعمل الإنساني. أما عيلة الشامي، فتراجعت الخلافات بينهم بعد أن تبين قانونيًا أن كل الاستثمارات والمشروعات الطبية كانت مستقلة تمامًا وتعمل وفق شروط قانونية واضحة.
في أحد الأيام، جاءت داليا لبيتي بمفردها، وبدت متعبة وهادئة. قالت باعتذار صادق عن التوتر الذي ساد الماضي وعن سوء التفاهم الذي حدث سابقًا. قلت لها بهدوء:
* أنا سامحتك، لأن السماح راحة للقلب، ومش عايزة أشيل أي ضغينة تعطلني عن طريقي.
ومرت السنوات، وتوسعت المؤسسة أكثر فأكثر، وأصبحت من أبرز المؤسسات الخاصة في مجال الرعاية الصحية. وفي يوم من الأيام، زارتنا نوال في أحد المراكز، وقفت طويلًا أمام صورة طارق، ثم نظرت إلي وقالت بصوت هادئ:
* كان عنده حلم كبير، وأنا فخورة به.. وفخورة بيكي يا سلمى.
ابتسمت لها وقلت:
* شكرًا لكِ، هذا حق طارق الذي ترك أثراً طيباً يبقى للأبد.
خرجت نوال بهدوء، وفضلت واقفة أمام الصورة، متذكرة كل كلمة وكل نصيحة تركها لي طارق. أدركت حينها أن الإنسان قد يفقد الكثير في رحلة الحياة، لكن طالما لديه قلب يحب، وعقل يتعلم، وإرادة تكمل مسيرة الخير، فلن يخسر شيئًا أبداً.
فالخمسمية مليون دولار لم تكن مجرد أرقام وحسابات، بل كانت أمانة وثقة حقيقية تهدف إلى ترك أثر يفيد الناس ويحيي أحلاماً لم تموت بموت أصحابها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



