روايات وقصص

لزهرة الربيع 1

دخل الراجل الشقة بخطوة واحدة، لكن أول ما عيني وقعت عليه حسيت إن الدنيا كلها وقفت.

كان راجل في أواخر الخمسينات، لابس جلابية رمادي فوقها جاكت غامق، وملامحه هادية بشكل يخوف. ماكانش باين عليه إنه داخل يعمل خناقة، ولا حتى مستعجل.

وقف عند الباب وبص لنا واحد واحد.

وبعدين عينه ثبتت على جمال.

— لسه هنا يا جمال؟

جمال ما ردش.

أنا بصيت بينهم.

— إنت مين؟

الراجل ابتسم ابتسامة صغيرة.

— أنا اسمي رفعت.

بنتي شدت بنتها ناحيتها أكتر.

— وإنت جاي هنا ليه؟

رفعت بص لي.

— عشان المفتاح.

إيدي اتقفلت على المفتاح من غير ما أحس.

رفعت لاحظ الحركة.

— شايفة؟ كنت متأكد إنه عندك.

جمال وقف قدامي.

— امشي يا رفعت.

ضحك بهدوء.

— إنت لسه فاكر إنك تقدر تأمرني؟

— المكان ده مش مكانك.

— ولا مكانك.

الجملة الأخيرة خلتني أبص لجمال.

— يعني إيه؟

رفعت دخل خطوتين وقفل الباب وراه.

— اسألي جوزك الجديد يا مدام صافي.

بصيت لجمال.

— هو بيقول إيه؟

جمال قال بسرعة:

— بيحاول يلعب في دماغك.

رفعت هز راسه.

— لا يا صافي. أنا جاي أقول لك الحقيقة قبل ما تضيع منك.

اسمي من بقه خلاني أتخض.

— إنت تعرف اسمي منين؟

— أعرف أكتر مما تتخيلي.

جمال قرب منه.

— اخرس.

رفعت ضحك.

— إنت لسه بتخاف عليها؟

جمال اتجمد.

أنا سألت:

— تخاف عليا من إيه؟

رفعت قال:

— من اللي حصل قبل كده.

جمال قال بعصبية:

— مفيش حاجة حصلت.

رفعت بص له.

— متأكد؟

وبعدين بص لي وقال:

— جوزك الأول ما ماتش زي ما إنتِ فاكرة.

سكت البيت كله.

أنا حسيت إن وداني بطلت تسمع.

— إيه؟

بنتي قالت:

— يعني إيه؟

رفعت قرب خطوة.

— الراجل مات فعلًا… بس اللي حصل قبل موته بيومين هو اللي يهمك.

قلت:

— جوزي مات بمرض.

— أيوه، ده اللي قالوه لك.

— مين قال؟

— الدكتور.

— والدكتور كان شريك في إيه؟

رفعت ابتسم.

— اسألي جمال.

لفيت لجمال.

— رد.

جمال ما ردش.

صرخت:

— رد عليا!

قال بصوت منخفض:

— كان فيه حاجات أنا ماكنتش عايزك تعرفيها.

— حاجات إيه؟

— جوزك كان عنده مشكلة.

— إنت قلت لي ديون!

— كان عنده ديون فعلًا.

رفعت قاطعه:

— والديون كانت نتيجة شغله معانا.

أنا قربت من جمال.

— معاكم؟

رفعت قال:

— كان فيه مجموعة من الناس بتشتغل في بيع وشراء عقارات قديمة، وجوزك دخل معاهم في موضوع ماكانش فاهم نهايته.

— وأنا؟

— إنتِ كنتِ نقطة ضعفه.

بنتي قالت:

— يعني كانوا بيهددوه بأمي؟

رفعت سكت.

جمال قال:

— كفاية يا رفعت.

رفعت بص له.

— لسه بدري.

أنا حسيت إني هنهار.

— أنا عايزة أعرف كل حاجة.

جمال مسك إيدي.

سحبت إيدي منه.

— ماتلمسنيش.

لأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينه.

قلت:

— إنت اتجوزتني ليه؟

ما ردش.

— جاوب.

رفعت قال:

— دي أهم إجابة.

بصيت لجمال.

— اتجوزتني عشان الشقة؟

جمال هز راسه بسرعة.

— لأ.

— عشان المفتاح؟

— لأ.

— عشان أوراق جوزي؟

سكت.

سكوته كان إجابة.

رجعت لورا.

— يا نهار أسود…

بنتي قربت مني.

— ماما، اهدي.

أنا بصيت لها.

— وإنتِ كنتِ عارفة؟

— لا.

— ولا جوزك؟

— جوزي كان عارف جزء.

رفعت قال:

— جوزها كان عارف أكتر من جزء.

بنتي بصت له.

— إنت تعرف جوزي؟

— أعرفه كويس.

— كان بيشتغل معاكم؟

— كان بيحاول يخرج منهم.

جمال قال:

— وكان لازم يخرج.

رفعت ابتسم.

— بس ماعرفش.

سكتنا.

ثم قال:

— قبل ما يموت بيوم، اتصل بيا.

أنا شهقت.

— اتصل بيك؟

— أيوه.

— وقال لك إيه؟

رفعت بص لي.

— قال لي: “لو حصل لي حاجة، خليك بعيد عن مراتي وبنتي.”

دموعي نزلت.

— ليه؟

— لأنه كان شاكك إن فيه حد بيراقبه.

— مين؟

— ماكانش عارف.

بصيت لجمال.

— وإنت؟

جمال قال:

— أنا كنت عارف.

اتصدمت.

— عارف مين؟

— إن فيه حد بيراقبه.

— وسكت؟

— كنت بحاول أحميه.

رفعت ضحك بسخرية.

— تحميه؟ إنت اللي سلمته.

جمال اندفع ناحيته.

— متتكلمش!

رفعت رفع إيده.

— لو لمستني، هقول لها الباقي.

جمال وقف.

وأنا قلت:

— قول.

رفعت بص لي.

— جوزك الأول قبل ما يموت، سلّم جمال ظرف.

جمال أغمض عينيه.

— ظرف فيه إيه؟

— صور.

— صور إيه؟

— صور لأشخاص.

— مين؟

رفعت قال:

— ناس دخلت بيتك بعد موته.

بصيت حواليا.

— إيه؟

— أيوه.

— مين دخل بيتي؟

رفعت قال:

— واحد منهم كان بيتابع الشقة من أول أسبوع بعد الوفاة.

أنا حسيت بقشعريرة.

— ليه؟

— عشان يتأكد إنك ما لقيتيش حاجة.

جمال قال:

— وده سبب إنك ماكانش لازم تعرفي.

صرخت فيه:

— إنت مالك؟! أنا حياتي! أنا بيتي! جوزي مات وأنا عشت سنين مش فاهمة حاجة!

بنتي بدأت تعيط.

— ماما، إحنا لازم نمشي.

جمال قال:

— لأ.

بصت له.

— ليه؟

— لأنهم مستنيين بره.

— مين؟

قبل ما يرد، سمعنا صوت خبطة قوية على باب الشقة.

رفعت بص ناحية الباب.

— وصلوا.

جمال بص لي.

— في مخرج تاني؟

قلت:

— المطبخ فيه سلم خدمة.

رفعت قال:

— ناخد المفتاح وننزل.

جمال قال:

— المفتاح مع صافي.

قلت:

— وأنا مش هدي المفتاح لحد.

رفعت قال:

— المفتاح مش مهم لوحده.

— أمال إيه المهم؟

قال:

— الرقم اللي عليه.

بصيت للمفتاح.

رقم 17.

— يعني إيه؟

رفعت قال:

— باب رقم 17.

— فين؟

— في المستشفى القديمة.

جمال قال:

— هناك الملف.

بنتي سألت:

— ملف إيه؟

رفعت رد:

— ملف جوز أمك.

أنا اتخضيت.

— ملف طبي؟

— أيوه.

— بس إيه علاقة ملف طبي بكل ده؟

رفعت قال:

— لأن التقرير الأخير مش موجود في المستشفى اللي اتوفى فيها.

سكت.

— أمال فين؟

— في المستشفى القديمة.

جمال قال:

— والدكتور اللي كتبه اختفى بعدها بأسبوع.

بنتي شهقت.

— اختفى؟

رفعت قال:

— ومحدش عرف مكانه.

خبطوا على الباب تاني.

المرة دي كانت أقوى.

جمال قال:

— لازم ننزل دلوقتي.

أخدنا طريق المطبخ.

بنتي شالت بنتها.

وأنا مسكت المفتاح.

قبل ما أنزل، بصيت على شقتي.

البيت اللي عشت فيه سنين.

البيت اللي اتجوزت فيه جوزي الأول.

والبيت اللي دخلت فيه جمال وأنا فاكرة إني أخيرًا لقيت الأمان.

دلوقتي بقيت مش عارفة مين كان بيحميني ومين كان بيقرب مني عشان يوصل لحاجة.

نزلنا السلم.

لما وصلنا للدور الأرضي، سمعنا صوت باب الشقة بيتفتح فوق.

حد دخل.

رفعت قال:

— بسرعة.

خرجنا من باب جانبي للعمارة.

ركبنا عربية قديمة كانت واقفة في الشارع.

جمال ساق.

أنا قعدت جنبه.

بنتي ورفعت في الخلف.

فضلنا ساكتين دقائق.

ثم سألت جمال:

— إنت كنت تعرف جوزي قبل ما تتجوزني؟

قال:

— أيوه.

— من إمتى؟

— قبل وفاته بثلاث سنين.

— وكنت عارف إني مراته؟

— أيوه.

— وكنت عارف الشقة؟

— أيوه.

— وكنت عارف المفتاح؟

سكت.

— رد.

— أيوه.

نزلت دموعي.

— يعني كل ده كان مخطط؟

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى