
— لأ.
— أمال إيه؟
قال:
— في البداية ماكنتش ناوي أتجوزك.
الكلمة كسرتني.
— وبعدين؟
— بعد ما جوزك مات، حاولت أتأكد إنك بخير.
ضحكت وسط دموعي.
— يا سلام.
— صافي…
— متقولش اسمي.
سكت.
وصلنا المستشفى القديمة.
كانت مبنى مهجور من سنين.
بابها الحديدي كان مصدي.
دخلنا من فتحة جانبية.
الجو كان مرعب.
ممرات طويلة.
أبواب مكسورة.
ورائحة تراب ورطوبة.
رفعت مشي قدامنا.
— الباب في آخر الممر.
وصلنا عند باب عليه رقم 17.
إيدي بدأت ترتعش.
طلعت المفتاح.
دخلته.
لف.
الباب فتح.
الغرفة كانت صغيرة.
فيها دولاب حديد قديم.
وطاولة عليها صندوق.
جمال قرب من الصندوق.
رفعت منعه.
— سيبه لصافي.
بصوا لي.
قربت.
فتحت الصندوق.
لقيت ظرف بني كبير.
عليه اسم زوجي الأول.
“إلى صافي… لو أنا مت قبل ما أقول لها الحقيقة.”
وقعت على الكرسي.
بنتي قربت مني.
— افتحيه يا ماما.
فتحت الظرف.
كان جواه مجموعة أوراق وصور.
لكن أول ورقة كانت مكتوبة بخط جوزي.
بدأت أقرأ:
“صافي… لو الورقة دي وصلت لك، يبقى جمال نجح في إنه يقرب منك.”
إيدي ارتعشت.
بصيت لجمال.
كان وشه أبيض.
كملت القراءة.
“بس متخافيش منه… لأن الخطر الحقيقي مش جمال.”
رفعت قال:
— كملي.
قريت السطر اللي بعده.
“الخطر الحقيقي هو الشخص اللي هيقنعك إن جمال هو عدوك.”
رفعت اتجمد.
جمال بص له.
وأنا بصيت للاتنين.
قريت السطر الأخير.
“ولو لقيتي رفعت واقف جنبك وقت ما تقري الرسالة… ما تثقيش فيه.”
الغرفة غرقت في صمت.
رفعت رجع خطوة.
بنتي قالت:
— يعني إنت…
لكن قبل ما تكمل، رفعت أخرج موبايله.
بص للشاشة.
ثم رفع عينه لينا وقال:
— للأسف… هو كان متوقع كل حاجة إلا حاجة واحدة.
قلت:
— إيه؟
ابتسم.
— إنه يموت قبل ما يعرف مين فينا خان التاني.
وفجأة…
اتسمع صوت باب الحديد بيتقفل من بره.
ثم صوت مفتاح بيلف في القفل.
اتحبسنا جوه الغرفة.
وبعد ثواني…
سمعنا صوت راجل من خلف الباب يقول:
— خلاص يا جمال… دورك انتهى.
جمال قرب من الباب ووشه اتغير.
أما أنا…
فبصيت للرسالة مرة تانية.
وكان تحت آخر سطر جملة صغيرة ماكنتش واخدة بالي منها:
“صافي… لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى اللي حصل لي ماكانش موت طبيعي، وواحد من الناس اللي وثقت فيهم كان آخر شخص شافني قبل ما أموت.”
قرأت الجملة مرتين.
وبعدين رفعت عيني ببطء.
بصيت لجمال.
كان واقف عند الباب وبيحاول يفتحه.
بصيت لرفعت.
كان واقف في الركن وبيراقبني.
وبعدين بصيت لبنتي.
كانت حاضنة بنتها وبتبص لي.
وأنا…
أنا كنت لسه ماسكة الرسالة.
وإيدي بتترعش.
لأني فهمت حاجة واحدة.
ماحدش في الأوضة دي كان بريء.
كل واحد فيهم كان عارف حاجة.
وكل واحد فيهم كان مخبي حاجة.
لكن السؤال اللي كان بيرن في دماغي…
مين اللي كان آخر واحد شاف جوزي قبل ما يموت؟
بصيت للرسالة تاني.
وفي آخر الورقة…
كان فيه اسم.
الاسم كان مكتوب بخط صغير.
قربت الورقة من عيني.
وقريت.
الاسم كان…
“رفعت.”
رفعت عيني بسرعة.
رفعت كان واقف قدامي.
ابتسم.
وقال بهدوء:
— لقيتيه؟
سكت.
قال:
— كنت عارف إنك هتوصلتي له.
قلت:
— إنت آخر واحد شافه؟
هز راسه.
— أيوه.
— ليه ما قلتش؟
— لأني كنت خايف.
— من إيه؟
قال:
— من اللي هيحصل لو عرفتي.
قربت منه.
— إيه اللي حصل؟
سكت.
وبعدين قال:
— جوزك طلب مني أجيله.
— إمتى؟
— قبل ما يموت بيوم.
— وقال لك إيه؟
— قال لي إنه عايز يعترف بحاجة.
— بحاجة إيه؟
رفعت بص لجمال.
وقال:
— إن جمال مش اللي خانك.
سكت.
— أمال مين؟
رفعت قرب مني.
وقال:
— أنا.
اتجمدت.
إنت؟
— أيوه.
ليه؟
رفعت بص ناحية الباب.
وقال:
— لأني كنت محتاج الفلوس اللي كان بيخبيها.
قلت:
— فلوس إيه؟
قال:
— فلوس العمارة.
بصيت حواليا.
— العمارة دي؟
— أيوه.
— هي مش بتاعتي؟
رفعت ضحك.
— لأ.
— بتاعة مين؟
قال:
— بتاعتي.
سكت.
كل حاجة حواليا بدأت تلف.
قلت:
— إنت بتقول إيه؟
قال:
— أنا اللي اشتريت العمارة من سنين.
— بس جوزي…
— جوزك كان بيشتغل عندي.
— إيه؟
— كان مدير العقارات بتاعي.
بنتي قالت:
— يعني إنت صاحب العمارة؟
رفعت هز راسه.
— أيوه.
قلت:
— وإنت سيبتنا نعيش فيها ليه؟
قال:
— لأني كنت عايز أعرف مين اللي بياخد الفلوس.
— فلوس إيه؟
— الإيجارات.
سكت.
— إنت مش كنت بتاخدها؟
رفعت هز راسه.
— لأ.
— مين كان بياخدها؟
بص لجمال.
وقال:
— اسأليه.
لفيت لجمال.
كان واقف عند الباب.
وشه أبيض.
قلت:
— جمال؟
قال بصوت مبحوح:
— أنا كنت باخدها.
— ليه؟
— لأني كنت محتاجها.
— لمين؟
سكت.
— لمين يا جمال؟
قال:
— لعلاج بنتي.
اتجمدت.
— بنتك؟
هز راسه.
— بنتي كانت مريضة.
— وإنت ماقلتش؟
— كنت خايف.
— من إيه؟
— من إنك تسيبي.
سكت.
بنتي قالت:
— يعني إنت كنت بتاخد فلوس العمارة عشان تعالج بنتك؟
جمال هز راسه.
— أيوه.
— وجوز أمي كان عارف؟
— أيوه.
— ووافق؟
— أيوه.
— ليه؟
جمال بص لي.
— لأنه كان طيب.
سكت.
رفعت قال:
— بس أنا ماعرفتش.
قلت:
— وإيه اللي حصل؟
رفعت قال:
— جوزك طلب مني أجيله عشان يقولي الحقيقة.
— وقلت له إيه؟
— قلت له إنه لازم يبلغ الشرطة.
— ووافق؟
— لأ.
— ليه؟
— لأنه كان خايف عليك.
— من إيه؟
— من إنك تعرفي إنه كان بيحمي جمال.
سكت.
بنتي قالت:
— يعني جوز ماما كان بيحمي جمال؟
رفعت هز راسه.
— أيوه.
— ليه؟
— لأن جمال كان صاحبه.
سكت.
كل حاجة بدأت تركب.
جمال.
رفعت.
الفلوس.
العمارة.
الملف الطبي.
قلت:
— والملف الطبي؟
رفعت قال:
— الملف الطبي مش بتاع جوزك.
— بتاع مين؟
— بتاع جمال.
لفيت لجمال.
— إنت مريض؟
جمال هز راسه.
— كنت.
— إيه؟
— سرطان.
— وخفيت؟
— أيوه.
— إمتى؟
— من سنتين.
سكت.
بنتي قالت:
— يعني إنت اتجوزت أمي وإنت عارف إنك مريض؟
جمال بص لها.
— كنت خايف أموت لوحدي.
— وإنت استغللت أمي؟
— لأ.
— أمال إيه؟
— أنا حبيتها.
سكت.
بصيت لجمال.
— إنت بتحبني؟
— أيوه.
— من إمتى؟
— من أول يوم شفتك فيه.
— وإنت كنت عارف إني مرات صاحبك؟
— أيوه.
— وبرضه اتجوزتني؟
— أيوه.
— ليه؟
— لأني كنت عايز أعيش.
سكت.
رفعت قال:
— أنا كنت عايز أحذرك.
— من إيه؟
— من جمال.
— ليه؟
— لأنه مش اللي إنتِ فاكرة.
— أمال إيه؟
رفعت بص لجمال.
— هو مش مجرد راجل عايز يعيش.
— أمال إيه؟
— هو الراجل اللي قتل جوزك.
اتجمدت.
بصيت لجمال.
وشه كان أبيض.
قلت:
— إنت قتلت جوزي؟
جمال هز راسه ببطء.
— لأ.
رفعت قال:
— قول الحقيقة.
جمال بص لي.
— أنا ما قتلتوش.
— أمال إيه؟
— أنا كنت معاه لما مات.
— يعني إنت آخر واحد شافه؟
— أيوه.
— وإيه اللي حصل؟
جمال سكت.
رفعت قال:
— جوزك كان عنده أزمة قلبية.
— وإنت عملت إيه؟
جمال قال:
— حاولت أساعده.
— وإيه اللي حصل؟
— ما قدرتش.
— وليه ما بلغتش؟
— كنت خايف.
— من إيه؟
— من إنهم يقولوا إني قتلته.
سكت.
بنتي قالت:
— وإنت سبت أمي تعيش معاك كل السنين دي وإنت عارف إنك كنت آخر واحد شاف جوزها؟
جمال بص لها.
— أنا كنت عايز أعتذر لها.
— ليه ما اعتذرتش؟
— كنت خايف.
— من إيه؟
— من إنها تكرهني.




