
كان معايا خاتم ألماظ في جيبي وواحدة تانية (يارا) مستنياني أطلب إيديها للجوّاز، وفجأة لقيت طليقتي واقفة في مطر وسط البلد الغزير ومعاها تلات أطفال صغيرين شبهي بالضبط. وخلال دقايق، سؤال واحد كان هيهد المستقبل اللي قعدت تلات سنين أبني فيه. بس حتى فكرة إن العيال دي ممكن تكون ولادي مكنتش أسوأ صدمة مستنياني اليوم ده.
اسمي رامي السويفي، واليوم اللي استهنت فيه بسارة كان هو اليوم اللي دمرت فيه نفسي.
كنت ماشي في طريق لمطعم في شارع شهاب أول ما شفتها.
سارة.
طليقتي واقفة تحت يافطة مكسورة، بالطوها الأسود الخفيف مبلول على الآخر، وتلات أطفال صغيرين متدفيين في رجلها لابسين جواكت مطر حمرا شبه بعض.
وقفت فجأة لدرجة إن الراجل اللي ورايا خبط في كتفي جامد.
“محاسب يا أخونا!”
يا دوب سمعته.
لأن كمان ساعة بالكتير، المفروض أتقدم لـ يارا مراد.
الخاتم كان خلاص في جيب بالطويا.
والترابيزة كانت محجوزة.
وكل تفصيلة في مستقبلي كانت متخطط لها.
ساعتها سارة لفت وشها.
عينيها جت في عيني.
كل لون الوش طار واختفى.
“رامي.”
صوتها مكنش مفاجئ.
صوتها كان مرعوب بجد.
قبل ما أنطق بحرف، قربت التلات عيال ليها جامد.
ساعتها الواد الصغير رفّع راسه وبصلي.
وقلبي وقف مكانه.
كان عنده عيني.
مش عيون شبه عيني لأ.. عيني بالحرف.
عسلي غامق.
وجاد جداً.
حتى الميلَة البسيطة في راسه كانت مألوفة فشخ.
شفتها قبل كده في صور طفولتي.
شفتها في المراية تمنية وتلاتين سنة.
بعدين بصيت على البنتين.
واحدة كان فيها ملامح سارة الهادية.
والتانية كان عندها ابتسامة عنيدة تحسها طالعة لأي راجل في عيلتي.
إيدي اتسحبت لجيب بالطويا.
صوابعي لمست علبة الخاتم المخمل.
مستقبل قعدت شهور أرتب له قاعد في جيب.
وتلات أطفال مكنش عندي فكرة إنهم أصلا موجودين واقفين على بعد عشر خطوات.
“عندهم كام سنة؟”
سارة بصت ناحية الشارع.
وبعدين همست: “تلاتة.”
تلاتة.
عقلي حسبها بسرعة قبل ما قلبي يستوعب.
أنا وسارة كنا متطلقين من تلات سنين بالضبط.
فجأة، الشهور الأخيرة من جوازنا شريطها عدى قدامي بسرعة البرق.
سارة وهي تعبانة ومفحوطة.
سارة وهي بتترجاني أفضل في البيت.
سارة وهي بتتحايل عليا مسافرش سفرية شغل جديدة.
وأنا بختار الشغل.
كل مرة.
وكل شوية.
خدت خطوة ناحيتها.
“دول ولادي؟”
سارة اتسمرت مكانها.
المطر كان بيخبط على السقف فوقينا.
واحدة من البنات مدت إيديها ومسكت إيدها.
سارة بصت في الأرض.
وبعدين مدت بصرها بعيد عني.
مردتش.
وسكوتها بطريقة ما وجعني أكتر بكتير لو كانت قالت آيوة.
ميكروباص لف الملف.
سارة لمّت العيال حواليها أكتر.
“لازم أُمشي.”
“لأ.”
“يا سارة، مش بمزاجك تمشي وتسيبيني بعد اللقطة دي.”
عينها لمعت.
مش بغضب.
بوجع.
“أنا خسرت حاجات كتير أوي يا رامي، كفاية.”
ركبت العيال ميكروباص واقف على الرصيف بسرعة.
الولد الصغير طلع السلم الآخر.
وقبل الباب ما يقفل، لف ورا.
وبصلي مباشرة.
عينيّ أنا اللي كانت بتبصلي من جوه.
ساعتها تليفوني هزّ في جيبي.
يارا: أنت فين؟ الكل مستنيك.
فضلت باصص للرسالة.
وبعدين فتحت العلبة المخملية.
الألماظة لمعت في نور بعد الظهر الرمادي.
من ساعة واحدة، الخاتم ده كان بيمثل مستقبلي.
دلوقتي أنا أصلاً مكنتش عارف ماضيّ كان إيه.
ركبت عربيتي ومشيت ورا الميكروباص.
بعد عشرين دقيقة، سارة نزلت هي والعيال قدام مبنى كبير.
ركنت عربيتي الناحية التانية من الشارع.
وبعدين رفعت راسي وبصيت على اليافطة.
مستشفى الأطفال التخصصي.
تلات أطفال ممكن يكونوا ولادي.
سر مكنش عندي علم بيه طول تلات سنين.
وفجأة، حسيت إن سؤال هل هم ولادي ولا لأ.. مطلعش غير البداية وبس.
دخلت المستشفى وأنا مش حاسس برجلي.
فضلت واقف عند الباب الزجاجي، والمطر ورا ضهري، والناس داخلة خارجة من قدامي، وأنا عيني معلقة على سارة وهي بتتكلم مع موظفة الاستقبال.
التلات أطفال كانوا لازقين فيها.
الولد واقف في النص.
والبنتين ماسكين في إيديها.
كنت شايفهم من بعيد، لكن كل ما أبص لهم أكتر، كنت أحس إن حاجة جوايا بتتقطع.
مش عشان الشبه.
الشبه كان واضح لدرجة تخوف.
لكن عشان سؤال واحد كان بيضرب في دماغي من غير توقف.
لو دول ولادي…
أنا كنت فين؟
كنت فين لما أول مرة مشيوا؟
كنت فين لما وقعوا؟
مين كان بيشيلهم لما يعيطوا؟
مين كان بيصحي بالليل عشانهم؟
ومين قال لهم أول كلمة؟
مين حضنهم لما خافوا؟
أنا؟
ولا واحد تاني؟
قربت من موظفة الاستقبال.
“الست اللي دخلت من شوية… سارة عبد الرحمن.”
الموظفة بصت لي.
“حضرتك قريبها؟”
اترددت.
السؤال البسيط ده خلاني أبلع ريقي بصعوبة.
“أنا… كنت جوزها.”
موظفة الاستقبال بصت ناحية سارة، وبعدها رجعت لي.
“استنى هنا لو سمحت.”
مشيت خطوتين بعيد.
في اللحظة دي تليفوني رن.
يارا.
بصيت للاسم على الشاشة وسكت.
رن تاني.
وتالت مرة.
وأخيرًا رديت.
“ألو.”
صوتها كان مليان قلق.
“رامي؟ أنت فين؟”
“في المستشفى.”
سكتت ثانيتين.
“مستشفى؟ حصل لك حاجة؟”
“لا.”
“طب إيه اللي حصل؟”
بصيت على سارة.
كانت قاعدة على كرسي، والتلاتة حواليها.
“شوفت سارة.”
الصمت اللي حصل بعدها كان أطول من اللازم.
“سارة؟”
“أيوه.”
“طليقتك؟”
“أيوه.”




