
خطيبة ابني عزمتني على الغدا في بيتهم وأنا رايحة وأنا مش في بالي غير إني أقضي يوم لطيف وأتعرف أكتر على أهلها، لكن اللي حصل هناك كان آخر حاجة ممكن أتوقعها.
من ساعة ما أحمد ابني اتخطب، وأنا كنت بحاول على قد ما أقدر ما أتدخلش في حياته. كنت بقول لنفسي دي حياته، وهو اللي اختار، وأنا دوري أنصحه بس لو طلب مني.
البنت كانت باينة محترمة، وأهلها من أول مقابلة كانوا لطاف معايا، وعشان كده ماكانش عندي أي سبب يخليني أشك فيهم. لحد ما في يوم، أم خطيبة أحمد اتصلت بيا وقالتلي:
— بكره ما تتأخريش يا طنط، هاتي أحمد وتعالوا نتغدى مع بعض ونشرب الشاي.
رديت عليها بابتسامة:
— حاضر يا حبيبتي، إن شاء الله.
قفلت التليفون وأنا مبسوطة، وقلت فرصة حلوة أقعد معاهم شوية وأتعرف أكتر على البيت وأهل البنت.
حكايات_مني_السيد
تاني يوم، لبست ونزلت مع أحمد… وفي الطريق قلتله:
— إحنا رايحين بإيدينا فاضية كده؟
ضحك وقال:
— يا ماما، إحنا رايحين نتغدى مش رايحين نخطبهم من جديد.
ضحكت وقلتله:
— اسكت يا ابني، دي أصول. مينفعش نروح لحد معزومين عنده بإيدينا فاضية.
دخلنا أفخم محل حلويات في العجمي، محل مشهور وكل أهل المنطقة تقريبًا عارفينه، واشتريت علبة جاتوه بـ600 جنيه.
أحمد بص للعلبة وقال:
— 600 جنيه يا ماما؟!
قلتله:
— أهو لما يشوفوها يقولوا أحمد وأمه ناس أصول.
ضحكنا وكملنا طريقنا. وصلنا البيت، واستقبلتنا أم البنت وبنتها بترحاب كبير….حصري على صفحة روايات و اقتباسات… قعدونا في الصالون، والأم قالت:
— استريحوا وأنا هدخل أجهز الغدا.
دخلت المطبخ، وبعد شوية أحمد قال لخطيبته:
— تعالي نقف شوية في البلكونة.
قاموا وسابوني لوحدي. في الأول فضلت قاعدة، لكن بعد شوية حسيت إني قاعدة لوحدي ومش عارفة أعمل إيه.
قلت بيني وبين نفسي: أما أقوم ألف لفة في البيت.
قمت ودخلت أول أوضة، وأول ما دخلت، وقفت مكاني.
الأرض كانت مليانة كراكيب، والهدوم مرمية في كل حتة، والسراير شكلها مايشجعش حد حتى يقعد عليها… قلت يمكن دي أوضة مش مستخدمة… دخلت الأوضة التانية لقيت نفس المنظر تقريبًا.
هدوم مرمية، حاجات فوق بعض، وكركبة في كل مكان.
بدأت أستغرب، لكن قلت يمكن أنا جيت في وقت البيت فيه مش مترتب.
بعدها دخلت الحمام… وهنا بقى مقدرتش أقول يمكن.
الحمام كان حالته صعبة جدًا، لدرجة إني خرجت منه بسرعة وأنا مقروفة. وأنا خارجة، لقيت نفسي قدام المطبخ.
دخلت خطوة واحدة بس وفجأة أم البنت ظهرت قدامي.
بصتلي وقالت بسرعة:
— خمسة بره وأنا جاية لك.
وقفت مكاني… الجملة ضايقتني جدًا. أنا ضيفة عندها، ومش داخلة أفتش ولا بدور وراها.
رجعت الصالون وأنا مخنوقة… قعدت كام دقيقة، وبعدها ناديت أحمد: يا أحمد يلا بينا.
بصلي باستغراب:
— ليه يا ماما؟ إحنا لسه هنغدى.
قلتله:
— خليك إنت لو عايز، أنا عندي مشوار.
واستأذنت من أم البنت وقلت لها إن أختي مستنياني عند البيت، ومشيت. روحت عند بنتي وجوزها، وحكيت لهم اللي حصل بالتفصيل.
جوز بنتي سمعني للآخر، وبعدين قال:
— بصي يا حماتي، أنا مش عايز أظلم الست ولا بنتها، بس لو الأم عايشة بالشكل ده، يبقى لازم تسألي نفسك البنت اتربت إزاي.
قلتله: يعني إنت شايف إن أحمد يسيبها؟
رد عليا: أنا مش بقول يسيبها بسبب أوضة أو حمام، بس الجواز مش هزار. لازم تعرفوا كل حاجة قبل ما يكملوا.
كلامه فضل في دماغي وأنا راجعة البيت. كنت بحاول أقنع نفسي إني يمكن استعجلت في حكمي، وإن اللي شوفته مش كفاية إني أحكم على ناس.
لكن بالليل، تليفوني رن… بصيت للشاشة أم خطيبة أحمد. اترددت قبل ما أرد، لكن في الآخر فتحت الخط.
قالت بصوت هادي: إنتِ مشيتي زعلانة مني؟
قلت لها بصراحة: بصراحة، طريقتك ضايقتني.
سكتت ثواني، وبعدها قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي: أنا كنت خايفة أحمد يشوف حاجة مش خايفة إنتِ تشوفيها.
قلبي دق بسرعة.
قلت لها: يعني إيه؟ إيه اللي كان ممكن أحمد يشوفه؟
لكنها ما ردتش.
سمعت صوت نفسها وهي بتتنفس بسرعة، وبعدها قالت:
— بكرة هفهمك كل حاجة.
وقبل ما ألحق أسألها أكتر قفلت السكة في وشي.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش فاهمة حاجة.
بس حاجة واحدة بقت أكيدة عندي: الست دي كانت بتخبي سر، وأنا كنت لسه ماعرفتش غير أول خيط منه.
فضلت ماسكة التليفون في إيدي وسامعة صوت الصفارة بعد ما قفلت السكة. الشاشة طفت والظلمة في الصالة كأنها تقلِت فجأة على صدري. كلمة واحدة عمالة ترن وتروح وتيجي في ودني زي صدى صوت في بير غويط: أنا كنت خايفة أحمد يشوف حاجة مش خايفة إنتِ تشوفيها.
يعني إيه؟ وايه اللي كان في البيت ومستخبي؟ هل الكركبة والهدوم المرمية على السراير دي كانت ستار بيغطوا بيه حاجة ألعن؟ ولا كانت متوترة من وجودي عشان مرتبة مصيبة؟ ألف فكرة وفكرة نزلت على دماغي زي المطر. جسمي كله كان متشنج، وقعدت على طرف الكنبة مش عارفة أقوم ولا عارفة أنام.
أحمد رجع بعد نص ساعة تقريبًا. سمعت صوت المفتاح في الباب، دخل وهو وشه مقلوب وباين عليه الزعل. رزع المفاتيح على الترابيزة وقال بعتاب: كده برضه يا ماما؟ تمشي وتسيبيني في نص العزومة؟ الستات اتكسفوا وبقوا مش عارفين يودوا وشهم فين، وخطيبتي نزلت دمعتها وقالتلي: هي مامتك مش طيقاني للدرجة دي؟
بصيتله بحرقة وكنت على وشك أقوله على كل اللي شُفته، على القرف اللي مالاش عين تقبله، على شكل البيت اللي مايرضيش ربنا، وعلى المكالمة المريبة اللي لسه مقفولة حالًا. لكن لساني لجم في آخر ثانية. افتكرت كلام جوز بنتي لما قال: بلاش تظلموا ولا تتسرعوا وافهموا الأول. لو حكيت لأحمد دلوقتي وهو دمه فاير هيفهمني غلط، هيفتكرني حمى بتلكك للبنت عشان تطفشها وخلاص، والشباب اليومين دول مابيصدقوش غير اللي على هواهم.
بلعت ريقي بصعوبة وقولتله بصوت حاولت أخليه هادي على قد ما أقدر: يا ابني أنا مش قصدي أكسر بخاطر حد، بس أنا بطني وجعتني فجأة وحسيت بدوخة ومردتش أقلقكم ولا أبهدل نفسي عند الناس.
أحمد هدي شوية، قعد جنبي وبصلي بقلق: طب ما قولتيش ليه يا أمي؟ كنا روحنا للدكتور سوا بدل ما تمشي لوحدك وتاخدي تاكسي وإنتِ تعبانة.
— محصلش حاجة يا حبيبي، شوية شاي ونعناع وبقيت كويسة. ادخل إنت نام عشان وراك شغلك الصبح وماتشغلش بالك.
قام باس راسي ودخل أوضته، وأنا فضلت قاعدة مكاني زي الصنم. مانمتش دقيقة واحدة طول الليل. كنت كل ما أغمض عيني، أشوف منظر الحمام، والهدوم اللي مرمية بعشوائية غريبة كأن البيت كان فيه مداهمة أو حد بيقلب في الحيطان، والأهم من ده كله، نظرة عين أمها لما لقيتني واقفة على باب المطبخ. النظرة دي ماكانتش نظرة ست مكسوفة من كركبة بيتها، دي كانت نظرة واحدة مرعوبة، نظرة حد اتمسك متلبس بحاجة خايف تضيع منه في لحظة.
النهار طلع ببطء شديد، وكنت حاسة إن عقارب الساعة ماشية على صدري. أحمد نزل شغله الساعة تمانية الصبح، وأول ما الباب اتقفل وراه، مسكت تليفوني وقعدت أستنى. الست قالت بكرة هفهمك كل حاجة. بكرة جه، والصبح نور، بس هي ما اتصلتش.
فضلت رايحة جاية في الشقة، غليت مياه وعملت قهوة ومادقتهاش، التوتر كان واكلني أكل. لحد ما الساعة دقت حداشر قبل الظهر، والتليفون رن برقمها.
رديت بسرعة ومن غير مقدمات: ألو.. خير يا أم ندى؟
جالي صوتها من الناحية التانية واطي ومتقطع، كأنها بتتلفت حواليها ومش عايزة حد يسمعها: صباح الخير يا طنط.. معلش على قفلة السكة إمبارح، كان غصب عني والله، الظروف حكمت.
رديت بنبرة جافة: صباح النور. قفلتي السكة بعد ما رميتي جملة توقف القلب. ودلوقتي أنا مستنية أفهم، إيه اللي أحمد ماكانش ينفع يشوفه؟ وإيه الحكاية بالظبط؟
سكتت شوية، وبعدين اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها طالعة من قاع مكسور: مش هينفع في التليفون يا طنط. الكلام ده لو اتقال في التليفون يتخرب بيوت، وإحنا ناس غلابة ومش حمل شوشرة. أنا محتاجة أقابلك.. بس بره البيت، ومن غير ما أحمد يعرف حرف واحد، ولا حتى ندى بنتي.
حواجبي اترفعوا باستغراب وسألتها: وبنتك كمان متعرفش؟! إنتوا مخبيين إيه بالظبط؟
— هقولك على كل حاجة.. تعالي نقعد في كافتيريا هادية عند محطة الترام بتاعة كليوباترا، بعد صلاة الظهر على طول، تكون الدنيا رايقة ومفيهاش زحمة. مستنياكي هناك وماتتأخريش عليا والنبي.
قفلت قبل ما ألحق أرد عليها بحرف تاني. الست دي كانت بتتحرك بطريقة ترعب. ركبتني مية عفريت، وقولت لنفسي: يا وقعة مش فايتة، ده الموضوع شكله وراه مصيبة سودة. لبست عبايتي وطرحتي ونزلت وأنا رجليا يدوب شيلاني. ركبت تاكسي وطول السكة وأنا بستغفر ربنا وأدعي إن ربنا ينجي ابني من أي شر هو مش داري بيه.
وصلت الكافتيريا قبل الميعاد بعشر دقايق. كانت مكان هادي فعلًا، الترابيزات بعيدة عن بعض وريحة البحر واصلة مع هوا خفيف. قعدت في ترابيزة جوه شوية بعيد عن الباب، وعيني على المدخل. بعد شوية، لقيتها داخلة.
كانت متبهدلة بطريقة ملفتة. لابسة عباية سودا وطرحة مش متظبطة، ووشها أصفر زي الليمونة، وتحت عينيها سواد يبين إنها مانمتش بقالها كذا يوم، مش بس إمبارح. بصت يمين وشمال لحد ما شافتني، وجت بخطوات سريعة قعدت على الكرسي اللي قدامي كأنها بتهرب من حد.
حطت شنطتها على الترابيزة بإيد بتترعش، وقالت بصوت متهدج: متشكرة إنك جيتي يا طنط.. ربنا وحده يعلم أنا في إيه من إمبارح.
بصيت في عينيها مباشرة وقولت بحزم: سيبي الشكر دلوقتي يا أم ندى، وادخلي في الموضوع على طول. إنتِ سيبتيني الليل كله بلف حوالين نفسي. ابني ناوي يربط اسمه باسمكم ويدخل بيتكوا على سنة الله ورسوله، وأنا مش هسيب ابني يغرق في بير غويط وأنا بتفرج. إيه حكاية الخوف، وإيه اللي كان مستخبي في البيت إمبارح؟
نزلت عينيها في الأرض، وبدأت تفرك صوابعها بعصبية واضحة، وبعد ثواني من السكوت رفعت راسها ودموعها محبوسة بالعافية وقالت: إنتِ شوفتي البيت مكركب ومبهدل إمبارح، صح؟ فكرتي إني ست مهملة ومقرفة ومش عارفة أنضف بيتي وبنتي طالعة زيي؟
قولت بصراحة: اللي يدخل يلاقي المنظر ده لازم هيقول كده، ده غير إنك طردتيني بشياكة لما قولتلي خمسة بره وأنا طالعة وراكي.
مسحت وشها وقالت: والله العظيم ما ده بيتي ولا ده حالي، ولا أنا طردتك، أنا كنت بموت من الرعب يا طنط. البيت ماكانش مكركب عشان إحنا مهملين.. البيت كان مقلوب عشان كان بيتدور فيه على مصيبة، وإحنا كنا بنلم في الحاجة ومش ملحقين!
ضيقت عيني وسألتها بحدة: مصيبة إيه؟! ومين اللي بيدور؟ ندى بنتك عامله إيه؟
اتنفست بصوت عالي وقالت: لا.. مش ندى. ندى متعرفش حاجة عن أصل البلاوي دي. المصيبة في أبوها.
اتصدمت وسكتت ثواني. أبوها؟ اللي قالوا لنا إنه شغال في شركة مقاولات ومسافر يخلص شغل في السويس ومش هيحضر غير على كتب الكتاب؟ قولتلها: ماله أبوها؟ مش قولتوا إنه مسافر في شغل بره إسكندرية؟
ضحكت بمرارة ووجع: مسافر إيه بس يا حسرة! أبو ندى هربان.. هربان بقاله أربع شهور. راجل استدان وطبس نفسه في شيكات وكمبيالات لناس مابيرحموش عشان مشروع وهمي دخل فيه وخسر كل مليم، وفوق ده كله واخد فلوس مش بتاعته من ناس تقال في السوق. الناس دول مش بتوع محاكم وقواضي، دول بلطجية ومسجلين بييجوا يكسروا الباب علينا في أنصاص الليالي!
جسمي قشعر وقولت بصدمة: يكسروا الباب؟! وإنتوا قاعدين في البيت كده عادي وسايبين بنتكوا معرضة للأذى؟ وجايين تخطبوا وتجوزوا وتلبسوا ابني في وسط الهوجة دي؟!
مسكت إيدي بسرعة ورجتني: اسمعيني بس للآخر والنبي يا أم أحمد، متظلمينيش. الراجل رمى الورطة فوق دماغنا واختفى، وفضلنا أنا والبنت لوحدنا. الناس دول جم البيت قبل زيارتكم بيوم، هجموا على الشقة وقلبوها عاليها واطيها بيدوروا على أوراق وعقود كانت معاه، هددونا بالقتل لو الفلوس مظهرتش. المنظر اللي شوفتيه ده كان بعد ما هما نزلوا وسابوا البيت دمار. أنا وندى قعدنا طول الليل نبكي ونحاول نعدل في الصالون بس عشان لما تيجوا مانبانش مفضوحين.. مقدرتش ألحق ألم بقية الأوض ولا الحمام، كنت منهكة ومكسورة ومرعوبة يطبوا علينا وإنتوا موجودين!
كلامها نزل عليا زي الصاعقة، بس في حاجة ماكانتش راكبة في دماغي، في حلقة مفقودة في كلامها، فسألتها على طول: طب وكل ده إيه علاقته باللي قولتيه في التليفون؟ إنتِ قولتي خايفة أحمد يشوف حاجة.. مش خايفة أنا أشوفها. لو الموضوع بلطجية وبيدوروا على أبوها، كنتِ هتخافي عليا وعليه سوا، ليه خصيتي أحمد بالذات بالكلام؟!
أم ندى بلعت ريقها، وبصت للترابيزات اللي جنبنا تتأكد إن مافيش حد سامع، وبعدين قربت راسها مني وهمست بصوت واطي ومبحوح كأنها بتعترف بجريمة: عشان الحاجة اللي كانوا بيدوروا عليها، واللي أبوها كان شايلها قبل ما يهرب كانت عندي في المطبخ تحت حوض المواعين، مستخبية في قعر جردل قديم. ولما شوفتك داخلة المطبخ، افتكرتك أحمد! كنت مرعوبة أحمد يمد إيده يجيب مياه ولا يساعدني، فيلمح الشنطة اللي أنا لسه يدوب مدخلاها ورا الأنابيب عشان أداريها!
سألتها وقلبي بيدق في وداني: شنطة إيه دي؟! أبوها سايب إيه وراه خلاكي بالرعب ده كله؟!
ردت وهي شفايفها بترتعش وعينيها بتلمع بالخوف: دهب.. دهب مش بتاعه، وأوراق ملكية أراضي مش بتاعته، ووصلات أمانة على بياض متوقعة من ناس تقيلة. لو الحاجة دي اتقفشت عندينا أو اتعرف إنها معايا، مش بس هيحبسوه.. هيدبحونا كلنا! وأحمد.. أحمد شغال مهندس في نفس الشركة اللي صاحبها ليه الفلوس والورق ده كله! أحمد لو شاف الورق ده أو لمح اسم صاحب الشغل عليه، كان هيفهم كل حاجة في ثانية، والموضوع كان هيفرقع في وشنا كلنا وندى كانت هتتفضح ويتخرب بيتها قبل ما يبدأ!
رجعت بضهري لورا وأنا مش قادرة أستوعب كمية الكوارث اللي بتترمي فوق دماغي دفعة واحدة. يعني الموضوع مش شوية كركبة ولا إهمال ست بيت، الموضوع شبكة مصايب، ونصب، وأوراق مسروقة، وناس بلطجية، والأخطر من ده كله إن ابني شغال في نفس المكان اللي فيه راس الأفعى وهو مش داري بحاجة، وماشي زي الأعمى ورا مشاعره وبيخطط لفرح وجواز!
بصيت للست بجمود وقولت: وإنتِ كنتِ ناوية تخبي ده كله لحد إمتى؟ كنتِ ناوية تدبسي ابني وتجوزيه لبنتك، والناس دي تروح تكسر عليه بابه هو بعد الجواز وتهدد مراته في بيته؟ كنتِ هترموا بلاكم على ابني الشقيان الغلبان اللي طالع عينه عشان يبني مستقبله؟!
نزلت دموعها بجد وقالت وهي بتشهق: وحياة ولادك يا شيخة، أنا ماليش ذنب ولا بنتي ليها ذنب! ندى متعرفش حكاية الشنطة، ندى فاكرة إن أبوها استلف فلوس وسافر يشتغل عشان يسدها وبس، متعرفش لا عن الورق ولا عن اللي في المطبخ. أنا كنت ناوية أخلص من الشنطة دي، كنت بدور على طريقة أرجعها لأصحابها من غير ما يقتلونا ولا يفضحونا، بس كنت محتاجة وقت.. عشان كده طلبت منك نتقابل. أنا مش طمعانة في ابنك ولا عايزة أورطه، أنا كنت خايفة عليكي وعليه، وعايزة نجدة.. أنا ست مكسورة الجناح ومعيش راجل يقف قدام الناس دي، وأحمد شاب شهم وليه معارف وكنت…
قطعت كلامها بحزم ورفعت إيدي في وشها: اقفي عندك! أحمد ابني مالهوش دعوة بالعك ده كله، ولا هخليه يحط رجله في النار عشان خاطر غلطات راجل مابيتقيش ربنا في بيته وبناته. أحمد لو عرف بحاجة زي دي، بحكم شغله وأمانته هيضطر يبلغ الشركة عشان ميتحسبش متستر، وساعتها أبو بنتك هيتسجن وإنتوا هتتبهدلوا، ولو سكت عشان خاطر بنتك هيبقى بيخون أكل عيشه ويحط رقبته تحت المقصلة!
الست انكمشت مكانها وبقت تبصلي برعب كأنها حست إن الباب اتقفل في وشها تمامًا: يعني هتقولي لأحمد وتفركشي الجوازة يا طنط؟ هتهدي حيل بنتي اللي فرحانة ومستنية تتستر؟
سكتت شوية، وعقلي عمال يحسبها يمين وشمال. قلبي مش قاسي، وأنا أم برضه وبحس بوجع الأمهات، وشايفة الست اللي قدامي بتموت من الرعب ومستجيرة بيا. بس في نفس الوقت، ابني عندي بالدنيا ومافيها، مقدرش أرميه في التهلكة عشان أطبطب على غيره. بس برضه، الحكاية فيها تفاصيل كتير مش مريحة، ونبرة الست وطريقة حكيها محسساني إن لسه في حاجة تالتة ماتقالتش.
ر ويضيع نفسه وشغله. بس الموضوع ده مش هيعدي بالساهل. الشنطة اللي بتقولي عليها دي لسه في بيتك؟
هزت راسها بسرعة: أيوة، لسه زي ما هي، من خوفي معرفتش أخرج بيها بره الباب. حاسة إن في عيون مراقبة العمارة ليل ونهار.
بصيت في عينيها بنظرة فاحصة وسألتها: وبنتك ندى.. متأكدة إنها متعرفش؟ طب ومين اللي كان بيكلمها في البلكونة لما أحمد وقف معاها إمبارح؟ أحمد لما دخل عليا قالي إنها كانت بتعيط، وقالي إنها زعلت عشان أنا مشيت.. هل هي فعلًا كانت زعلانة عشان أنا مشيت؟ ولا كان جالها خبر بالمصيبة دي من وراكي؟
أم ندى سكتت فجأة، ووشها اللي كان أصفر بهت أكتر، وعينيها زاغت بطريقة خلت الشك ينخر في عضمي من تاني. اتلجلجت وقالت بصوت واطي: هي.. هي ندى كانت بتعيط عشانك والله..
قاطعتها بقوة: متكدبيش يا أم ندى! الوشوش اللي بتكدب أنا عارفاها كويس، وعينك دلوقتي مش بتقول الحقيقة. بنتك ندى كانت عارفة إيه؟ ومين اللي اتصل بيها على الموبايل في البلكونة وخلاها تنهار؟ أحمد ابني حكالي إن جالها تليفون قبل ما يدخلوا الصالون بدقيقة!
حطت إيديها على وشها وانفجرت في البكا، بس المرة دي كان بكا واحدة فضيحتها بتكبر ومش قادرة تلمها، وقالت بصوت مخنوق من ورا إيديها: المكالمة كانت من أبوها.. اتصل بيها على رقم غريب، وقالها جملة واحدة قبل ما يقفل: الشنطة اللي عند أمك، اوعي تسيبي أحمد يخرج من بيتكم إلا وهو واخدها معاه في عربيته!
الكلام وقع عليا زي المية الساقعة. وقفت على حيلي من مكاني والكرسي رجع لورا بصوت عالي لفت نظر الناس في الكافتيريا. بصيتلها بصدمة ورعبي اتحول لغضب جارف: إنتوا كنتوا عايزين تلبسوا ابني الشنطة؟! كنتوا عايزينه يخرج بيها في عربيته عشان لو اتمسكت تتمسك معاه هو وتطلعوا إنتوا منها زي الشعرة من العجين؟!
قامت وقفت وهي بتترعش وبتحاول تمسك طرف عبايتي: لا والله العظيم ما ده قصدي، والله أنا مكنتش موافقة، عشان كده خوفت لما شوفتك في المطبخ وقولتلك خروج عشان الشنطة كانت هناك وأنا مش عايزاكم تاخدوها! أنا ماليش يد في اللي أبوها قاله لندى!
سحبت عبايتي من إيدها وأنا دمي بيغلي، وقولتلها بصوت يرج من كتر الغيظ: الحكاية دي مش هتتقفل هنا يا أم ندى. إنتِ هتيجي معايا دلوقتي حالا على بيتك، وتوريني الشنطة دي بعيني، وتفهميني بنتك ناوية على إيه مع ابني، وقبل ما النهار ده يغرب، يا إما الحقيقة كلها تبان قدام أحمد.. يا إما أقسم بالله العظيم ما هيرحمكم من البوليس إلا اللي خلقكم!
مشيت خطوتين ناحية باب الخروج وأنا مستنياها تتحرك ورايا، بس فجأة تليفوني رن في إيدي.. بصيت للشاشة لقيت اسم أحمد، وصوته أول ما فتحت كان مرعوب ومخنوق: ألو.. يا ماما، إلحقيني.. أنا في المستشفى ومعايا ندى




